المرأة.. مقياس حضارة أيها التكفيريون

أشرنا في المقال السابق إلى الكثير من الشواهد التي تؤكد بأن المرأة العربية كانت تحتل مكانة مرموقة في مجتمعاتها، وأنها كانت شريكا كاملاً للرجل في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع وفي شؤون العقيدة والاعتقاد. وقلنا أن الإسلام عزز من هذه المكانة للمرأة وزاد عليها بأن جعل حفظ المرأة والعناية بها وتعليمها بابا من أبواب العبادة،كما جعل من تلاوة سير بعض النساء بابا من أبواب العبادة أيضا،خاصة سيرة العذراء مريم خير نساء العالمين، وسيرة زليخة زوجة عزيز مصر، وسيرة زوجة فرعون وغيرهن من النساء اللواتي ضرب الله بهن المثل وجعلهن قدوة للرجال والنساء، وفي القرآن سورة باسم مريم، وأخرى باسم النساء، فلو كانت نظرة الإسلام للمرأة نظرة دونية لما فُرض على المسلمين التعبد بتلاوة سير نساء، ولما ضم القرآن سورة تحمل اسم مريم وأخرى تحمل اسم النساء، ولما كانت أول من أسلم امرأة، وأول شهيدة في الإسلام امرأة، ولما دافعت النساء عن الرسول في الحروب كما فعلت أم عمارة،وقبل ذلك لما ساهمت النساء في حماية رسول الله أثناء هجرته كما فعلت ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكرلأن ذلك سيكون مطعنا في الإسلام ورسوله.كثيرة هي النصوص القرآنية والنبوية التي تؤكد مكانة المرأة السامية في المجتمع، ونديتها للرجل وشراكتها الكاملة له في كل شأن من شؤون الحياة، وأولها حريتها في اختيار عقيدتها، فلم يجبر رجل من المسلمين زوجته أو ابنته أو أخته على اعتناق الإسلام، لأن هذا الاعتناق قائم على حرية الاختيار، الذي يجب أن تتمتع به المرأة كالرجل تماما، ومن ثم كانت كل تكاليف العقيدة والعبادة والمعاملات في الإسلام للمرأة مثلما هي للرجل تماما، صلاة وصياما وحجا ً وزكاة وجهاداً في سبيل الله، وهجرة في سبيله أيضا، فلقد هاجرت النساء في كل هجرات المسلمين إلى الحبشة ثم إلى يثرب.وكانت النساء يبايعن رسول الله, مثلما كان يفعل الرجل, كما كلفت بحماية هذا الدين، وشريكة في إقامة المجتمع الجديد. غير النصوص القرآنية والنبوية التي تؤكد ما ذهبنا إليه من تعزيز الإسلام لمكانة المرأة في المجتمع، باعتبارها شريكا كامل الأهلية في هذا المجتمع وتصريف شؤونه،فكذلك كثيرة هي أيضا الأدلة والبراهين العملية على نظرة الإسلام المتميزة للمرأة، باعتبارها شريكا مساويا للرجل في كل الموقع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية،ففي التشريع قال رسول الله عليه السلام «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء» يعني السيدة عائشة، التي روت هي وغيرها من النساء عليهن رضوان الله الكثير من أحاديثه عليه السلام، وهي نفسها السيدة عائشة التي خرجت على رأس جيش في معركة الجمل معلنة عن موقف سياسي، فلو كان الإسلام يمنع ذلك لما فعلته أم المؤمنين عليها رضوان الله. تماما مثلما لم تكن طائفة من المسلمين لتجعل من الهتاف باسم امرأة شعاراً لها فيما بعد،للتعبير عن موقفها السياسي كما يفعل الشيعة بنداء « لبيك يا زينب» فهاتان الواقعتان تؤكدان أن مكانة المرأة عند المسلمين على اختلاف مذاهبهم مكانة سامية, وأنها رمز للكثير من مواقفهم السياسية وأنها شريك في كل تفاصيل الحياة ومكوناتها.وعلى ذكر التشريع أيضا نتذكر كيف تصدت امرأة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المسجد، عندما أراد تحديد مهور النساء فذكرته بقول الله بشأن المهور فانصاع عمر وهو من هو للمرأة وقال «أصابت امرأة وأخطأ عمر» وعمر نفسه بما عرف عنه من تشدد وغيرة خاصة على النساء هو الذي عين امرأة كمحتسبة تراقب الأسواق, وهو نفسه الذي كان يعلم أن في جيوش الفتح التي انساحت تفتح الأمصار نساء كان لهن رأي في سير المعارك كزوجة سعد بن أبي وقاص، مثلما كان لهن بلاء يذكره التاريخ في سير المعارك كخولة بنت الأزور وغيرها.وفي الاقتصاد يكفي أن الإسلام قرر للمرأة ذمة مالية مستقلة، وهو إقرار لم تصل إليه حتى الكثير من المجتمعات الغربية حتى يوم الناس هذا، ومع إقرار الذمة المالية المستقلة للمرأة كفل لها الإسلام حرية العمل الاقتصادي، ويكفي هنا أن نشير إلى أن الخليفة عمر بن الخطاب بكل ما عرف عنه من تشدد عين امرأة كأول محتسبة في الإسلام، كانت مهمتها مراقبة الأسواق وضبطها، مما يدل على أي فهم للاقتصاد كانت تتمتع به المرأة ويقره لها الإسلام، يؤهلها لاحتلال موقع التنفيذ للقرار الاقتصادي. خلاصة القول في هذه القضية أن كل الوقائع على الأرض وقبلها النصوص المقدسة والدنيوية تكذب مقولة أن النظرة العربية والإسلامية للمرأة نظرة دونية على العكس من ذلك كله، فإن هذه الوقائع والنصوص تؤكد أن المرأة شريك كامل الشراكة سياسيا واقتصاديا وتشريعيا وعسكريا للرجل، في تسيير سائر شؤون الحياة،وأن المسأله ليست مسألة رجل وامرأة، بل مسألة قدرات وإمكانيات يتفاوت بها الأفراد ليس على أساس الجنس بل على أساس فردي، وكثيراً ما تفوقت النساء على الرجال. ولأنها ليست مسألة رجل وامرأة فإنها مسألة مراحل حضارية، فعندما تنهض الأمة نهوضا حضاريا حقيقيا تغيب مشكلة التصنيف على أساس الجنس، وعندما تتخلف الأمة حضاريا تختل كل موازينها وعلاقاتها،ومنها ميزان العلاقة بين الرجال والنساء، ومكانة كل منهما في هذه الحياة، وهي في مراحل التخلف مكانة متأخرة لكليهما لكن الذي لابد من الانتباه إليه أنه وفي القرون الوسطى عندما كانت أوروبا تناقش سؤال هل المرأة مخلوق بشري أم لا؟ كانت المرأة في بلادنا ملكة وشاعرة ومشرعة ومقياس كرامة، وهي مكانة نحب أن تستعيدها نساء بلادنا.من خلال عملية تنوير شاملة ندعو إليها في اطار دعوتنا لمقاومة ظلامية الفكر التكفيري وابشع صورها ممارسات اتباع هذا الفكر ضد النساء, من خلال احيائهم لاسواق النخاسة وتحويل المرأة الى مجردسلعة, وهي الممارسة التي ارتكبها التكفيريون وفشلنا في توظيفها, لبيان براءة الاسلام من سلوك التكفيرين وهو جزء من فشلنا في حربنا على التكفير

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.