"رحم الله امرأ عرف قدر نفسه"

في عالم العلاقات بين البشر لا بد من صفات تعين على التفاعل بينهم، وتجعل الإنسان محبوبا مقبولا؛ منها التواضع والبشاشة والصدق والأمانة، ولا عجب أن ركز القرآن الكريم عليها وعلى غيرها، فذكرها في مواضع مختلفة في آيات صريحة أو في فواصل الآيات، أو من خلال القصص القرآني، وهو كثير شغل حوالي ثلث القرآن. ويعنيني هنا الحديث عن التواضع، وأن يعرف الإنسان قدر نفسه، ولا يمنعه هذا من الأخذ بالأسباب والارتقاء، لكنه دائم التقييم لنفسه من حيث قدراتها، فلا يخوض فيما لا يعلم، ولا يرتقي مسؤولية هو ليس لها. لم يجهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته أول ما أوحي إليه، بل انتظر حتى يقيم الواقع ويكثر أتباعه، ولم يقم دولة الإسلام في مكة وهو يعلم أن القوم أعداؤه وسيجهزوا على الدولة الناشئة ويقتلوا أتباعه، ولم يهاجر علنا إلى المدينة، بل أخذ كل الاحتياطات والأسباب، لم تقل له نفسه بأن يكتفي أنه على حق، وأنه رسول الله وناصره ومؤيده، فلا بد من الأخذ بالأسباب، وبعدها يكون التأييد من الله تعالى، وهكذا في شأن حياته كلها ودعوته وجهاده، فقد أعد العدة وأخذ بالأسباب، بل جُرِح وقتل عدد كبير من أصحابه في رحلة المعاناة وتثبيت الدعوة وانتشارها. هكذا الإسلام يريد من أتباعه أن يأخذوا بالأسباب، ولا يستصعبوا شيئا أبدا، اللهم إلا إن كان من المستحيلات، ولكن في عرف البشر هناك أمور ممكنة عقلا قد تستهولها النفوس الصغيرة، فلا بد من الأخذ بالأسباب بشأنها، أما أن أخوض فيها بحجة أنني مسلم وعلى حق من دون أن أعد للأمر عدته، فهذا مخالف لسنن الله تعالى، التي منها حسن التوكل عليه، ومنها الأخذ بالأسباب. حين أراد أبو ذر من النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمره على إحدى السرايا قال له صراحة: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، فلا بد لأحدنا أن يوازن الأمور، فالمسؤولية في الإسلام ليست شرفا، بل تكليف، وبعد التكليف مساءلة، إن لم تكن في الدنيا فهي في الآخرة أشد، ويحضرني هنا من خاض الانتخابات البرلمانية، وهو غير مؤهل أصلا لذلك، بل اتخذها وسيلة للشهرة أو الوجاهة أو تحسين الظرف المادي، وربما غير هذه الأسباب، وهناك من يشعر حقيقة أنه يريد التغيير من خلال البرلمان، يحمل أفكارا وبرامج، ويريد أن يؤثر إيجابيا في اتجاه نهضة وطنه وأمته، وهنا ننظر في القدرات، هل هو على مستوى هذا الطموح والتنظير، فالقول شيء يحسنه الغالبية، ولكن تعجز عنه قوى بأكملها، فكيف بأفراد أو مجموعات قليلة؟! رحم الله امرأ عرف قدر نفسه، فلا يحمّلها ما لا تطيق، ولا يعجز أو يتواضع حيث لا ينفع التواضع، ولكن عودة إلى المثال نفسه (البرلمان)، فكم شاهدنا وقرأنا عن أشخاص لا علاقة لهم بمسؤولية البرلمان أبدا، فلماذا تقحم نفسك في مجال أنت ليس له؟ بل سبق ورشحت نفسك عدة مرات والناس لم تنتخبك، لكنه يبقى مصرا على أن يخوض الانتخابات كل مرة، والحال هو هو. بإمكان أي واحد منا أن يوصل آراءه التي تنهض بالبلد، ويتواصل مع من هم في السلطة أو البرلمان، وربما كانت الكتابة بحرية أقوى تأثيرا من مجلس نواب، وربما كان عطاء مؤسسات مجتمع مدني أفضل بكثير من البرلمان والحكومات، فالعطاء لا ينتهي أبدا، وليس مصدره الرئيس هو السلطة التشريعية أو التنفيذية، صحيح أن البرلمان فيه ما فيه من التحصين وسهولة إيصال الاقتراح والرأي، ولكننا نعلم أن الرأي الواضح المحايد يصل ما هو أبعد من المجالس الرسمية والحكومات، حين يقع في قلوب الناس وعقولهم، وربما يصل لرأس الأمر مباشرة ويكون التغيير بناء عليه لا على ما يقترحه النوّاب مثلا، وهكذا. كثيرا ما يتسارع الناس لتهنئة من فاز بمقعد نيابي، أو تحمل مسؤولية ما، والأصل الدعاء له بأن يوفقه الله تعالى، وأن يكون على قدر المسؤولية، ولقد تهرب العلماء والصحابة من المسؤولية خوفا من عقباتها، بل تحمل بعضهم التعذيب ولا أن يكون قاضيا أو وزيرا، فأبو حنيفة أعرض عن القضاء وعُذِّب، والإمام مالك أراد الخليفة أن يعمم كتابه (الموطأ) ليكون المذهب الرسمي للدولة، فرفض وقال إن الصحابة والتابعين قد انتشروا في الأمصار ونشروا علمهم وما حملوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن لهم أن يلتزموا منهجا واحدا ومرجعا واحدا وقد سبقت إليهم مراجع ومناهج، هكذا تواضع الإمام مالك وغيره، فحفظ الله فقههم ومنهجهم، ومثل مالك الإمام أحمد الذي كان يُسأل مسائل فقهية ويقول للسائل اذهب إلى أبي ثور، وحفظ الله فقه أحمد أكثر من فقه أبي ثور. التواضع صفة حميدة، ومن جعله من أجل الله تعالى يرفعه الله، فقد أقسم صلى الله عليه وسلم أن من تواضع لله رفعه، وهذا شأنه سبحانه أن لا يدع عبدا عمل عملا أو استشعر شعورا صادقا أن يتركه، بل سيتولاه ويجري على يديه ما لم يكن بالحسبان. ومرة أخرى لا يعني تواضعي وأن أعرف قدر نفسي أن لا آخذ بالأسباب وأرتقي، فقد علمنا أن أناسا كانوا في أدنى درجات الجاه والمال والعلم، لكنهم سادوا فيما بعد، فأخذوا بالأسباب وتعلموا وأعطوا أمتهم والإنسانية كلها، فأصبح عطاؤهم هو جاههم وشهرتهم، ولو تذكرنا أن ثمانية من القراء العشرة هم من الموالي، لا من العرب باستثناء أبي عمرو بن العلاء البصري وابن عامر الدمشقي، لعرفنا عظمة هذا الدين كيف ينهض بالإنسان ويوصله إلى أعلى درجات العطاء، لا ليشتهر هو، بل لترتقي أمته، وهذا ما نريد من العقلاء أن يسود بينهم، لا مصالحهم الشخصية.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.