عبر المفكر الإسلامي المصري المحامي منتصر الزيات، الناطق الرسمي للمنتدى العالمي للوسطية، عن قلقه إزاء الوضع الحالي في مصر، مشددا على الحاجة الماسة لإجراء حوار وطني لمواجهة التحديات الراهنة.
وقال الزيات، خلال محاضرة في منتدى الدستور للفكر والدراسات ادارها رئيس التحرير المسؤول الزميل محمد حسن التل، إن الشعوب العربية التي يقودها وجدانها للوقوف خلف شعار «الإسلام هو الحل» ستتخلى عن رافعي هذا الشعار إذا لم يقدموا حلا حقيقيا للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها هذه الشعوب.
وأكد الزيات، رفضه لجوء قوى المعارضة إلى الشارع للتعبير عن مطالبها، رغم أنه أكد تفهمه لموقفها، مشيرا الى عدم تنفيذ الرئيس مرسي لتعهداته لقوى الثورة قبيل جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة، ما وصفه بالإشكالية «الثانية» لمسيرة الثورة في مصر.
وأشار الزيات الى أن الإشكالية الأولى تمثلت في تراجع قاطرة التيار الشبابي الذي قامت الثورة على أكتافه لصالح من وصفهم بـ»النخبة الفاسدة» الذين باتوا يتصدرون المشهد.
ورغم توجيهه انتقادات للرئيس مرسي وإدارته لا سيما في الجانب الاقتصادي والتنموي، إلا أن الزيات اعتبر أن الرئيس المصري المنتخب لم يمنح الفرصة الكافية لتحقيق مشروعه، معتبرا أن «الإخوان» ما زالوا الخيار الوحيد لتولي الحكم في مصر حاليا بديلا لحكم العسكر.
رئيس التحرير المسؤول :
في بداية الندوة الحوارية قدم رئيس التحرير المسؤول الزميل الأستاذ محمد حسن التل ضيف المنتدى، وألقى كلمة استهل بها اللقاء تاليا نصها:.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله، سيِّدنا مُحمد النبي العربي القرَشي الهاشمي، الصادق الأمين.
شكلت مصر، عبر مختلف مراحل التاريخ، قاعدة الامة وقلعَتها؛ فهي أرض الرجال والعتاد، كما وصفها عمرو بن العاص للفاروق -رضيَ الله عنهما- وكانت مصر، عبرَ كل الازمان الفائتة، الضامنة الحقيقية لوحدة الامة، وصون هذه الوحدة؛ فعندما تكون مصر قوية عزيزة، تكون الامة كلها، قوية عزيزة، فما عزت مصر، إلا عزت الامة، وما ضَعفت مصر، إلا ضعفت الامة وهانت. معادلة ما حاد التاريخ عنها، أبدا.
مصر العظيمة، التي ذكرت في القرآن الكريم أربع مرات عن دون البلاد، مرت بمراحل تاريخية كثيرة ومتعددة ومتنوعة، من القوة والعزة، إلى الضعف والاحتلال، وكانت الامة كلها تدفع ثمن هذا الضعف، ولكنها كانت أيضا، تقطف ثمرة قوة مصر وعزتها.
منذ أكثر من ستينَ عاما، وقعت مصر ضحية الحكم الشمولي، الذي لا يقبل الآخر، تحت مسمى الثورة، وقدسية المعركة، وتحولت مصر، في حقبة تاريخية، إلى معتقل كبير، لكل من يقول (لا..)، أو حتى يحاول التفكير، ثم تحولت، في العقدين الأخيرين، إلى ناد كبير، لرجال الاعمال الفاسدين؛ فنهبوا خيراتها، واستباحوا مقدراتها، وجعلوها رهينة لخصومها. حتى رغيف خبز أبنائها، أصبح قراره ليس مصريا، واصبحت أم البلاد، أكبر المستدينين من البنوك الدولية، وبات قرارها السياسي ضعيفا مهمشا، يحاكي رضا العدو. وكل هذا انعكس حتما، على الامة بكاملها -كما قلنا- ضعفا وهوانا، وبلغ اليأس مبلغه في النفوس، واستبعدَ الكل التغيير، في المدى المنظور، أو حتى البعيد، ولكننا كلنا، نسينا أنه إذا أرادت الامة، أراد الله تعالى، ونسي طغاة مصر، ككل الطغاة، أن الشعوب إذا غضبَت، فتكت، وأن الرهانَ على صمت الشعوب وسكونها، خطأ قاتل؛ فالشعوب، لا أحد يعرف متى تنفجر بالضبط، كالزلزال.. لا تستطيع قوة في الأرض أن تحدد موعدَ انفجاره، وهكذا هي ثورة الشعوب دائما؛ فالشعوب عندما ينفجر غضبها، لا يقف في وجهها شيء، خصوصا إذا كانت متسلحة بالإيمان، وأن الله معها؛ لأن الله عز وجل يدافع عن المظلومينَ في الارض، وشعب مصر كله كان مظلوما؛ فكان ذلك اليوم المشهود، يوم الخامس والعشرين من يناير 2011، عندما خرج شباب مصر، إلى الميادين، معلنين ثورتهم على الظلم والفساد والتهميش، ولم تمض إلا أيام معدودات، إلا وكانت أرض مصر العظيمة، تتزلزل تحت أقدام الطاغية ومن معه، وهتف المصريون، في تلك الليلة المباركة، وهم يكبرون الله ويحمدونه: (تحيا مصر).
والأمة كلها، تهتف من ورائهم، بدموع الفرح: (تحيا مصر). ويتحقق الحلم، وتتحرر مصر، من قيد الظلم والهوان، وتتنفس الامة الصعَداء، ولكن.. (وهنا لكن كبيرة)، ما الذي يحدث الان في مصر؟ سؤال كبير يلح علينا جميعا: هل هناك من خطف الثورة من بين أيدي أصحابها؟ هل استعجلَ «الإخوان» في الانقضاض على الحكم، وكل مفاصل الدولة؟ هل بالفعل، يريد «الإخوان» أَخونة الدولة المصرية؟ هل رئيس الجمهورية الحقيقي، هو المرشد؟ هل مكتب الارشاد هو مجلس الوزراء الفعلي في مصر؟ أم أن هناك في مصر والعالم، مَن لا يعجبه وصول «الإخوان» الى سدة الحكم في مصر، أكبر دولة عربية، حيث يرون في حكم «الإخوان» بداية الطريق الصحيح لمصر؟ أم أن فلول النظام السابق المقبور، ما زالت لها مخالب، تنهش بها ظهر الثورة، لعرقلة حكم «الإخوان» والعودة إلى الدولة العميقة؟.
أسئلة كثيرة تلح علينا، سيجيبنا عنها ضيفنا الكريم، الاستاذ منتصر الزيات، أحد أقطاب السياسة المصرية، والمفكر الاسلامي المعروف. أهلاً وسهلاً بكم.. حياكم الله.
