wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التفكك الأسري وأثره على الفرد والمجتمع للدكتور محمد القضاة

 

 

 

 

  • التفكك الأسري وأثره على الفرد والمجتمع

أ.د محمد أحمد حسن القضاة

مقدم لندوة المنتدى العالمي للوسطية

بالتعاون مع المجلس الوطني لشؤون الأسرة

"دور التشريعات في الحد من مشاكل العنف والتفكك الأسري"

عمّان – الأردن

السبت 23/5/2015م

العنف الأسري وآثره على صحة الأسرة

أ.د محمد أحمد حسن القضاة

الجامعة الأردنية – كلية الشريعة

إن الأسرة المثالية هي التي تكون سكنًا لجميع أعضائها، وراحة لهم من متاعب الحياة، يستظلون في ظلالها من لهيب مشاكلهم، والأسرة المثالية هي التي تسود المودة بين أعضائها ويسود التعاطف وحسن المعاشرة كل مكوناتها ، وتعينهم على بلوغ سامي الأغراض وشريف المقاصد، وهي الأسرة التي تظلها الرحمة والرقة وحسن المعاملة، وتساعد على أن ينشأ أفرادها وهم مدربون على التراحم فيما بينهم، فيسلم المجتمع من أذاهم حينما يخرجون إليه.

وللوصول بالأسرة إلى هذا المستوى وضح الحق تبارك وتعالى حق كل فرد من الأفراد، وواجباته، وأصبحت حقوق الزوجة واضحة وحقوق الزوج معروفة، وارسيت بذلك الأعمدة الرئيسية لسعادة عش الزوجية، فإذا ما انهدم ركن من أركان سعادة الأسرة كأن تقصر الزوجة في أداء واجباتها أو يقصر الزوج في أداء ما عليه، دبت الخلافات في مفاصل الحياة الزوجية، وإذا ما أطلت الخلافات الزوجية برأسها لأي سبب كان، أصبحت أركان سعادة الأسرة نفسها مهددة بالهدم، ولأن الخلافات الزوجية مشكلة واقعية لا يخلو منها عصر ولا يسلم من خطرها مجتمع، ولا تحول دون وقوعها الثقافات، فكما توجد بين الأزواج غير المتعلمين، توجد كذلك بين الأزواج الذين لهم حظ من التعليم والثقافة قل أو كثر، كما ان الخلافات الزوجية تتسبب في تخلخل العلاقات الزوجية المتينة وتفاقم الخلافات العائلية، وتصدع الروابط الاجتماعية، لذا اهتم الإسلام بالحديث عن هذه الظاهرة ووصف الأدوية الربانية لها، حفظًا لكيان الأسرة من الهدم، وحماية لها من التدهور والانحلال، وإبعادًا لكل زوجين مختلفين عن ساحة الطلاق وأضراره، وصيانة للأطفال من التشرد والضياع (1).

المطلب الأول

الأسرة

الفرع الأول: تعريفها

ما معنى الأسرة لغويًا وعربيًا وإسلاميًا؟

المعنى اللغوي للأسرة

الأسرة من الأسْر والأسرة: الدرع الحصينة – والجمع أُسر.والأَسْر: القيد والرباط (2)

ومنه سمي الأسير – لأن فيه معنى الشد والعصب والقوة.

وتأتي بمعنى:  الحبس.

وأسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم.وقد يكون الأسر طبيعيًا لا خلاص منه، كما في حالة الخلق حيث يوجد الإنسان أسيرًا لمجموعة من الصفات الفسيولوجية كالطول والقصر والبدانة والنحافة…الخ، وقد يكون القيد أو الأسر صناعيًا أو مصطنعًا كالأسر في الحروب، وقد يكون اختياريًا يرتضيه الإنسان ويسعى إليه لأنه يعيش مهددًا بدونه، ومن هذا الأسر الاختياري اشتقت الأسرة. والأسرة  أهل الرجل وعشيرته، واشتقاق الأسرة من الأسر والقيد يوحي بالعبء الملقى على الإنسان أي المسؤولية، فالأسرة في العربية مشتقة من المسؤولية، بينما نجدها في اللغة الإنجليزية تقوم على المعايشة، فالأسرة في الإنجليزية تعني مجموعة الناس الذين يعيشون تحت سقف واحد (3) .

 

المعنى الاصطلاحي للأسرة

تعني جماعة صغيرة ذات أدوار ومراكز اجتماعية، مثل زوج، زوجة، أب، أم، ابن، ابنة يربطها رباط الدم، الزواج،  وتشترك في سكن واحد وتتعاون اقتصاديًا (4).

