كيف نحارب الفكر الإرهابي

  إن حاجة الانسان الى الامن حاجة ماسة كحاجته الى الغذاء , لذلك كانت قرينتها في القران قال تعالى { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} النحل (112) وقال تعالى { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } قريش 2-3 و لأهمية الأمن في نظر الاسلام جعله من آكد واجبات الدولة , بل هو آكد حقوق الرعية على الحاكم , فهو من هذه الناحية آكد من الغذاء بالنسبة للدولة , لأن الفرد بإمكانه أن يوفر الغذاء لنفسه , وليس بإمكانه أن يوفر الأمن , وإذا توفر الأمن سهل على الأفراد تحصيل معاشهم , وإذا اختل الأمن استحال توفير المعاش , فالامن هم المهمة الأولى للدولة وهو الواجب ال؟أول للرعية على الدولة . يقول الماوردي " إعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة , وأمورها ملتئمة , هي ستة أشياء هي قواعد وإن تفرعت , وهي : دين متبع , وسلطان قاهر , وعدل شامل , و أمن عام , و خصب دائم , وأمل فسيح " ويقول القاضي النعمان بن محمد "إن أفضل قرة عين الولاة هي استضافة الأمن, وظهور مودة الأجناد " و يقول المارودي في كتابه أدب الدنيا والدين " إن الامن العام هو الذي تطمئن اليه النفوس وتنشر فيه الهمم , ويسكن فيه البرئ و يأنس به الضعيف , فليس لخائف راحة ولا لحاذر طمأنينة و قد قال بعض الحكماء : الامن أهنأ عيش والعدل اقوى جيش , لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم , ويحجزهم عن تصرفهم , ويكفهم عن الأسباب التي بها قوام أودهم و انتظام جملتهم " وقصة أبي عبيدة الجراح مع أهل الذمة مشهورة , وهي انه لما بلغه ما حشد هرقل ضده من الجيوش , خشي من العجز عن حماية المدن المفتوحة من الشام , فأمر لذلك ان يرد الى من فيها من النصارى ما أخذ منهم من الجزية و كتب اليهم :" انما رددنا لكم على الشروط و ما كتبنا بيننا و بينكم إن نصرنا الله عليهم ." فدعا النصارى بالبركة  للمسلمين وقالوا ردكم الله علينا , ونصركم عليهم , فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئاً , واخذوا كل شئ بقي لنا . ولم تزل الدول عبر التاريخ تبني و تخطط و تنظم و تشرع من اجل توفير المن والامان لمواطنيها , ورغم ذلك ظل الخارجون على النظام , والمناؤن للسلطان والمتهورون يقضون مضاجع الحكام و المحكومين بالقتل والسلب و النهب و الترويع منذ فجر التاريخ الى يومنا هذا . فلم يخل عصر من العصور من استعمال العنف غير المبرر ظاهرة قديمة حديثة , وكانت محاربتها ايضاً كذلك , وقد تطورت هذه الظاهرة بتطور البشرية , فتطورت القابها , ووسائلها , وخططها , حتى تجلت في وقتنا الحاضر فيما يعرف بالارهاب , الذي هو داهية العصر الدهياء , وداؤه العضال , الذي لم تستطع أفكار المفكرين ولا خطط العسكريين ان تكتشف له لقاحا , ولا ان تصنع له دواء , فانتشرت عدواه وفتك بمرضاه . ولما اشتد خطبه , وظهر حزبه وتطاير شرره , وانتشر فكره , بدأت الاصوات ترتفع ضده هنا وهناك , وبدأت أجهزة الأمن تحاربه هنا وهنا فكانت الحرب بينهما سجالا, والنتيجة قتلا و قتالا . ثم تبين ان اجهزة الامن لا تكفي لوحدها , ولا تستطيع ايقافه بمفردها , وان الوقاية منه خير من علاجه , فبدأ التفكير والتنظير لاستئصال اصوله و اقتلاع جذوره . بما ان مقالا كهذا قد لا يتسع لما تتطلبه معالجة هذا الموضوع من التحليل و التنظير و التفصيل والتأصيل , فإنني سأقتصر على ثلاثة محاور , اراها اساسية وهي : - تعريف الارهاب - اسباب الارهاب - علاج الفكر الارهابي . اولا : تعريف الفكر الارهابي ان كلمة " الارهاب " في اللغة العربية معناها الازعاج و الاخافة كما يقول الزبيدي . فالارهاب مصدر ارهب اي اخاف , قال ابن منظور :" وارهبه ورهبه الناس ." وقال ايضا " رهب بالكسر يرهب رهبة ورهبا بالضم و رهبا بالتحريك اي خاف , ورهب الشئ رهبا ورهبا ورهبة : خافة. والاسم الرهب و الرهبي و الرهبوت و الرهبوتي , ورجل رهبوت يقال : رهبوت خير من رحموت , اي لان ترهب خير من ان ترحم . وقد وردت هذه المادة في القران الكريم اثني عشرة مرة بتصاريف مختلفة كلها ترجع الى الخوف من الله تعالى الا في ثلاثة مواضع : قوله تعالى :{ قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}الاعراف ﴿١١٦﴾   قوله تعالى : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}الانفال (60) قوله تعالى في خوف اليهود او خوف المنافقين من المسلمين :{ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } . فان الخوف في هذه الايات الثلاث يتعلق بالمخلوقين , والذي يتعلق بموضوعنا في اية الانفال وحدها , وستتعرض لها لاحقا ان شاء الله تعالى . اما الارهاب في عرف اهل القانون والسياسة فلم