منتصر الزيات
بسم الله الرحمن الرحيم.. أتوجه بالشكر العميق لدار «الدستور»، جريدة ومنتدى وحضوراً كريماً على هذه الضيافة وهذه الدعوة الكريمة.
مستجدات الأوضاع في مصر
كنت في هذه القاعة قبل أيام معدودة من 22 يناير 2011، باستضافة كريمة سابقة كالتي أتشرف بها بينكم الآن، وتحدثت عن توقعاتي لما يمكن أن يجري في ذلك اليوم، فشككت كثيراً في إمكانية خروج الشعب المصري خلف النخبة «الفاسدة».. هكذا وصفتها بينكم في تلك الليلة، وبررت صمت الشعب طيلة السنوات التي مضت من حكم مبارك بأنها ليست ثقة في مبارك، أو تأييداً له، وليست أيضاً جبناً أو ضعفاً أو خوراً، ولكن الشعب لم يجد الطليعة التي يثق فيها ويخرج خلفها، هذا هو المتغير الوحيد الذي يمكن أن يحدث فيخرج الشعب.. وقد كان.
نجح الشباب في مصر أن يقنعوا الشعب ليخرج ويؤيدهم ويحميهم ويحاجي عليهم ويدافع عن أحلامهم، شباب مصري طاهر يحب بلده، من خلف الكيبورد بدأ يدعو للانتفاضة ضد الظلم والقهر والاستبداد والجوع والحرمان. معظم هذا الشباب الذي كان في الطليعة شباب مثقف «مستور» بالمصطلح البلدي العامي المصري.
وائل غنيم الذي لم يكن أحد يعرفه قبلها، مصمم برمجيات مرموق في «جوجل» وكان مقر عمله في دبي مسؤولاً عن تنفيذ تعريب جوجل في الشرق الأوسط، ما يعني أنه كان مرتاحاً مالياً واجتماعياً، صمم صفحة كلنا خالد سعيد، ودعا للخروج في 25 يناير.. أسماء محفوظ كانت على ما أعتقد أول من أطلق نداء التظاهر على الفيسبوك والخروج يوم 25 يناير، هي أيضاً، «مستورة» وجامعية مثقفة.. مصطفى النجار طبيب أسنان، خالد تليمة يساري مصري محترم، أحمد ماهر رئيس حركة 6 إبريل، شادي الغزالي حرب.
شباب طاهر ونخبة فاسدة
لو أردت عد أسماء الشباب فلن أستطيع، لكن هؤلاء الشباب الذين صنعوا ذلك الحدث الأبرز في تاريخ العالم المعاصر، تصرفوا بنبل ومثالية مفرطة يوم 11 فبراير عندما تخلى مبارك عن السلطة جبراً، فرحوا واحتفلوا في الميادين في كل المحافظات ثم حملوا أدوات النظافة لينظفوا المكان، الميدان والشوارع، ثم تركوا كل شيء للعسكر، للجيش المصري، للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم وقعوا فريسة خداع النخبة الفاسدة التي عادت إلى الواجهة مرة أخرى بعد اختفائها تماماً أثناء 18 يوما.. والحقيقة أن هذه هي الإشكالية الأولى التي حدثت بعد الثورة بتراجع قاطرة الثورة ممثلة في الشباب وتقدم «النخبة الفاسدة» واجهة المشهد ولعب دور أمام الميكروفونات وكاميرات الفضائيات.
لو أنكم تذكرون فإن هذه النخبة هي التي حاولت أن تعطي قبلة الحياة لنظام مبارك باختراع «الحوار مع النائب»، والنائب هو عمر سليمان رحمه الله، ولما فشل الحوار كان اختراع «لجنة الحكماء» التي حاولت أن تصرف الشباب عن التواجد بالميدان وقبول أطروحات نظام مبارك. كل هذه مؤامرات تم تدبيرها لشباب طاهر لم تلوثه أدوات السياسة، وصرنا نشاهد جنرالات الميكروفونات من رؤساء الأحزاب القديمة البالية وشخصيات من التي كانت «تلعب» على أحبال نظام مبارك. أيضاً المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يكن منصفاً في التعامل مع القيادات الشبابية للثورة ولم يمنحها فرصة التأهل للحكم ولم يشرك أياً منها في حقائب وزارية أو إدارية رفيعة المستوى في الحكومات التي تشكلت في تلك الفترة، لا وزراء ولا محافظين ولا رؤساء مدن، وبالعكس، فقد تم تشويه نضالهم وتقديمهم للشعب في صورة مخربين معطلين.
لكن، لا يمكن إعفاء القيادات الشبابية من المسؤولية، لأنها هي التي تشرذمت وانقسمت بين تجارب حزبية مختلفة المشارب ولم تحتل فيها مكانة تليق بعطائها الثوري فانطفأ وهجها.
أين المشكلة؟
أعتقد أننا بحاجة إلى ضرورة ترصد أسباب المشكلة في مستجدات المشهد بعد عامين من ثورة 25 يناير، حتى يمكن استلهام آفاق الحل، قبل أن تتعمق في الداخل، وأريد أن أشير إلى الجفوة أو الابتعاد عن قاطرة العالم العربي.
ومثلما تحدثنا عن تراجع قاطرة شباب الثورة، سنتحدث عن تراجع الحلم العربي، والوحدة العربية. أريد أن أشير إلى الجفوة بين مصر وجيرانها من العرب، ويجب أن نتساءل عن السر، فجميعنا عشنا الحلم العربي، وعشنا تاريخ الثورات العربية، وعشنا أحلام الوحدة العربية حتى في الأحلام والأفلام والأغاني التي لم نعد نراها الآن، فلماذا غاب الحلم العربي في ثورات الربيع العربي؟ فلا تونس متميزة عن مصر في هذا الأمر ولا ليبيا ولا اليمن، وسوريا تغرق في الدماء.. لماذا غاب الحلم العربي؟ لماذا مصر تتوتر علاقتها مع أخلص خلصاء الأصدقاء العرب؟ أنا أطرح تساؤلا حقيقيا أبحث له عن إجابة فلا أجد!.
الإمارات العربية المتحدة.. لا يمكن - وأنا يومها كنت شاباً - أن ننسى في حرب 1973 الشيخ زايد رحمه الله ودعمه ومواقفه مع مصر وأبنائه وشعبه. وكل الناس تتحدث عن الملك فيصل الذي لعب دوراً في حرب البترول، فليس من الصحيح عندما تحدث الثورة المصرية أن نتقاطع مع الإمارات العربية المتحدة. وأنا ممنوع الآن من دخول الإمارات رغم أنني لست من الإخوان المسلمين.
المملكة العربية السعودية.. وإن كنت أشعر بطمأنينة أن الأزمة تغادر مكانها مع المملكة العربية السعودية، فكبيرة الدول الخليجية تغادر أزمتها، وبدأت تقوي العلاقة مع مصر إدراكاً أن العلاقة مع الشعوب أهم من العلاقة مع الحكام، لكني أتساءل ما هو السبب؟.
