
عقد المنتدى العالمي للوسطية فرع الجزائر ندوة "الخطاب الديني في ظل التحديات المعاصره"حيث تمر كل أمة من الأمم بحالات من القوة والضعف ، وتتوالى عليها هجومات الأعداء هجمة تلوى الأخرى ، سواء كانت مادية أو معنوية ، و تتفاوت آثارها حسب نوع السلاح المستخدم وحسب حال الأمة من قوة أو ضعف وحسب هدف العدو.
وبعد كل هجمة يحاول المسلمون أن يستعيدوا قوتهم . إما برد العدوان أو لم الشمل من جديد ، حتى أيقن العدو الكافر بأن قوة المسلمين تكمن في عقيدتهم، وما يحملوه من أفكار ومفاهيم . لذلك أخذ الغرب يغزو العالم الإسلامي غزواً علميا وثقافياَ وهو ما اصطلح عليه بالعولمة الفكرية والثقافية . وأتخذ لذلك الجمعيات التبشيرية والثقافية باسم العلم والإنسانية ، وأعدت لذلك برامج ومخططات عميقة ومتواصلة على المدى البعيد لغرس أفكار وقيم جديدة في المسلمين .
فكان لزاما علينا إعادة النظر في بيان حقيقة الخطاب الديني الدعوي لتطويره وتجديده ، وذلك ببيان حقيقة الخطاب الديني الإسلامي وخصائصه ، ومحاولة تحديد المنطلقات والخلفيات الفكرية والسياسية لهذا الخطاب ، والأدوات المستخدمة لتنفيذه في البلاد العربية والإسلامية ، ومحاولة إلقاء الضوء على الجهود الغربية لتطوير وتغيير الخطاب الديني الإسلامي وإخراجه عن مضمونه الحقيقي .
وسأحاول أن أركز على مرحلة التسعينيات في الجزائر وبداية لم الشمل والنهضة بالمرجعية الدينية ثم مرورا بما يسمى الربيع العربي ومحاولة غرس معتقدات وأفكار جديدة وبلورتها ( إسلاميا ) حتى تظهر في ثوبها الإسلامي ، فينخدع بها دعاة النهضة والعودة إلى عصر السلف وتبيين الزائف منها والصحيح .
وكمدخل للكلمة نعرف معنى الخطاب فأقول :
الخطاب لغةً : جاء في لسان العرب أن (الخطاب هو مراجعة الكلام ، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا... والمخاطبة مفاعلة من الخطاب .
ووردت مادة (خطب) في عدة مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص:20)، وقال جل شأنه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ (الفرقان:63)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ هود:37
تعريف الخطاب اصطلاحاً: وعرف بأنه (كل نطق أو كتابة تحمل وجهة نظر محددة من المتكلم أو الكاتب، وتفترض فيه التأثير على السامع أو القارئ، مع الأخذ بعين الاعتبار مجمل الظروف والممارسات التي تم فيها) من كتاب "تأويل الخطاب الديني في الفكر الحداثي الجديد" لأحمد عبد الله الطيار
ومفهوم الخطاب لدى الأصوليين هو معنى الحكم الشرعي (خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو بالوضع أو التخيير)
فنفهم منها أن الخطاب عموما هو محاولة تبليغ مفهوم ما ، بلغة يفهمها المتلقي مع مراعاة المستوى العلمي والجغرافي والتديني
فأصل الخطاب الديني أن مصدره الوحي الذي أنزل على الرسل وبعث به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إلا أن هذا المصطلح ( الخطاب الديني ) خاصة بعدما قرن بكلمة ( التجديد ) وما صاحبها من خلاف الأثريين والتجديديين ، بين من يرون التمسك بنفس الخطاب وبين من يرون ضرورة التجديد ، خاصة بعد ما تحدثت الولايات المتحدة الأمريكية عن ضرورة تجديد الخطاب الديني بما يناسب المنهج الغربي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، فعلت كلمة الطرفين حتى ظن المستمع والمتابع أن الأمر على قسمين فقط لا ثالث لهما وظن الفريق الأول أنه انتصار للأصول وظن الفريق الثاني أنه انتصار للمقاصد ، وغفل الطرفان عن وسطية الأمر وهي الأصل في الإبقاء على الأصول ومحاولة تجديد مناهج التبليغ .