وترتكز الأسرة في العادة على الزواج بين شخصين (ذكر وأنثى) أو أكثر ممن يتمتعون بعلاقات اجتماعية، وإن النمط التقليدي للأسرة في العادة يضم الزوجين وأطفالهما إلا أن ذلك لا يمنع من وجود أنماط أخرى، فالمرأة المطلقة وأطفالها تعتبر أسرة، وكذلك الزوج المطلق وأطفاله يعتبرون أسرة(5) ولكن لا بد من الإشارة إلى أن الأسرة اصطلاحًا يصعب تعريفها بالرغم من اعتقادنا بأننا نعرف كل شيء عن الأسرة، وأن محاولة تحديد تعريف أو معنى اصطلاحي بدقة ليس عملا هينًا، ويوجد اختلاف حقيقي بين المفكرين حول ماهية المتغير أو التفصيل الذي يعرف الأسرة من اللا أسرة، وما إذا كان هناك تعريف واحد للأسرة يمكن تطبيقه في كل العصور والمجتمعات، وأن تعريف الأسرة تترتب عليه نتائج هامة على حياة الناس؛ إذ إن الاعتقاد بأن شكلا معينًا من الأسر ليس هو المرغوب فقط، ولكنه الأكثر واقعية أو أصالة وقد  يفرض بعض السياسات الاجتماعية(6).

وعماد التعريف: هو أن الأسرة هي عبارة عن عضوين مرتبطين معًا في وحدة جنسية لا يسمح لها أن تكون غير معترف بها اجتماعيًا وهما مسؤولان عن تربية وتعليم أطفالهما، فريقًا اجتماعيًا أعضاؤه يعيشون معًا، ويشتركون  في تعاون اقتصادي(7) .   

 وفي الاصطلاح الشرعي: هي الجماعة المعتبرة نواة المجتمع، والتي تنشأ برابطة زوجية بين رجل وامرأة ثم يتفرع عنها الأولاد، وتظل ذات صلة وثيقة بأصول الزوجين من  أجداد وجدات، وبالقرابة القريبة من الأحفاد والأنساب(8) .

ويجمع المعنيان اللغوي والاصطلاحي: مفهوم الحماية والنصرة، وظهور رابطة التلاحم القائمة على أساس العرق والدم والنسب والمصاهرة والرضاعة.

ونظام الأسرة: هو الأحكام والقواعد التي تنظم شؤونها بدءاً وأثناء وانتهاء(9).

 

الفرع الثاني: أركان الأسرة

اللازم لمن يروم الخوض في موضوع الأسرة والتعريف بها أن يعمد إلى البحث في اللبنات الأساسية التي تتكون الأسرة منها كي يحصل على الإطار الصحيح لمفهوم الأسرة. فالمعروف هو أن الزوج والزوجة طرفان رئيسان في تكوين الأسرة، وعلى أكتافهما تتولد الأسرة وتصمد أمام زوابع المشاكل، والزوجان بإمكانهما أن يصنعا من الأسرة  مرفأ للسعادة، ورافدًا للخير(10) .

 ثم بعد ذلك تأتي ثمرة هذا الرباط المبارك بين الزوجين ألا وهم الأولاد، فأركان الأسرة بناء على ما تقدم هي:

1- الزوج.

2- الزوجة.

3- الأولاد.

الفرع الثالث: أهمية الأسرة

الأسرة ضرورية لبناء النفس وممارسة المعيشة الهانئة في الحياة، ورفد نظام المجتمع بعناصر البناء، وإبقاء النوع الإنساني. أما بناء النفس الإنسانية المتكاملة المحقق للنمو الجسدي والعاطفي سواء بالنسبة للرجل أو المرأة، فيتم عن طريق الزواج الذي يشبع النزعات الفطرية، والميول الغريزية، ويلبي المطالب النفسية والروحية والعاطفية، والحاجات الجسدية، وذلك من أجل التوصل إلى تحقيق منهج الوسطية والاعتدال دون حرمان من الإشباع الجنسي، ودون إباحة تؤدي إلى الانحلال من الفضيلة والفوضى والأخلاط المتنابذة أو المتغايرة. وأما ممارسة المعيشة الهانئة في الحياة فتحصل من خلال الأسرة التي توجد تجمعًا صغيرًا، يبني أصول حياته ومعيشته بهدوء، ويحقق تعاونًا بناء وقويًا، في التغلب على مشكلات المعيشة وتحقيق المكاسب، وتخيم فيها المحبة والود والأنس والطمأنينة والسلام، ومقاومة كل أوجه التعثر والضعف والمرض، والأخذ بيد الأطفال نحو النمو، ورعاية الشيوخ والكبار حتى لا يصبحوا منسيين أو مهملين، لا عائل لهم ولا معاون أو مساعد يساعدهم في ضعفهم والتخلص من متاعبهم وهمومهم(11).