لا أعتقد أن السبب في الثورة، أو أن هذه الدول لها تحفظ على الثورة، وأنا قلت هنا في الأردن، وفي هذه المنصة قبل مدة، أنهم علمونا أن الملكيات رجعية، والجمهوريات تقدمية، فاكتشفنا أن الجمهوريات باتت تدعو إلى التوريث، وأن التقدميين أجهضوا شعوبهم وأتعبوهم وسرقوا ثروة الشعب، وجوعوا شعوبهم، بينما الملكيات طَعِموا وأطعموا شعوبهم، فهذه قناعتي الخاصة، ولا أعتقد أن هذا سبب، لأن الشعوب العربية هي التي تقدر مصلحتها، فهذا سؤال يبحث عن إجابة: لماذا تراجعت قاطرة الوحدة العربية بعد الثورات في العالم العربي؟.
معركة الرئاسة وما بعدها
انكشف غبار المعركة الرئاسية على جولة أخيرة للإعادة بين مرشحين لم يكونا تعبيراً حقيقياً عن نتائج ثورة 25 يناير، الدكتور محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين، الخصم التقليدي التاريخي لنظام مبارك، وهو في ذات الوقت مرشح الثورة، هكذا يفترض أن يكون.. والآخر هو الفريق أحمد شفيق بحسبانه - وفق توصيف الجميع - مرشحا يمثل نظام مبارك وامتدادا له.
ونحن نتقصى تلك الفترة المهمة من تاريخ مصر لا بد أن نقف عند الاضطراب الذي ساد المشهد، فهناك شخصيات وقوى تحسب على الثورة قاطعت جولة الإعادة ودعا أنصارها إلى المقاطعة، وأبرز هؤلاء الأستاذ حمدين صباحي وآخرون.
بدت حاجة جماعة الإخوان ومرشحها الدكتور محمد مرسي ماسة وأكيدة لدعم كل القوى الثورية والفصائل سواء القومية أو الإسلامية، وهي تمثل كل قوى الميدان أثناء الثورة، وعقد اجتماع «فيرمونت» الشهير الذي حضره عدد من الشخصيات البارزة التي تمثل قوى الثورة المدنية في طليعتهم حمدي قنديل وعلاء الأسواني وسكينة فؤاد وعبدالغفار شكر وحسن نافعة وممثلون لحركات وائتلاف الثورة مثل شادي الغزالي حرب وأحمد ماهر. ويحسن أن ننقل نصاً ما اتفق عليه أطراف الاتفاق.
أولاً: التأكيد على الشراكة الوطنية والمشروع الوطني الجامع الذي يعبر عن أهداف الثورة وعن جميع أطياف ومكونات المجتمع المصري ويمثل فيها المرأة والأقباط والشباب.
ثانياً: أن يضم الفريق الرئاسي وحكومة الإنقاذ الوطني جميع التيارات الوطنية، ويكون رئيس هذه الحكومة شخصية وطنية مستقلة.
ثالثاً: تكوين فريق إدارة أزمة يشمل رموزاً وطنية للتعامل مع الوضع الحالي وضمان استكمال إجراءات تسليم السلطة للرئيس المنتخب وفريقه الرئاسي وحكومته بشكل كامل.
رابعاً: رفض الإعلان الدستوري المكمل الذي يؤسس لدولة عسكرية ويسلب الرئيس صلاحياته ويستحوذ السلطة التشريعية، ورفض القرار الذي اتخذه المجلس العسكري بحل البرلمان الممثل للإرادة الشعبية وكذلك رفض قرار تشكيل مجلس الدفاع الوطني.
خامساً: السعي لتحقيق التوازن في تشكيل الجمعية التأسيسية بما يضمن صياغة مشروع دستور لكل المصريين.
سادساً: الشفافية والوضوح مع الشعب في كل ما يستجد من متغيرات تشهدها الساحة السياسية.
ونؤكد بوضوح استمرار الضغط الشعبي السلمي في كل أرجاء الجمهورية حتى تتحقق مطالب الثورة المصرية ومطالب جميع المصريين.
كانت نتيجة هذا الاجتماع وصول مرسي إلى الحكم بفارق 1% تقريباً، فكانت الإشكالية الثانية هي عدم تنفيذ تلك الاتفاقات بين المرشح الرئاسي محمد مرسي وبين ممثلي القوى السياسية وانفراد الإخوان بالحكم.
بالتأكيد، أصبح للإخوان موقف من شخصيات غابت عن الاجتماع الشهير مثل محمد البرادعي وشخصيات قاطعت انتخابات الإعادة ودعت لمقاطعتها مثل حمدين صباحي، والموقف هو استبعادهم من أي شراكة سياسية، لكن، هل أشرك الرئيس مرسي آخرين غيرهم ممن حضروا الاجتماع في أي مناصب تنفيذية أو داخل مؤسسة الرئاسة؟.
هذا هو الموقف المعقد المستمر، هذه القوى التي تشعر بالندم على اتفاقها مع مرسي تضع العقبات والعراقيل في طريق مرسي وجماعته وحكومته وإدارته وتمنع نجاحه أو استقراره مرة تلو المرة في مظاهرات ومليونيات تدعو إليها وسط حالة انفلات أمني، وإهانة بالغة لمؤسسة الرئاسة وشخص الرئيس في هجوم تكرر على القصر الرئاسي ونحو ذلك من أحداث.
تلك إشكالية حقيقية.. وهنا نطرح مجموعة تساؤلات مهمة تضع الإجابات عليها الضوء على مستقبل مصر وطريقة إدارتها: هل يمكن أن يؤدي توافق الإسلاميين إلى تهميش دور الليبراليين والمدنيين؟.
أنا أعتقد أن لا أحد يستطيع الحكم وحده منفرداً، خصوصاً في الفترة الانتقالية التي نبني فيها مؤسسات الدولة الحديثة لمصر الثورة. ولو افترضنا أن المعارضين لمرسي استطاعوا إنزاله أو الإطاحة به، فهل يعني هذا قدرتهم على الحكم بعدها؟ أم أن الإخوان وباقي فصائل التيار الإسلامي سيحولون حياتهم جحيماً، وفي النهاية، سينزلون الرئيس الجديد من على كرسيه!! وهل هناك توافق حقيقي بين الإخوان وباقي الفصائل الأخرى؟!.
سؤال آخر: هل الحوار يمكن أن ينتج أثراً في التوافق أم أن كل فصيل يسعى لبسط رؤيته ونفوذ سلطاته؟.