و إذا أطلق هذا اللفظ في وقتنا فإنما يعنى به الخطاب الإسلامي لانصرافه له في الآونة الأخيرة مع أنه يشمل كل الأديان السماوية
والتجديد سنة كونية وفريضة دينية وضرورة من ضرورات العصر التي لا غنى عنها، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» رواه أبوداود ، فالكل معني بالإبداع والتجديد في تخصصه ، والخطاب الديني له أهله وهم السادة العلماء والفقهاء
يقول الدكتور بدران بلحسن : التجديد قانون من قوانين الاجتماع الانساني، وسنة ماضية في الأمة، يتجدد خطابها الديني وممارساتها الدينية، وتتجدد كل احوالها. لأن الثابت هو الدين أم التدين والخطاب الديني والممارسات الدينية فيطرا عليها المرض والتخلف والانحراف، وتحتاج إلى التجديد لترجع غلى اصولها الشرعية. وما حديث (يبع الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينا) ما هو ببعيد عن صناع وتسكيل الوعي بالتجديد. والتجديد يكون وفق اصول لاشرع والرؤية التوحيدية الاسلامية الحضارية وليس وفق ما تمليه امريكا او غيرها، وليس وفق من يرى الجمود على الممارسات التراثية التي انتهت. لأن هذا الدين يحمله الخلف العدول الذين ينفون عنه تأويلات الجاهلين وتحريفات الغالية وانتحالات المبطلين. إه
مصادر الخطاب الديني
للخطاب الديني مصدران مصدر تلقي ومصدر فهم واستيعاب فالأول الوحي والثاني هو اللسان العربية
فالوحي بمصادره هي :
1- القرءان الكريم : وهو كتاب الله علي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونقل إلينا بين دفتي المصحف بالأحرف السبعة نقلا متواترا ، وهو كلام الله عز وجل الأصل المقطوع به عند جميع المسلمين، وهو المصدر الأول للتشريع ، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (الإسراء:9).
2- السنة النبوية : وهي كل ما جاءنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير وهي المصدر الثاني للتشريع والاستدلال بها كالاستدلال بالقران ، قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء:59)، ويكون الرد بعد وفاة الرسول بإتباع سنته من بعده، قال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر:7)، وعن المقداد بن معد يكرب عن الرسول قال: (إني أوتيت الكتاب وما يعدله، يوشك شبعان على أريكته أن يقول: بيني وبينكم هذا الكتاب فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، إلا وانه ليس كذلك) رواه ابن حبان .
3- الإجماع: أما إجماع الصحابة رضي الله عنهم حجة باتفاق لأنه قامت الأدلة القطعية على حجيته ، وكذا إجماع علماء كل عصر من بعدهم .
4- القياس: (وهو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت)أو هو ( حمل معلوم على معلوم لاشتراكهما في العلة )
فهذه هي المصادر المتفق عليها عند جمهور العلماء، وهي بمجموعها تشكل الأساس الأول الذي يقوم عليه الخطاب الإسلامي، وهناك مصادر أخرى مختلف عليها بين العلماء، مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي، والعرف وهذه تبقى جزء من المصادر ويختلف في حجيتها العلماء .