وأما رفد نظام المجتمع وإبقاء النوع الإنساني، فيتحقق من خلال إنجاب الذرية والأولاد الأصحاء الأطهار لحفظ النسب ونقاء الدم، وخلو المجتمع وسلامته من الأمراض التي تتكاثر بسبب العلاقات الجنسية غير المشروعة. وفي مظلة الأسرة تنمو روح المسؤولية للعمل على إثبات الذات أو الشخصية الخاصة وتعمير الكون، وتعلم معاني الأشياء والتضحية والصبر والاحتمال والجود والسخاء والأمانة وغرس جذور الأخلاق والفضيلة، وتحقيق معنى العيش في مجتمع يفيد المجتمع الأكبر في الوطن والإنسانية، وإيجاد حقل التربية الميدانية لتجسيد معنى التكافل الاجتماعي المادي والمعنوي الذي هو ضرورة حيوية ماسة لكل مجتمع، حيث يجعل الجميع بمثابة الجسد الواحد في العيش المشترك والتراحم والتعاطف المتبادل وإشاعة روح المحبة وبذل المعروف وإسداء المعونة، والتعاون على تقدم الحياة الاجتماعية والتحصين ضد التيارات والسلبيات، والوقاية من كل أوجه التخلف والتعثر والقضاء على الثالوث المخيف الخطير وهو الجهل، والفقر، والمرض(12).

ونظرًا للأهمية البالغة والمكانة الرفيعة التي تحتلها الأسرة في المجتمع البشري، فقد كانت ولا تزال محط اهتمام الكتاب والباحثين الذين صبوا جل اهتمامهم للأسرة وقضاياها، وحل المشاكل التي من شأنها أن تقف حجر عثرة في طريق الأسرة لتحول بينها وبين الهدف الذي تروم الوصول إليه(13) ،ولقد نشأت الكثير من العلوم إثر هذا الاهتمام المنقطع النظير منها علم النفس التربوي. فالأسرة هي: "أحد العوامل الأساسية في بناء الكيان التربوي، وإيجاد عملية التطبيع الاجتماعي"، كما أن الأسرة قد ساهمت بطرق مباشرة في بناء الحضارة الإنسانية وإقامة العلاقات التعاونية بين الناس، ولها يرجع الفضل في تعلم الإنسان لأصول الاجتماع، وقواعد الآداب والأخلاق، كما كانت السبب في حفظ كثير من الحرف والصناعات التي توارثها الأبناء عن آبائهم. وإن للأسرة من الأهمية في تنمية الطفل وبناء شخصيته ما لا يمكن أن يصفه الواصف، فإليها يعود الفضل في تشكيل شخصية الطفل وإكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فهي الأوضح قصدًا، والأدق تنظيمًا، والأكثر إحكامًا من سائر العوامل التربوية(14).

 

الفرع الرابع: أنواع الأسر

كانت الأسرة فيما مضى أسرة كبيرة واسعة بحيث كانت تشمل جميع أعضاء العشيرة المرتبطين مع بعضهم بعضا برابط القرابة، أو رابطة الدم سواء من الناحية الأبوية أو الناحية الأمومية، أو برباط الانتماء إلى فئة معينة، أما أنواع الأسر في العصور الحاضرة فهي:

الأسرة الممتدة

وهي التي تضم ثلاثة أجيال يعيشون مع بعضهم في منزل واحد، أو في منزل قريب أو ملاصق لبيت الوالدين، والأهم من هذا أن الأسرة يجب أن تعمل كوحدة اقتصادية واحدة، أي ان الأولاد يعيشون ويشتغلون ويمتلكون مشاركة مع والديهم، ومصطلح الأسرة الممتدة لا يختلف عن الأسرة المركبة أو الأسرة المتصلة كثيرًا، فالأسرة المركبة هي التي تتكون من الأخوة وزوجاتهم وأطفالهم(15). ولكن هناك من جعل اصطلاح الأسرة الممتدة مختلفًا عن اصطلاح الأسرة المشتركة وعرف الأسرة المتعددة المشتركة بأنها الأسرة التي تتكون من أسرتين أو أكثر من الأسر النووية، وترتبط بعضها ببعض بزيجات متعددة، أي ان أحد الأبوين فيها يكون مشتركًا بينها جميعًا، وتظهر مثل هذه الحالة عندما يكون للزوج أكثر من زوجة تسكن كل واحدة منهن في مكان منفصل مع أولادها وبناتها، أو حتى في مكان واحد، وكذلك الحال في بعض المجتمعات التي تؤمن بتعدد الأزواج، وتكون الزوجة في هذه الحالة لها عدة أزواج وتكون الأسرة متعددة الجوانب(16) .