أنا طبعاً أتفهم اعتراضات «المعارضة» والثقة المفقودة بينها وبين الرئيس، لكن السياسي لا ينبغي أن يكون أسيراً لموقف. وأعتقد أن ضغوط الحياة وضغط الجماهير يمكن أن تكون سبباً أو متغيراً لإمكانية التوصل لتفاهمات جديدة بين النظام ومؤسسة الرئاسة والمعارضة. ولعل تجربة جلسة الحوار الوطني التي دعا إليها السيد الرئيس إثر أزمة الإعلان الدستوري الشهير كانت مفيدة في تأكيد هذه الفرضية التي نسوقها لإمكانية التفاهم، فقد تمكنا مع الشخصيات التي حضرت من إقناع الرئيس بضرورة إلغاء الإعلان الدستوري وصوغ إعلان جديد بطريقة تحقق رغبات الرئاسة وأيضاً مطالب المعارضة. لذلك أتطلع إلى تفعيل المبادرة التي أطلقها الأستاذ هيكل لإجراء حوار بين الرئاسة والمعارضة، مؤكدا أن هناك سؤالا مهما حول مستقبل مشروع الإسلام السياسي؟.
مشروع الإسلام السياسي
جزء كبير من الأزمة يتعلق بمحاولة خصوم التيار أو المشروع الإسلامي إعاقة تقدم أصحاب هذا المشروع وإفشال التجربة. وهناك مساحة كبيرة من وجدان المواطن المصري مرتبطة بهذا المشروع، محبة له، وهذا في حد ذاته رابط معنوي ضخم بين الناخب المصري وبين أصحاب المشروع الإسلامي بروافده المتعددة يحقق لهم تقدماً ملحوظاً على أصحاب المشروعات المدنية أو الليبرالية أو اليسارية.
هنا يكمن اهتمام القوى المدنية بالتأثير في استقرار وتربع الإسلاميين في المقدمة. ولا يمكن فهم هذه المحاولات بقدرتها على إبعاد الإسلاميين عن الصدارة بقدر الرغبة في تقليل الفارق بينهم.
الوجدان العميق فرض مهم في مكونات قرار الجمهور في مصر. ولا شك أن إخفاقات أصحاب المشروع الإسلامي ستترك أثراً على حجم التأييد ونسبته الرقمية، على الأقل في المرحلة الحالية أو في أول انتخابات برلمانية مقبلة، لكنها لن تنال من تقدمه وتفوقه. هناك حالة من القلق تسود بعض «فصائل» التيار الإسلامي من حالة الجمود التي تصيب قدرة «الجماعة الأم» على اختراق المعارضة الايديولوجية للمشروع وأن التقدم في مسارات اجتماعية واقتصادية يحقق تفوقاً ملموساً لهم في النزاع.
دائماً ما تثور المقارنة بين معالجة الإخوان لمسائل الحكم ومعالجة رجب طيب أردوغان! فالأخير جاء وسط تحديات عميقة وتربص العسكر، لكنه أجرى سياسات اقتصادية واجتماعية أنصفت الفقراء ودفعت حالة التنمية إلى الأمام، ما حقق له ولمشروعه جماهيرية كبيرة وتأييداً شعبياً داعماً له على حساب المؤسسة العسكرية التي تراجع نفوذها لدرجة كبيرة.
تردد أن أردوغان نصح الإخوان بعدم الوقوع مرة أخرى في أخطاء الزعيم «نجم الدين أربكان» الذي دخل في مواجهات مع كل القوى من حوله لاهتمامه الكبير بالشعار الإسلامي وإنفاذ قوانين ذات صلة بتغيير ايديولوجية الدولة التركية العميقة، ففشل ولم يستمر أكثر من ثمانية أشهر قليلة حظر بعدها العمل السياسي عليه وعلى حزبه.
لا شك أن الاختبار صعب، وأن كل فصائل التيار الإسلامي تشعر بخطر داهم حال فشل الإخوان في تجربة الحكم، وهم يمثلون الريادة والقيادة لكل حركات التيار الإسلامي، على الأقل التي تمارس العمل السياسي والقدرة على التغيير من خلال آليات الديمقراطية والانتخابات، وهو ما دفع قياديا كبيرا في جبهة الانقاذ - هو الأستاذ أحمد خيري من الحزب المصري - إلى القول إن مشروع الإسلام السياسي لن تقوم له قائمة بعد اليوم!.
وربما تأتي تحركات حزب النور المعاكسة لتوجه حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي للإخوان، في إطار البحث عن موطئ قدم أو مساحة تتحرك خلالها المدرسة السلفية بعيداً عن حضن الجماعة الأم، خصوصاً في ضوء احتفاظ الإخوان بكل كروت اللعب في أيديهم وعدم إشراكهم فصائل إسلامية متحالفة في دائرة نفاذ القرار أو منحهم حصصا تنفيذية مناسبة.
لا يعرف أحد على وجه الدقة كيف يفكر الإخوان؟ وما هي حساباتهم في هذا الإطار لمواجهة تحديات القوى العلمانية المعاكسة للمشروع الإسلامي؟ أم أنهم يراهنون على الوقت وانطفاء حماسة الاحتجاجات؟.. الأكيد أن لديهم حسابات سوف تكشف الأيام عن صحتها وسلامتها أو العكس.. لكن، ضروري جداً أن ينتبه قادة الإخوان أن الاهتمام بالشعار الديني وحده لن يحقق الاستمرار في الحكم، ما لم يترجم الشعار إلى واقع يحقق للناس التنمية والدخل والحرية.
إجمالاً، أعتقد أن فصائل التيار الإسلامي تحقق تحركات إيجابية على أرض الواقع، فالإخوان لهم جمهورهم وأنصارهم وحلفاؤهم، وهذا يمكن ترجمته بنسبة مئوية، والسلفيون لهم جمهورهم وأنصارهم ومحبوهم وحلفاؤهم، وهو ما يمكن ترجمته إلى نسبة مئوية على أرض الواقع. الجماعة الإسلامية وحزبها البناء التنمية يحقق نضجاً سياسياً كبيراً ويقطع مسافات في وقت قصير، ونفوذه في محافظات الوجه القبلي أيضاً يمكن ترجمته لنسبة مئوية على أرض الواقع.
أما الخريطة على الجانب الآخر في أوساط المعارضة المصرية فهي موزعة بين جبهة الانقاذ وتضم رموزاً سياسية محترمة وأحزاباً مصرية أبرزها تاريخياً هو حزب الوفد وحزب الدستور الذي يقوده الدكتور محمد البرادعي، ولا يمكن قياس قوته وبنيته التنظيمية بعيداً عن تجربة انتخابية مكتملة، وهو ما سيتضح في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتيار الشعبي بقيادة حمدين صباحي، والحزب الناصري بقيادة سامح عاشور، وأحزاب أخرى صغيرة لم تحقق أي جماهيرية في الانتخابات الماضية.. وبين تكتل شبابي لا توجد له قيادة معروفة تحرك في التظاهرات التي انطلقت إثر الإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس مرسي وما بعده. هذا التكتل برز بقوة وسبب حرجاً كبيراً لمؤسسة الرئاسة عندما حاصر قرابة 700 ألف شاب ومواطن قصر الاتحادية، لكن هذا التكتل تراجع نتيجة اندساس عناصر إجرامية مارست العنف وقامت بإشعال النار في مبان حكومية وخاصة، فتراجع التأييد الشعبي لهذا التكتل الذي كان يتوقع أن يكون رقماً مهماً في الحياة السياسية المصرية، ويمكن أن يعود لو تم تنظيم صفوفه بطريقة جيدة واستعادة بعض القيادات الشبابية التي ظهرت في تحريك مسار ثورة 25 يناير، فميزة هذا التكتل أنه ضم أطيافا شبابية مصرية وطنية بامتياز ليس لها أجندة سياسية أو أغراض انتخابية.