5- اللسان العربي : ولم أخصص اللغة العربية لأن القرءان نزل بلسان عربي ولو أن أكثره بلغة قريش ، لذلك تركت اللسان يتحدث بدلا من اللغة ، فالعربية هي لغة الإسلام والمترجم لأفكاره و المبسط لأحكامه ، وهي أساس إعجاز القران، ونحن متعبدون بلفظه، قال الله تعالى:﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف:3)، وهي شرط أساسي من شروط النظر والاجتهاد، لأن النصوص الشرعية جاءت من عند الله بلفظها، ولهذا كان من الواجب أن تكون اللغة العربية هي التي يقوم عليها الخطاب الديني، ويجب مزجه باللغة العربية ، فالله سبحانه وتعالى اختار اللسان العربي وعاء للدين لما فيه من مزايا وخصائص تمتاز بها عن الألسنة الأخرى ، والقرآن هو معجزة لرسولنا و دليل على صدق نبوته، وبالتالي هو دليل على صدق الإسلام، وإعجازه ليس مقصورا على العرب دون غيرهم، بل جاء التحدي للعالمين جميعا، قال الله تعالى:﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء:88)، ونحن نعلم يقينا أن الإعجاز في القرآن في كيفية صياغة هذا الفكر الراقي بهذه اللغة التي لا يرقى إلى صياغتها بشر مهما بلغ من الفصاحة .
خصائص الخطاب الديني
للخطاب الديني خصائص ومميزات تميزه عن غيره كالخطاب السياسي مثلا ومنها :
1- أنه خطاب ضمن رسالة عالمية بعث بها النبي صلة الله عليه وسلم جاءت تخاطب البشرية بغض النظر عن أعراقهم وأجناسهم وألوانهم واختلاف ألسنتهم، لذا تجد الخطاب القرءاني يكرر (يابني آدم) في عدة مواضع و(يا أيها الناس) مع تخصيص آيات للمؤمنين والمسلمين ، وفي مواضع للناس كافة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ: من الآية28) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107). وأحيانا يوجه للكفار خاصة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:21).
2- أنه خطاب شامل لكل مناحي الحياة العقدية والتعبدية والمعاملاتية ، خطاب عقائدي مثل قوله تعال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:21)، و السياسي، قال الله تعالى:﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة:49)، و الاقتصادي، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة:275)، واجتماعي الذي يعالج مشاكل الأسرة والمجتمع، قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النور:33)، وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ (الإسراء:32).
3- يحقق السعادة الدنيوية والأخروية : 3- قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه:123،124)، وقال عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55 .
4- خطاب نهضوي تأثيري موحد : أنه خطاب وحدوي تأثيري ، يقوم على جمع الناس على كلمة واحدة باختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم ، ليكونوا أمة واحدة تربطهم عقيدة الإسلام، واعتبر الروابط الأخرى من أمر الجاهلية ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10)، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:52)، فرابطة العقيدة لا تتقطع باختلاف النسب، ورابطة النسب تتقطع باختلاف العقيدة.
مرتكزات الخطاب الديني
يرتكز الخطاب الديني على أساسيات لا يمكن إلغاء أي جزء منها لأن التكامل لا يصلح إلا بوجودها جميعا وهي :
1- المُخاطِب : وهو من يبلغ الرسالة.
2- المخاطب :وهو المتلقي الذي توجّه له الرسالة ويستقبلها ويستوعبها.
3- محتوى الرسالة : ومضمونها ما يريد المُرسل أن يوصله إلى الآخرين ، وهو اساس الخطاب الديني
4- وسيلة الاتصال : فالخطاب يكون شفويا أو مكتوبا ، وقد تستغل وسائل الإعلام المرئية أوالمسوعة ، أو حتى الوسائل التكنولوجية الحديثة كشبكة الإنترنت الإلكترونية، أو المساجد والمدارس القرءانية والزوايا وغيرها من الوسائل .
فإذا تكاملت هاته الوسائل لاشك أنه سيكون للخطاب تأثير وفاعليه في المتلقي إذا تم النظر في فحوى الخطاب الديني وضرورة تجديده ليتماشى مع متطلّبات العصر ويناهض الفكر التعصّبي والتطرّفي السائد في وقتنا ، وبدوره يمكنه بعد الاستيعاب أن يبلغه لغيره لما وقر في قلبه .
تحديات الخطاب الديني ومعوقاته
1- الإلحاد: أو اللادين وهو من أكبر التحديات التي تُواجَّه الخطاب الديني خاصة وأنها موجهة للشباب والنشأ .