 ومن مميزات الأسرة الممتدة أنها توفر نوعًا من الرعاية

والحماية لأبنائها على مختلف أعمارهم، فهي ترعى وتعتني بكبير السن، وبالمريض، وبالعاطل عن العمل، أي انها لا

تترك أفرادها يواجهون مصاعب الحياة بمفردهم، وانها توفر بيئة اجتماعية قوامها الألفة والمودة والرحمة، كل فرد فيها يشعر بنوع من الالتزام نحو الآخرين في الأسرة. ويمكن توضيح تلك المميزات بالنقاط التالية:

  1. تضمن نوعًا من الاستمرارية عبر الأجيال وذلك بربط أسر التنشئة أو التوجيه بأسر جديدة هي أسر الميلاد. وتعتبر بناء اجتماعيًا أكثر فاعلية في حفظ تراث الأسرة وتقاليدها، وكذلك في نقل ممتلكات الأسرة المادية كاملة من جيل إلى جيل.
  2. يتمتع الأطفال في الأسر الممتدة بشبكة واسعة من العلاقات القرابية، وهؤلاء الأقارب موجودون دائمًا لمساعدة الوالدين سواء في عملية التنشئة الاجتماعية، أو في غيرها من المهام، وكذلك يمثلون نماذج للعديد من  الأدوار وأنماط السلوك للأطفال(17) .

 

الأسرة النووية

ان الأسرة بتعريف مختصر هي جماعة اجتماعية مكتفية ذاتيًا تتكون من الأب والأم والأطفال غير المتزوجين الذين يعيشون معًا، وهي تمثل أصغر أنواع الأسر، وقد تتكون الأسرة من شخصين أو أكثر يرتبطون برباط الدم أو الزواج، أو يشتركون في سكن واحد، ويؤدون وظائفهم كوحدة اقتصادية واحدة. وتتكون الأسرة النووية عادة من جيلين؛ إذ عندما يكبر الأطفال يتحولون أو ينتقلون من أسرة والديهم ليكونوا أسرهم النووية الخاصة، وبوفاة الوالدين تنتهي الوحدة الأسرية الأصلية. ووظائف الأسرة النووية هي أنها: توفر بصورة منظمة ودائمة وشرعية وسيلة للأفراد لإشباع حاجاتهم ورغباتهم، إلا أنه يجب أن نشير إلى أن هناك ثقافات ومجتمعات تسمح للأفراد بإقامة علاقات اجتماعية غير شرعية(18) .

 

 

المطلب الثاني

التفكك الأسري

الفرع الأول: تعريف التفكك وأنواعه

تعريفه: اختلفت تسميات هذا المصطلح، فبعضهم يدعوه التفكك العائلي ويتم بفقد أحد الوالدين أو كليهما، أو الطلاق، أو الهجر، أو التعدد، أو غياب رب العائلة مدة طويلة. والبعض الآخر يسميه "تصدع الأسرة" ويحدث في حالة تعدد الزوجات أو وفاة أحد الوالدين أو كليهما أو الطلاق. وفريق آخر يطلق عليه تعبير "الأسرة المحطمة" ويتم ذلك بالطلاق أو المشاجرة المستمرة أو الوفاة أو سجن أحد الوالدين أو غيابه بصورة مطردة. وفريق يطبق عليه تعبير "العائلة المتداعية" ويحدث ذلك بفقد أحد الوالدين أو كليهما بسبب الوفاة أو الطلاق. وفريق آخر يطلق عليه تعبير "التفكك الأسري" وهذا التعدد في المصطلحات لا يخرجها عن كونها تشترك في معنى واحد(19).