هناك مشكلة في التواصل بين تكتل الشباب الغاضب وبين الإخوان، فهم لا يرونهم ولا يمثلون لديهم مشكلة، ومن ثم يشعر هذا الشباب بغرور الإخوان وغطرسة القوة لديهم.. أنا شخصياً أعتقد أن حمدين صباحي ظلم نفسه كثيراً بالتواجد في إطار «جبهة الانقاذ» التي لا تعكس أي نفوذ أو عمق شعبي حقيقي، وكان يمكنه البناء على ما حققه في انتخابات الرئاسة من تأييد شعبي كبير من خلال «التيار الشعبي» الذي أسسه، ويمكن لحمدين أن يستعيد امتداده الأفقي في الشارع لو عاود تحركاته من خلال التيار الشعبي وتحالفه مع التكتل الشبابي الاحتجاجي الصاعد.
وماذا بعد؟
«عيش حرية عدالة اجتماعية».. أعتقد أن هذا الشعار كان ساحراً ومعبراً عن طموحات الشعب المصري، لذلك فإن البعد الاقتصادي يلعب دوراً مهماً في رسم خريطة المستقبل القريب، فما لم تثبت قدرة النظام - ورأس الحربة فيه جماعة الإخوان - على تحقيق التنمية وخفض معدلات الفقر والإحاطة بأزمات حياتية خانقة ومن ثم تبدأ في التقدم للأمام شيئاً فشيئاً، فإن البديل الخطر هو ثورة الجياع.
ومن أهم التحديات الآنية التي تحقق البلبلة سيطرة وتوجيه وإعلام عشرات الفضائيات التي تستعمل «فلول الإعلام البائد»، سواء منه الرسمي أو التجاري، الذي يقود المعركة ضد القوى الجديدة الحاكمة، التي تسلمت مقاليد السلطة بعد انتخابات حرة ونزيهة، وسوف نجد هذا يتكرر في كل من تونس وليبيا واليمن، وهذا ما يعكر صفو الربيع العربي والنظام الشوري الديمقراطي الذي تسلم السلطة في الأقطار التي تحررت.
بات المجتمع المصري مهيأً بقوة لقبول «شيء من الحسم» يبديه الرئيس مرسي تجاه معارضيه، أو بشكل أكثر دقة تجاه المخربين والمجرمين الذين يرتكبون الجرائم باسم المعارضة ويندسون وسط المظاهرات ليشعلوا النار في المباني أو يقطعوا الطرق.
أظن أن التعامل مع هؤلاء بحسم وبتطبيق قانوني سليم سيلقى رضى وتأييدا شعبيا للانتقال إلى مرحلة جديدة يأمل المصريون فيها أن يحصلوا على العيش الكريم حصاداً لما قدموه من تضحيات وشهداء.
وأعتقد أن ما يتبقى من مستجدات المشهد لاعب أساسي لم نتطرق إليه هو «الجيش»، والجيش المصري له في نفوس المصريين مكانة متجذرة، وهو حاول الالتزام بخريطة انتقال السلطة رغم كل الضغوط التي تعرض لها، وكل الإساءات التي وجهها ضده رموز النخبة المصرية، والتشكيك في وعوده.
البعض كان يحاول «جرجرة» الجيش لمعارك وأفخاخ لاقحامه في مسلسل إسقاط المؤسسات الذي حرص البعض على إتقانه، لكن الجيش في الوقت المناسب سلم السلطة للرئيس المنتخب.
اليوم، المعارضة المصرية تشعر بعجز وعدم قدرة على إقناع الشعب بالتحرك لصالحها. اليوم، رموز النخبة المصرية عادت لتعزف على وتر الجيش معزوفة الحرية والخلاص، نفس الوجوه تقريباً، لكن الجيش وعى الدرس.
ليس هناك في الأفق بديل سياسي جاهز ليخلف الإخوان في الحكم، فالمعارضة تفتقر إلى ثقة المواطن المصري، لذلك سيبقى الإخوان حتى إشعار آخر، لأنه «إما الإخوان أو العسكر».
أشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مداخلات
رئيس التحرير المسؤول: نشكر الأستاذ منتصر الزيات على هذه المحاضرة، وقد لفت نظرنا فيها إلى أن أصحاب الثورة الحقيقيين، شباب مصر، سحبت الثورة من بين أيديهم أو ضاعت من بين أصابعهم، لنبلهم وحبهم الزائد لمصر، وثقتهم بالنخبة التي ضيعتهم وضيعت مشوارهم.. والآن نفتح باب الحوار.
المهندس عزام الهنيدي: نشكر المحامي منتصر الزيات على هذه المحاضرة القيمة.. نحن جميعاً في قلق شديد جداً على ما يحصل في مصر، باعتبار - كما ذكر الأستاذ محمد التل - أن مصر هي طليعة هذه الأمة، وأحوالها تؤثر على الأمة كلها، فإن انطلقت ونهضت تنهض الأمة، وإذا اخفقت تخفق الأمة.
أمامنا الشعوب، فهي التي تختار وهي التي تفرز، والمنافسة تكون بخدمة هذا الشعب، وبالالتقاء بهذا الشعب، وبنهضة هذه الأمة.
في مصر، الوضع مؤلم ومحزن، وهناك أخطاء حصلت، وآلت الأمور إلى ما آلت إليه.. سؤالي للأستاذ منتصر: ما هو تقييمك للأفق؟ وأتمنى أن نعطي الأمل بأن هذا الواقع الذي وصلت له مصر سينتهي وستكون هناك فترة انتقالية تنطلق بعدها مصر بإذن الله تعالى، فما تقييمك للخروج من هذا النفق المظلم؟.
رؤوف أبو جابر: لماذا لا يكون هناك اهتمام أكبر بالشأن الاقتصادي؟ وقد قامت هناك في البلاد هذه المؤسسات الإسلامية.. البنوك التي لا تتعاطى بالربى، شركات التأمين التكافلية التي تسمح بالمشاركة، فجميع هذه الخطوات مفيدة للاقتصاد، وهي جهاز ممتاز للوضع الإسلامي بأن يتقدم في الحقل الاقتصادي، فلماذا لا تنصحون الإخوان في مصر، وهم متمكنون من هذه الأموال الطائلة في العالم العربي، ليقوموا بتمويل الحركة الاقتصادية التي نحتاجها؟.