2- : وصم الدين بالتطرف : وزرع الخلاف العرقي والمذهبي والعقدي بين المخاطبين بتهييج مواطن النزاع وتضخيم مواطن الخلاف بغرض نشر الفُرقة والتشتت والتمزق.
3- غرس فكرة التخلف والرجعية لدى الشباب وكأن من لم يصنع صاروخا نوويا لا يعد متقدما ، حتى ارتبط الحديث عن التقدم مرهونا بامتلاك القنبلة النووية وكأن الطاقة النووية هي مدار العالم مع الطاقة الشمسية أقل منها تأثيرا وأكثر منها فائدة .
4- أزمة التشدّد والتعصّب بين المسلمين : لا يمكن للخطاب الديني أن يرقى في منطقتنا العربية إلى مستوى تحصين الشعوب من أمراض التطرّف والتعصّب الديني والمذهبي المتعصب ، والتشدّد الفكري، ورفض الآخر، والشحن الطائفي، وتغذية الصراعات الداخلية بل هي في ازدياد مستمر بسبب التيارات السياسية التي تستغل الدين للخلاف وبهذا يستمر وجودها ونفوذها .
آليات تطوير الخطاب الديني
قد تكون مشكلة الخطاب الديني اليوم في الخلل في معادلة الدعوة والعمل الإسلامي ، والظن أن الإبقاء على الوسائل القديمة في الدعوة وإيصال المفاهيم هو المنهج الأمثل ، والتوهم بأن الوسائل من الثوابت والمقدسات التي لا يجوز تطويرها أو حتى مراجعتها ودراسة جدواها ، في حين لو نظرنا في أساليب الدعوة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والقرون الماضية نجدها قد تجددت بتجدد الأحداث والثقافات والأفكار بسبب الإطلاع في ثقافات الآخرين . فجمع المصحف وتدوين السنة وـاليف الكتب في الحديث والمختصرات في الفقه والأصول والمنظومات المتعددة التخصصات كله من أساليب تجديد الخطاب بما يناسب العصر دون الخروج عن الأصول ودون تغيير للثوابت الحقيقية التي ذكرناها في بداية المحاضرة .
ونأتي باختصار شديد على أهم الوسائل التي تساعد على إنجاح الخطاب الديني
1- اختيار الزمان والمكان المناسبين : لما لهما من تأثير واضح في توجيه الخطاب ، وإن غفل المخاطب عن هذين الجانبين الهامين سوف يفشل فشلاً ذريعاً في الوصول إلى عقول وقلوب المخاطبين ، وسوف يكون خاطبه سقيماً عقيماً ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في تغيير خطابه بين مكة والمدينة .
2- مراعاة مقتضى حال المدعو :
لقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة مخافة السامة فعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ (( كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ))
وكان يحذر أصحابه الذين يطيلون في العبادة حتى تشق على الناس ، من فتنتهم عن دينهم (( فعَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ . فَقَالُوا لَهُ : أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟!. قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ . فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا قَالَ : سُفْيَانُ فَقُلْتُ لِعَمْرٍو : إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . فَقَالَ عَمْرٌو: نَحْوَ هَذَا )).
وكان سيدنا علي رضي الله عنه يوصي (( بمخاطبة الناس على قدر عقولهم ))
3- لغة الخطاب : للغــــة :
عالمية الرسالة المحمدية تقتضي عالمية الخطاب الديني وبذلك يجب على الداعية أن يعرف العالم بعقائده ، وثقافاته ، وتاريخه ، وحاضره ، ومشكلاته ، وتطلعاته ، وفهم الكيفيات والآليات التي يتم من خلالها تشكيل الرأي العام ، وشروط تغيره ، والتأثير عليه ، كأمور لا بد منها لتحديد المداخل الحقيقية للخطاب ، قال تعالى (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم )) فاللغة هي المفتاح الأول والوسيلة البليغة في إيصال المعاني السامية للدين الإسلامي
والله ولي التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
Search
Add new comment