 

 

أنواعه: يمكن أن يقسم التفكك من جهة إلى نوعين هما (20) :

  1. التفكك الجزئي: ويتم في حالات الانفصال والهجر المتقطع، حيث يعاود الزوج والزوجة حياتهما وعلاقاتهما العائلية، ولكن من المستبعد أن تستقيم الحياة الزوجية في مثل تلك الحالات، بل لا بد من أن تكون مهددة من وقت لآخر بالانفصال أو الهجر.
  2. التفكك الكلي: ويتم بانتهاء العلاقات الزوجية بالطلاق، أو تحطيم حياة العائلة بقتل أو انتحار أحد الزوجين أو كليهما معًا، ومن جهة أخرى يمكن أن يقسم التفكك إلى نوعين أيضًا

هما:

  •  التفكك من الناحية القانونية: ويحدث بانفصام الروابط العائلية عن طريق الطلاق أو الهجر.
  • التفكك من الناحية الاجتماعية: ويشتمل على معنى أوسع من الأول حيث يضم إلى جانب الانفصام الشقاق في العائلة والصراع فيها حتى لو لم يؤد هذا الشقاق والصراع إلى انفصام روابط العائلة(21) ويحدث التفكك العائلي إذا وصل التوتر إلى أقصى مدى ممكن، وقد يتسبب في هذا التفكك عامل أو عدة عوامل متشابكة تتساند فيما بينها لوقوع التفكك، وقد يكون التفكك الأسري غير كامل بمعنى حدوث صدع في بناء الأسرة حيث ينشطر منها أحد عناصرها كحالات عقوق أحد الأبناء أو بعضهم، وفشل كل الطرق الممكنة في إصلاحه، أو وقوع أحد أعضائها فريسة للضياع عن طريق الجريمة، ووقوعه تحت طائلة العقاب، أو موت أحد مؤسسي الأسرة مع بقاء البناء دون مساس، وغير ذلك من الحالات(22) إلا أن هناك تفككًا أسريًا كاملا حين تصل مرحلة العلاقة بين الزوج والزوجة إلى حالة اللاعودة ووجوب الانفصال فيقع الطلاق، وفي حالة التفكك الكامل يشترط إما أن تكون الأسرة خالية من الأطفال فيكون التفكك كاملا ونهائيًا، وإما أن يكون للأسرة أبناء صغار لم تكتمل تربيتهم، وهنا يخلف الطلاق مشاكل تتعلق بهؤلاء الصغار وتشردهم إذا ما تزوج الأب من أخرى غير أمهم، وتزوجت الأم من غير أبيهم(23).

الفرع الثاني: عوامل التفكك الأسري

لقد أسفرت بعض الدراسات عن وجود العوامل الآتية في التفكك داخل الأسرة(24) :

  1.  عدم النضوج الانفعالي أو النفسي أو العاطفي لدى أي من الزوجين أو كليهما.
  2. عدم وجود اتجاه واقعي نحو الزواج، وبالعكس من ذلك وجود اتجاه مثالي نحو الزواج أو توقع وضع مثالي أو خيالي من الزواج.
  3. ضعف إدراك مسؤوليات الزواج وواجباته.
  4.  عدم الانسجام جراء وجود اختلافات في مستوى الذكاء أو السن أو الدين أوالقيم والمثل والعادات والتقاليد.
  1. - العجز الجسمي أو الجنسي.

6- عدم وجود أهداف مشتركة لدى الطرفين فيما يتعلق بالأطفال أو كيفية إنفاق الأموال أو قضاء وقت الفراغ.

7- وجود عوامل بيئية متناقضة كالتدخل أو التناقض القانوني أو ضعف الصحة أو قلة الدخل المالي.

8-  فشل الآباء في تدريب الأبناء إزاء الاتجاهات الجنسية وتكوين اتجاهات خاطئة.

9- تأسيس حياة أسرية مبكرًا وبصورة غير مرغوب فيها ووجود التوتر والنزاع أو النبذ أو وجود صعوبة في إعطاء الحب واستقباله.

 

الفرع الثالث: مظاهر التفكك الأسري وأشكاله

يشير التفكك الأسري إلى أي وهن أو سوء تكيف وتوافق أو انحلال يصيب الروابط التي تربط الجماعة الأسرية مع بعضها، ولا يقتصر وهن هذه الروابط على ما قد يصيب العلاقة بين الرجل والمرأة، بل قد يشمل أيضًا علاقات الوالدين بأبنائهما، ومن الجدير بالذكر هنا أن الخلافات التي قد تنشأ بين الزوجين تكون أكثر خطرًا وأدعى إلى انحلال الأسرة بأسرها مما لو حدث الخلاف بينهما وبين أبنائهما(25).