عمر كلاب: هناك رأي يقول إن فوز أحمد شفيق كان يعني ضياع مصر، وفوز محمد مرسي يعني استمرار الثورة في مصر، إلى أي مدى أثر هذا النمط من التفكير على جماعة الإخوان المسلمين بحيث حاولت أن «تؤخون» الدولة لمنع وجود ثورة جديدة تفضي إلى انتصار الثورة الحقيقية التي كان يؤمل بها الشباب المصري والشعب المصري عموماً.
ثانياً: بالنسبة لندائك الأخير الذي أنهيت به المحاضرة الكبيرة والذي كنت تقوله دائماً للرئيس محمد مرسي سراً وعلناً، هل تعتقد أن هناك جاهزية لدى الإخوان المسلمين لمشاركة آخرين في الحكم أم أن الاستحواذ قد ساد فكر الجماعة ولا مجال للآخر؟.
الزيات: أعتقد أن ثورات الربيع العربي كانت رغم أنوف أميركا ومن دار في فلك أميركا، فأميركا فوجئت بما يحصل، وهي لم تكن تضمن أكثر ولاء من ولاءات الحكام الذين غادروا، والذين كانوا يضمنون لها الاستقرار في المنطقة ويضمنون لها سياساتها، ويضبطون إيقاع المنطقة. والآن نتنياهو نفسه يتخلى عن طرح الدولة الدينية، فهو يعلي من الإسرائيلية على حساب الصهيونية.
بالنسبة للأفق، فأنا لا أستطيع أن أخفي قلقي، وأنا من الذين لا يقومون بعمل حسابات سياسية، ولا أطلب منصباً ولا أي شيء لأن الحرص أذل أعناق الرجال..
أنا قلق جداً لما يحدث في مصر كمواطن مصري، ولا يوجد لدي معلومات، لكنني أشعر أن الإخوان المسلمين في مصر لديهم دولاب مشاريع، فلديهم مشاريعهم وأطروحاتهم، ولديهم قدرات اقتصادية ورجال أعمال وأفق اقتصادي لا بأس بأن يكون بداية في دولة، لكني أشعر وأقرأ أنهم ينتظرون عندما تكون لهم حكومتهم الصريحة ليطبقوا ذلك، وكأنهم ينتظرون الانتخابات التي تسفر عن حكومة إخوانية ربما يتبوؤها المهندس خيرت الشاطر.
وإذا نظرنا إلى التعديلات الدستورية التي تمت فقد جعلت رئيس الوزراء يشارك رئيس الدولة بتسيير شؤون البلاد، أي أنها دولة رئاسية برلمانية، وهذا يفتح الباب أمام شخصية سياسية بحجم خيرت الشاطر بأن يأتي على رأس حكومة قادمة فيبدأ تنفيذ المشروع الإخواني في الحكم. والسؤال: هل نضمن من الآن إلى أن تجري الانتخابات أن يكون الشارع معه؟.
بالنسبة لحق الإخوان في أن يكون لهم الدولاب الوظيفي فهذا لا ينكره أحد، فلم يطلب أحد من أوباما عندما فاز أن يترك حزبه الديمقراطي، فلا يجب على أحد أن يلوم الإخوان إذا تبوؤوا المناصب الإدارية العليا، فهذا طبيعي، لكن، متى نقول «أخونة»؟.. عندما يكون عصب الإدارة المصرية إخوانيا، أما الرؤساء الكبار في كل وزارة فهذا أمر طبيعي.
وأرى من الطبيعي أن يكون لدى الإخوان نظام لينفذوا به سياساتهم، لكن أختلف معهم في توقيت هذا الأمر، ذلك أنه يكون عندما تجري انتخابات وتسفر عن فوز حزب بأغلبية، فحينها يقومون بتنفيذ سياساتهم، لكن الأغلبية التي يتحاكون بها الآن أعتبرها أغلبية غير حقيقية، والسبب أن هناك مجلس شعب تم حله، وثانياً نحن في فترة انتقالية كنا نصوغ الدستور معاً، فبعد صياغة الدستور وبعد إجراء انتخابات نيابية تسفر عن حكومة أغلبيتها من الإخوان حينها يستطيعون التنفيذ.
بالنسبة للاهتمام بالشأن الاقتصادي، فقد قلت أثناء الانتخابات - وأنا لست اقتصاديا - إننا إذا نجحنا في أن نحقق التنمية للمواطن المصري فسننجح، ذلك أن مدى قدرة الشخص على أن يقود دولة أمر آخر غير أن يكون واعظا، فأرى أن هناك إخفاقا في الجانب الاقتصادي.
المهندس مروان الفاعوري/ حزب الوسط الإسلامي: كنا ننتظر عبر تجربة طويلة أن تستكمل الشعوب العربية استقلالها بعد أن أوهمها المستعمر الذي استعمر العالم العربي سنين طويلة، أنه من خلال الأنظمة الجمهورية يمكن أن يكون هناك حرية ويمكن أن يكون هناك استكمال لهذا الاستقلال، فكان استقلالاً زائفاً، وكانت إسرائيل هي المستفيدة من هذا الاستقلال الزائف أو المنقوص.
نعتقد أن الخمسين سنة التي حكمت بها الأنظمة الجمهورية والأنظمة التي تدعي الثورية تكفي لنعطي الإسلاميين الآن في تونس ومصر واليمن وإن شاء الله في سوريا، فرصة على الأقل كي يقدموا شيئاً يحلون به سنوات طويلة من الفساد الذي وصل إلى النخاع وإلى البنى التحتية في الاقتصاد وفي السياسة وفي الاجتماع وفي كل بنى الدولة.
أعتقد أن الذي يجري الآن هو صراع عميق جداً بين دولة عميقة وبين مكونات تحافظ على مكتسباتها، وبين شعوب تتطلع إلى حريتها. وأشواق هذه الشعوب لو خيرت بين الإسلام وبين أي شيء آخر فلن تختار إلا هذا الإسلام.
أعتقد أن التغيير الذي حصل في هذه الدول كان تغييراً ناعماً لم يجر بانقلابات عسكرية، فكانت ثورة ناعمة سلمية بكل معنى الكلمة، وأستغرب الآن ما يجري في مصر.. الديمقراطية، هذه الآلية التي ينادي بها أدعياء العلمانية والليبرالية وغيرهم، كيف يرفضون الديمقراطية وهي الآلية الوحيدة التي يمكن أن نحتكم إليها وقد خرج الدستور بنسبة 70% أو أكثر، ما هي الآلية التي يمكن أن نخرج بها؟وما هي الآفاق للتوافق على دستور جديد؟ هل هناك إمكانية لإعادة النظر في الدستور بعد أن ألغت المحكمة الإدارية الانتخابات؟.
د. صالح الشرع: بعد تقديم الحالة الاقتصادية، هل تعتقد أن الجهة الحاكمة في مصر الآن أخذت وقتها الكافي لتطوير أدائها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؟.
إبراهيم النوايسة: ألا ترى أن الإخوان قد تعجلوا تسلم الحكم في مصر في ضوء المؤامرة الموجودة أصلاً عليهم؟.