ومن مظاهر وأشكال التفكك الأسري ما يلي:

  1. انحلال الأسرة تحت تأثير الرحيل الإرادي لأحد الزوجين عن طريق الانفصال أو الطلاق أو الهجر، وفي بعض الأحيان قد يستخدم أحد الزوجين حجة الانشغال الكثير بالعمل ليبقى بعيدًا عن المنزل، وبالتالي عن شريكه لأطول فترة ممكنة.(26) وتنحل رابطة الزوجية ويحدث تفكك الأسرة بسبب استقلال المرأة الاقتصادي أو ضياع الحب أو القواعد والقوانين، ولكن استقلال المرأة الاقتصادي يصبح تدريجيًا في كثير من المجتمعات أمرًا عاديًا يقبله الرجال، ولذلك تزداد نسب التفكك الأسري بسبب التعاسة الزوجية(27).
  2. التغيرات في تعريف الدور الناتج عن التأثير المختلف للتغيرات الثقافية، وهذه قد تؤثر في مدى ونوعية العلاقات بين الزوج والزوجة إلا أن الصورة أو النتيجة الأكثر وضوحًا في هذا المجال تكون في صراع الآباء مع أبنائهم الذين يكونون في سن الشباب(28).
  3. يؤدي عدم إنجاب الأطفال إلى احتمالات عديدة قد تؤدي إلى فصل عرى رابطة الزوجية، ولكن وجود الأطفال قد لا يمنع هذا الانفصام، والمرأة في عدد من المجتمعات تعرف أن إنجاب الأطفال يعتبر عملا وقائيًا يمنع من تحلل الأسرة، ولذلك تحرص على الإنجاب بكثرة حتى لو أدى الأمر إلى ارتباك الميزانية المادية للمنزل(29) .
  4. قد تظل الأسرة متماسكة من الناحية الخارجية، على الرغم من وجود مظاهر عدم الانسجام والتعاسة، وعلى الرغم من وجود مصادر للإشباع الجنسي أو العاطفي خارج نطاق الأسرة كما هو الحال في المجتمعات الأوروبية(30).
  5. يتوقف قدر كبير من احتمالات تفكك الأسرة على مدى التسامح، ذلك لأن الرجال والنساء يدخلون في علاقة الزواج وقد تكونت أفكارهم واتجاهاتهم، وأصبحت لهم خبرة نتيجة تجارب عديدة في الحياة، ولهذا فنحن نتوقع أن تنطوي كل أسرة على أنواع متعددة من الصراع والإحباط والتوتر. هذا، وقد وجه الإسلام الزوجين إلى وقاية الأسرة من التهلكة إذا قادها النزاع والتفكك إلى الانحلال، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة" (31) والوقاية تكون بحسن التربية وتحمل المسؤولية، ولكن القدر المستطاع من التسامح عند الزوجين أو عند أحدهما إذا لم يمارس بطريقة واعية فقد يفضي إلى التفكك في الأسرة(32).
  6. تأخذ بعض المجتمعات اليوم بفكرة المساواة بين الرجل والمرأة خاصة فيما يتعلق بتربية الأطفال وإصدار القرارات وأمور الترفيه، والسبب في هذا ازدياد عمل المرأة وإقبال النساء على التعليم والاعتراف التدريجي بالحقوق القانونية للمرأة المساوية لحقوق الرجل، ولكن اندفاع النساء المتسرع نحو الاستمساك بحقوقهن وممارستهن لها بشيء من التحدي يؤدي في كثير من الأحيان إلى رد فعل عند الرجال يتخذ صورة الإصرار على قبول الاتجاهات الذكرية في مواجهة المسائل، وتأكيد سيادة الرجال التي لا تزال قوية في ثقافات المجتمعات، وما من شك في أن زيادة التركيز على الأدوار المتساوية بين الزوجين يؤدي إلى تصدعات خطيرة في الوحدة الأسرية(33).
  7. مشاركة المرأة في ميزانية الأسرة أو تساويها في التعليم مع الرجل قد يؤدي إلى أن تنظر إلى زوجها نظرة زمالة أو رفقة لا نظرة سيد مهيمن، ولكن المبالغة في هذا الاتجاه تؤدي إلى تصدع الأسرة أو هروب الرجل حيث يستطيع أن يمارس السيادة أو يشعر بها حتى لو من الوجهة النظرية(34) .
  8. أسرة "القوقعة الفارغة" وفيها يعيش الأفراد تحت سقف واحد ولكن تكون علاقاتهم في الحد الأدنى، وكذلك اتصالاتهم ببعضهم، ويفشلون في علاقاتهم معًا، وخاصة من حيث الالتزام بتبادل العواطف فيما بينهم(35).
  9. من أكثر أسباب تصدع الأسرة وضوحًا حيرة المرأة وقلقها، لأنها لا تعرف ما تريد حقًا؛ فهي تريد أن تتعلم وتحصل على أكبر الألقاب العلمية، وتريد أن تحتل أرفع المراكز، وفي نفس الوقت تريد أن تتزوج وتنجب أطفالا، وأن يكون لها بيت مستقل ولذلك تخلط بين واجبين مختلفين، العمل المهني، وبناء بيت ورعايته، وكلاهما يستغرق نشاط المرأة، إذا أعطي العناية الكافية، ولذلك يكون انشغالها بالعملين مؤديًا إلى عدم اتقانها لأي منهما(36).

 

الفرع الرابع: الآثار المترتبة على التفكك

أولا: إن أغلب الدراسات التي أجريت في موضوع التفكك الأسري (المادي أو النفسي) أظهرت أن هناك علاقة بين التفكك العائلي وجنوح الأحداث، أي ان العائلة المفككة تنتج أحداثًا جانحين بنسبة أكبر مما هو عليه عند العوائل السوية، وكذا الحال بالنسبة للتشرد. ولهذا ربط كثير من  الدارسين بين التفكك الأسري وتكوين السلوك الجانح(37).

ثانيًا: ان تفكك الأسرة في كثير من المجتمعات يترك آثارًا متعددة تبدو في تربية الأطفال، وانحراف الأحداث، والتخلف الدراسي، وفي المستويات الخلقية، والمواجهات القيمية إلى جانب الصعوبات الاقتصادية، وهناك قاعدة لهذا التفكك تقول: "إنه كلما ازداد تفكك الأسرة نقصت مقدرة المجتمع الكلية على الإنجاز في مجالات الإنتاج والخدمات وزاد في نفس الوقت رصيد القوى البشرية القادرة على متابعة الحياة في الاتجاهات التي تهدم مصالح الجماعة العليا(38).

ثالثًا: إن التفكك الأسري يستلزم تحطيم البناء التنظيمي وتصبح العناصر المختلفة في المجتمع "غير مترابطة" ويضعف تأثير المعايير الاجتماعية على جماعات وأفراد معينين، والنتيجة هي أن الأهداف أو الأغراض الجمعية للمجتمع يتناقص تحققها عما هو في حالة نسق أفضل تنظيمًا، وقد يؤدي التفكك الاجتماعي أيضا إلى التفكك الشخصي كما هو في حالة المرض العقلي والاستخدام السيء للعقاقير أو السلوك الإجرامي(39) ، والمجتمع الذي تظهر فيه المشاكل الاجتماعية يقال له "مجتمع مفكك(40).

رابعًا:  يبدو أن التفكك الأسري الناتج عن الفشل الذي يصيب أداء أحد الأبوين للدور المناط به في البيت (الأسرة) يمثل عاملا مدمرًا على الأطفال. وقد أثبتت الدراسات أن الصعوبات التي يواجهها الأفراد الذين نشأوا في أسر مفككة تفتقر إلى الحنان والانسجام قد تركت آثارًا مدمرة أدت إلى إصابة الأطفال بأمراض التخلف العقلي والأمراض العصبية وغيرها(41).

خامسًا: لا يملك الطفل الذي يعيش في أسرة مفككة إلا أن يعقد مقارنات مستمرة بين حياته والحياة الأسرية التي يعيشها الأطفال الآخرون، وعن طريق العلاقات التي يعقدها معهم تظهر له طبيعة الحياة السعيدة التي يعيشونها مع آبائهم، فينتابه الشعور بالنقص والابتئاس لحالته والإحباط، أو الحقد على الآخرين ولا يحتاج الطفل لأن يكون عالمًا حتى يدرك المزايا التي يتمتع بها الطفل الذي يعيش في أسرة متكاملة سعيدة(42).

سادسًا: ما ينتج عن التفكك الأسري هو التفكك النفسي للفرد الذي يحدث في الأسرة التي يسودها جو المنازعات المستمرة بين أفرادها وخاصة بين الوالدين ولو كان جميع أفرادها يعيشون تحت سقف واحد، وكذلك يشيع فيها عدم احترام حقوق الآخرين، ويضيف لها آخرون الإدمان على المسكرات أو المخدرات أو لعب القمار(43).