محمود الدباس: الملاحظ الآن في المجتمع المصري هو طغيان الهوية الدينية الإسلامية بمختلف تصنيفاتها الحزبية على الهوية الوطنية المصرية.. هل الهوية الدينية في مصر بدأت تطغى على الهوية المدنية؟.
المحامي منتصر الزيات: الآلية التي أشار لها المهندس الفاعوري هي آلية الديمقراطية، تداول السلطة، وهذه هي المشكلة، لكن، لا يوجد أي تعاطف مع محاولات الإطاحة بالرئيس مرسي، ووضع العقبات في طريقه من أجل أن يفشل، فليست هذه الديمقراطية أو الآلية التي يمكن أن نستخدمها.
يمكن أن تنشط سياسياً وتكسب الشعب إلى صفك بالآليات المعروفة، إنما التخريب والضرب وقطع الطريق فهذا يتعب الناس ولا يجوز.. ولأجل ذلك خسرت المعارضة الكثير في الثلاثة أشهر الماضية، ولا يمكن لأحد أن يتحدث عن آلية تحكم إيقاع العمل السياسي إذا غدا بعيداً عن الصندوق.
التواصل مع الناس أمر مهم، وأعتقد أننا إذا ابتعدنا عن الصندوق فلا يوجد مجال للحديث عن الديمقراطية.
بالنسبة لتعديلات الدستور، هناك اتفاق، وفي جلسات الحوار الوطني مع الرئيس، أقر الرئيس محمد مرسي نفسه وشكل لجنة، لكن المشكلة في المقاطعة.
لدي تفهم لمبررات مقاطعة الحوار، لكن ثقافة المقاطعة لا تحقق أي شيء، وخلال تجربتي في الحوار الوطني عندما حضرنا جلسة الحوار الوطني الأولى نجحنا في أن نقنع الرئيس وحزبه بأن نلغي الإعلان الدستوري ونقوم بعمل إعلان جديد يحقق للرئيس ما يريد ويرضي الناس أيضاً. نحن صغنا الإعلان الدستوري بطريقة حققت المراد، فالحوار من الممكن أن يوصلنا إلى شيء.
بالنسبة لسؤال الجهة الحاكمة في مصر وهل أخذت وقتها الكافي لتطوير أدائها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، أقول إن الدكتور محمد مرسي وإدارته لم تأخذ الفرصة لغاية الآن، وأعتبر كونه ما زال مستمراً حتى الآن رغم كل ما يحصل، يعمل في ظرف دقيق صعب عصبي ومع ذلك يحكم، أعتقد أن هذا بحد ذاته نجاح.
يجب أن لا نتعجل في تسلم الحكم، فمن الممكن أن الإخوان لم يكن لديهم الرغبة في أن يكون لهم مرشح وعبروا عن ذلك، لكني أعتقد أن حازم صلاح أبو إسماعيل اشتغل على الترشيح للرئاسة، وأن يكون هناك مرشح إسلامي، ووجد أن هناك تجاوبا شعبيا عميقا معه، وقام الإخوان بتغيير وجهة نظرهم وقدموا خيرت الشاطر وعندما رأوا أن من الاستحالة أن يكون مرشحا قاموا بتقديم الدكتور محمد مرسي.
بخصوص الهوية الوطنية المصرية، الأستاذ محمود الدباس أشار هنا إلى التقسيم، وهذه من نظريات المؤامرة، وأنا لا أكذبها، فأكيد أن هناك محاولات لتقسيم العالم العربي، وقد حصلت، وأول جزء منها السودان، شمالا وجنوبا، لكن الاستسلام للمؤامرة هو الخطأ، أما نظرية المؤامرة فهي موجودة.
يمكن أنه في وقت ما، أن أدبيات ما في التيار الإسلامي كانت تتقاطع مع الشخصية الوطنية، فهذا صحيح، لكني أعتقد أننا لسنا أسرى موقف، ومع الوقت حصل هناك نضج، فأنا واحد من جيل كان يرى أن القومية رجس من عمل الشيطان، وهو أمر يتصادم مع التدين، إلا أنني أعتقد أن هناك نضجا حصل، وبدأ مفهوم «حب الوطن من الإيمان»، وأنه من تمام التكوين الديني للمسلم بأن يحب وطنه ويدافع عنه، وبالتالي فالشخصية الوطنية المصرية لم تغب عن التيار الإسلامي.
في بداية التحرير كنا جميعاً أطياف موجودة، ولا أنسى أبداً أننا كتيار إسلامي كنا في الميدان لا نرفع شعارات إسلامية حرصاً على اللحمة وعلى وحدة الصف.
فايز الشخاترة: أميركا هي العدو الرئيسي لأمتنا العربية، وهي التي زرعت هذا الكيان الغاصب في وسط وطننا العربي لتمنع وحدة مشرقه عن مغربه، ومصلحتها هي السيطرة على هذا الوطن والاستمرار في دعم هذا الكيان.
كان هناك اتفاق بين القوميين والإسلاميين على رفض الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني، وبعد أن وصل الإخوان إلى الحكم ظهر لدينا عدة مواقف، الموقف الأول استمرار الموافقة على اتفاقية كامب ديفيد، ثانياً استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية حامية إسرائيل، وهذا يعني استمرار الاعتماد عليها في تسليح الجيش المصري الحامي الأول لوحدة الشعب المصري.. ثالثاً في ذكرى حرب أكتوبر يقوم الرئيس محمد مرسي ويقدم وسام أكتوبر للسادات الذي وقع هذه الاتفاقية والذي كان أول حاكم عربي يجرؤ على إعطاء شرعية للكيان الصهيوني.
إذا كان الإخوان المسلمون يحكمون في شمال إفريقيا كلها باستثناء الجزائر، والمفروض أنهم كانوا من أنصار الوحدة العربية، كيف لا يرفع الواحد منهم الهاتف مع الآخر ليتحدث على الأقل في التنسيق بالمواصلات والاتصالات والبريد، فقصة الوحدة العربية غائبة تماماً.
] منذر لافي: أولاً كيف ترى التقارب المصري الإيراني؟ ثانياً خلال الثمانية أشهر التي مرت، هناك مؤسستان هما الداخلية والقضاء بحاجة لتطهير؟ ثالثاً خلال الثمانية أشهر الماضية هل يمكن أن تعطينا تقييما لمؤسسة الرئاسة؟.
سفيان الغزاوي: أصبح الحكم في مصر حكما لطائفة، وما يحدث اليوم في مصر وتونس وغيرهما هو الخروج عن الطائفة.. ومن منظوري أن الإخوان المسلمين أصبحت حركات إزعاج وليست حركات إنجاز.
أحمد أرسلان/ عضو التيار الشعبي المصري: تحدثت عن دولاب المشاريع للإخوان المسلمين، أولها مشروع النهضة، لكن أين هذا المشروع؟ ثانياً العنف الموجود في الشارع، أليس أول من بدأ العنف هم الإخوان؟.