 

الخاتمة :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد توصلت بعد هذا العمل المتواضع لمجموعة من النتائج والتوصيات أود أن أجملها على النحو التالي:

  1.  واجب على كل فرد في الأسرة أن يحافظ عليها ويرعى حقوقها ويتوخى تحقيق السعادة لها، ويبتعد عن كل ما يهدمها، أو يسيء إليها ويسعى للمحافظة على كيانها وتوفير الأمن لها، فعلى الزوجة أن تقوم بالدور المطلوب منها أمام زوجها، وعلى الزوج أن يقوم بالدور المطلوب منه أمام زوجته.
  2. إن التفكك الأسري يؤدي إلى انهيار الوحدة الأسرية وانحلال بناء الأدوار الاجتماعية المرتبطة بها، ومن أهم أشكال التفكك الأسري في جميع المجتمعات بلا استثناء الطلاق.
  3. إن العنف والتفكك الأسري يتركان كثيرًا من الآثار السلبية على الفرد والعائلة بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام، وقد تم ذكر هذه الآثار فيما سبق.
  4. السعي إلى حل المشكلات عن طريق التفاهم والحوار بين الزوج والزوجة أو الوالدين والأبناء، والابتعاد عن العنف لأنه لا يعالج المشاكل بل على العكس يزيد من حجمها.
  5. وأخيرًا -وهو الأهم- زيادة الوازع الديني لدى جميع أفراد الأسرة والتأسي بنبينا الكريم في طريقة معاملته مع زوجاته وبناته والخلق أجمع، لأنه هو الوسيلة الفضلى لحل مشكلات المجتمع.

 

المراجع

  1. الخلافات الزوجية صورها ،أسبابها ،علاجها ،عبد الحي الفرماوي ،دار مصر العربية للنشر والتوزيع ،ص4 .
  2. ابن منظور، لسان العرب، ج4، ص19.
  3. حماد ،بناء الأسرة المسلمة ،ص 18 .
  4. الوحيشي ،الأسرة والزواج ،ص43 .
  5. المصدر نفسه ،ص44 .
  6. الوحيشي الأسرة والزواج ،ص44 .
  7. ناصر ،الأنثروبولوجيا الثقافية (علم الإنسان الثقافي) ص142 .
  8. الزحيلي ،الأسرة المسلمة في العالم .
  9. المرجع السابق ،ص19 .
  10. البصري ،العنف الأسري والدوافع والحلول،ص19 .
  11. الزحيلي الأسرة المسلمة في العالم المعاصر ،ص21 .
  12. المرجع السابق ،ص22 .
  13. شكري ،الاتجاهات المعاصرة في دراسة الأسرة، ص253 .
  14. شكري ،الاتجاهات المعاصرة في دراسة الأسرة، ص253 .
  15. الوحيشي الأسرة والزواج ،ص44 .
  16. ناصر ،الأنثروبولوجيا الثقافية (علم الإنسان الثقافي) ص143 .
  17. الوحيشي الأسرة والزواج ،ص44 .
  18. المصدر السابق .
  19. الياسين ،أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث ،ص22 .
  20. المصدر السابق ص25.
  21. الياسين ،أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث ،ص26 .
  22. جبارة ،المشكلات الاجتماعية والتربوية ،ص153 .
  23. المصدر السابق ص154.
  24. عيسوي ،علم النفس التربوي ،ص66 ،انظر الاجتماع العائلي ،ص227 .
  25. غيث ،المشاكل الاجتماعي والسلوك الانحرافي ،ص161 .
  26. عبد العليم ،التنمية الثقافية والتغير النظامي للأسرة .
  27. عاطف غيث ،المشاكل الاجتماعي والسلوك الانحرافي .
  28. الخولي ،الزواج والأسرة في عالم متغير ،ص260 .
  29. عبد العليم ،التنمية الثقافية والتغير النظامي للأسرة ،ص396 .
  30. عبد العليم ،التنمية الثقافية والتغير النظامي للأسرة ،ص396 .
  31. سورة التحريم ،الآية 6 .
  32. حسن ،الأسرة ومشكلاتها ،ص301 .
  33. غيث ،المشاكل الاجتماعي والسلوك الانحرافي ،ص161 .
  34. الخولي ،الزواج والأسرة في عالم متغير ،ص260 .
  35. ابراهيم ،التنمية الثقافية والتغير النظامي للأسرة ،ص396 .
  36. غيث ،المشاكل الاجتماعي والسلوك الانحرافي ،ص163 .
  37. الياسين ،أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث ،ص27 .
  38. ابراهيم ،التنمية الثقافية والتغير النظامي للأسرة ،ص396 .
  39. الخولي ،التغير الاجتماعي والتحديث ،ص171 .
  40. غيث ،المشاكل الاجتماعي والتخطيط ،ص120 .
  41. شكري ،الاتجاهات المعاصرة في دراسة الأسرة، ص245 .
  42. حسن ،الأسرة ومشكلاتها ،ص305 .
  43. الياسين ،أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث ،ص26 .

 

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.