الزيات: بالنسبة لسؤال الأستاذ فايز، المسألة باعتقادي تحتاج إلى استفتاء شعبي، في أول حادثة تستحق منا أن نقف أمام اتفاقية كامب ديفيد.
وأعتقد أنه بدون طرح المسألة لاستفتاء شعبي يقول الشعب فيها كلمته، سيبقى جانب من الأمة يرى أنه يجب أن نحترم الاتفاقية، وجانب آخر يرى ضرورة التمرد عليها، وفي كلتا الحالتين أعتقد أن الوجدان العربي والإسلامي يتنفس أن إسرائيل عدو، ولم تفلح الاتفاقيات ولن تفلح.
مؤسساتنا العسكرية ومدارسنا العسكرية لغاية الآن تدرّس أن إسرائيل عدو، ومع ذلك يقومون بعمل مناورات مشتركة، وتأتي إسرائيل فيها مراقبا، فالمسألة بحاجة إلى رأي شعبي.
بالنسبة لوسام السادات، فهذه مسألة فيها نظر.. أما بالنسبة للتقارب المصري الإيراني فأنا من دعاة هذا التقارب، ولا أحد يشكك في سنيتي، ولو وجدت أحدا في مصر يدعو للتشيع سأعاديه.. لكن، من العجيب أن الدول التي تعقد اتفاقات مع إيران، وتستفيد من السياحة الدينية الإيرانية، تأبى على مصر وتتأبى أن نقوم بعمل علاقات مع إيران، أو أن نفتح أفقا للسياحة حتى غير الدينية. ونحن في أزمة ونحتاج للأموال.
أيضاً، من يقون بأن نقبل العلاقة مع إسرائيل ونقيم لها السفارات في أوطاننا ونرفض العلاقة مع إيران!.
المصالح شيء والعقيدة شيء آخر.. إيران رقم مهم في الحياة السياسية، والدولة الفاطمية بقيت في مصر 800 عام، لكن، لم يستطع أحد أن يؤثر في سنية الشعب المصري، فبقيت الدولة الفاطمية 800 سنة في مصر وغادرت دون أن تترك أثراً لشيعي واحد في مصر، والإخوان سيجلسون وفي النهاية سيغادرون دون أن يؤخونوا الشعب المصري.
الشعب المصري له تكوينته، فالفرنسيون احتلونا وغادروا ومنهم من أسلم، والبريطانيون أيضاً كذلك. المصري له مزاجه الخاص، وجذره. مصر تحب الدين، وقد تحدثنا عن الوجدان العميق، لكن المصريين لا يحبون التطرف والتشدد، فأنا لست قلقاً من أخونة الدولة لأن هذا لن يحصل.
المصري سيبقى مصريا بطبيعته الشخصية وبتدينه السمح، والمصري سيعطي صوته للإخوان في الانتخابات.. هذا أنا متأكد منه، فهم سيأخذون صوتهم بالانتخابات بإذن الله، لكن هذا أمر، وأن يكون لدي علاقاتي مع إيران أمر آخر.
بالنسبة للداخلية والقضاء، فهاتان كانتا مؤسستي مبارك، حيث استطاع أن يستقطبهما، والداخلية لا تريد الرجوع لغاية الآن، لأنهم يريدون أن يعودوا بصلاحيات وبنفوذ، ويريدون أن يلعبوا الدور الذي كانوا يلعبونه سابقاً، فالداخلية لمبارك، ولغاية الآن هناك محاولة لإعادة الهيكلة.
بالنسبة للقضاء، كان حسني مبارك يرشو القضاء، لكن هناك قضاة محترمين، والقضاء يبقى جسمه صحيحا، لكن حسني مبارك رفع لهم العمر إلى 72 سنة، وكان سيرفع إلى 75 سنة، فهذا كان المشروع الذي كان سيتم في آخر أيام مبارك، والذي ثرنا عليه في نقابة المحامين.. فالمحكمة الدستورية التي قلص عددها الرئيس مرسي كانت ميزانيتها السنوية تصل إلى 100 مليون جنيه، وهي لعشرين قاضيا. والمشروع المقدم الآن أن يعود سن القاضي الى 60 سنة، وكل من فوق هذا العمر سيغادر، وكذلك من لديه مشاكل ويستولي على أراض، فهناك قضاة من أصحاب الملايين نتيجة وضع اليد على الأراضي، مثل رئيس نادي القضاة، فمثل هذه الحالات فيها مشكلة، والمسألة بحاجة إلى وقت لحلها.
بالنسبة لمشروع النهضة، أنا لست من الإخوان المسلمين، ولم أحز على هذا الشرف، وأنا أختلف مع الإخوان وأنتقد، حتى أن أبنائي يغضبون مني لأنني أدافع عن الإخوان المسلمين في البرامج، لكن الإخوان في الانتخابات لا يقفون معي، ففي انتخابات نقابة المحامين لم يقفوا معي، وكذلك في الانتخابات البرلمانية، ومع ذلك أدافع عنهم، لكنني أدافع عن الإخوان المسلمين لأنها الجماعة الأم، لأن لها 85 سنة من العطاء، 85 سنة وقفت وصدت وقتما كانت العلمانية تنهش في عقائد المصريين، وقتما كانت الإباحية، ووقتما سقطت الخلافة الإسلامية عام 1924، وقتها وقف حسن البنا ورفع الراية الإسلامية، فيجب أن لا ننسى ذلك.
نحن نختلف معهم شأنهم شأن أي حركة سياسية.. لكني أقول أيضاً بشأن من يضربون عند القصر: هل هؤلاء يحترمون الديمقراطية؟!.
من يريد أن يقول رأيه فليقله في ميدان التحرير، فما الحكمة أن ينتقلوا إلى قصر الرئاسة؟!.. وإذا أرادوا الذهاب إلى قصر الرئاسة فليذهبوا ويتظاهروا سلمياً، وأنا معهم، أما أن يتم التخريب والفوضى والعبث فهذا لا يجوز.. وأيضاً لماذا الذهاب إلى مقر الإخوان المسلمين ولماذا يتم حرقه؟!. فمقرات الإخوان المسلمين في وقت من الأوقات تم حرقها ولم يغضب أحد لذلك. وإذا استطاع الإخوان أن يكتسبوا ثقة الشعب فعلينا أن نحترم هذا.
في الكلام عن مشروع النهضة، فإن الأخ خيرت الشاطر يقول إنه لا يوجد مشروع، لكنني مؤمن أننا إذا استطعنا أن نقتلع الفساد فهذا مشروع نهضوي، وإذا استطعنا ألا نسرق ونضرب على يد من يسرق فهذا ممتاز، وإذا استطعنا أن نعدل فهذا أيضاً أمر جيد.
رئيس التحرير المسؤول: نشكر الحضور، ونشكر المحاضر.
الزيات: أشكركم شكراً جزيلاً، وأشكر «الدستور» على الاستضافة الجميلة.
الزيات : أغلبية «الإخوان» الحالية غير حقيقية .. وهناك إخفاق في الجانب الاقتصادي