يستقر الى حد الان على معنى متفق عليه , يتعارف عليه الجميع , ويحاكمون عليه الناس , بل يمكن القول ان الجميع حصل له اليأس من الوصول الى تعريف واضح اهذه الظاهرة , يحدد معالمها ويرسم ضوابطها , فأصبح الارهاب عبارة مفهومة المغزى مجملة المعنى يستخدمها كل حسب مصلحته و هواه لذلك تشعب مفهومه , وصعب تعريفه وسنذكر نماذج من تلك التعريفات : تعريف وزارة الدفاع الامريكية و الخارجية البريطانية "الارهاب : الاستخدام المكثف اعنف او التهديد باستخدام العنف , لزرع الخوف بنية تخويف الحكومات او المجتمعات , وذلك لتحقيق اهداف في الغالب تكون سياسية او دينية او ايديولوجية . تعريف FBI الرهاب هو الاستخدام غير القانوني للقوة ضد اشخاص او ملكية لتخويف الحكومة او الشعب المدني , او اي جزء منهما لتحقيق اهداف سياسية او اجتماعية. تعريف لجنة القانون الدولي : جاء في المشروع الخاص بالجرائم ضد السلام و أمن الإنسانية الذي تعده لجنة القانون الدولي : "يقصد بالأعمال الإرهابيه الافعال الاجرامية الموجهة ضد دولة أخرى , والتي من طبيعتها أن تخلف الخوف لدى قادتها , او مجموعة من الاشخاص او الراي العام" والتعريفات كثيرة في الفقه الغربي , وهي على اختلافاتها وتنوعها تحوم حول استعمال العنف غير المبرر الذي يهدد الامن و السكينة , سواء استهدف افرادا او جماعات . واما في الفقه الاسلامي و خصوصاً القديم منه , فلا نجد ذكرا للارهاب بلفظه , ولكننا نجد معناه فيما يعرف عند علماء المسلمين بالحرابة والبغي , وهما مصطلحان لكل منهما اصالته المتجذرة في الاسلام , اذ يرجع كل منها الى كتاب الله عز وجل قال تعالى :{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة (33) وقد فسر العلماء الحرابة بما يلي : قال مالك رضي الله عنه :" المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر , او في برية , وكابر عن انفسهم و اموالهم دون نائرة و لا ذحل , ولا عداوة . ويقول ابن كثير : " المحاربة المضادة و المخالفة , وهي صادقة على الكفر و على قطع الطريق و اخافة السبيل و كذلك الافساد في الارض " . وجاء في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر ) لابن حجر الهيثمي : " ان قطع الطريق اي اخافتها تعد كبيرة من الكبائر , ولو لم يقتل نفسا ولم يأخذ مالا , فكل من شهر السلاح على المسلمين , كان محاربا لله و رسوله " وقال ابن عرفة " الحرابة الخروج لإخافة السبيل بأخذ المال محترم بمكابرة قتال او خوفه , او اذهاب عقل , او قتل خفية , او لمجرد قطع الطريق , لا بد لامارة ولا نائرة و لا عداوة " واما البغي فقد عرفه ابن عرفة بانه " الامتناع عن طاعة من تثبت امامته في غير معصية بمغالبة ولو تاولا " والبغي في اللغة التعدي قال ابن العربي في احكام القران " ان مادة (ب غ ي ) للطلب لا انه في العرف مقصور على طلب خاص وهو ابتغاء ما لا ينبغي ابتغاؤه . نستخلص من هذه التعاريف ان البغي و الحرابة يعنيان في مجملهما الخروج عن طاعة الامام و مغالبته و اخافة الناس , اي زعزعة الامن العام , سواء كان ذلك بالقتل او باخذ المال او باخافة الطريق لمنع سلوكه , وسواء كان المستهدف ذميا او مسلما , صغيرا او كبيرا , وبهذا تتضح العلاقة الوثيقة والشبه القوي بين المصطلحين ومصطلح الارهاب , لان الارهاب في عصرنا الحاضر يطلق اساسا على استعمال العنف غير المبرر , الذي يستهدف الافراد والجماعات فيمثل خروجا على الامام من جهة , وزعزعة الامن والاستقرار ونشر الرعب بين الافراد بالقتل ةالنهب والاسر من حهة اخرى  فجمع بذلك بين البغي و الحرابة وكلاهما من اعظم الذنوب واخطرها في نظر الشرع الاسلامي و يرتب عليهما اقسى العقوبات . اما الجهاد الذي يحاول البعض عن قصد وسوء نية ان يضفي عليه صفة الارهاب لتشويه صورته والتخلص من اثاره ويحاول بعض آخر عن جهل او مغالطة اضفاء صفته على الارهاب ليستمد منه الشرعية ويستفيد من قدسيته والقه فانه اشرف و اقدس واوضح ضوابط من ان يلتبس بمثل هذه الافعال . فالارهاب والبغي والحرابة غطرسة , واعتداء على الشرعية وخرق للقانون وصاحبها ظالم ومجرو ومعاقب شرعا والجهاد دفاع عن الحق وردع  للظالم وترسيخ للشرعية واقرار للعدل وصاحبه ماجور و فعله مشروع  بل هو من اعظم القربات ومصدر عز الامة وذروة سنام الاسلام لانه بذل الجهد لاعلاء كلمة الله . والجهاد يكون بالنفس والمال وبالفعل والقول فيكون بالدعوة الى الله , ويكون باقامة الحجة على المخالفين ,ويكون ببذل المال في سبيل الله , ويكون بالقتال احيانا ومن هنا نفذ المخلطون من كلا الجانبين , فحاولوا التدليس على الناس ولكنها دعاية فاشلة فالجهاد لن يكون ارهابا ولارهاب لن يكون جهادا وان نتج عن كل منهما قتال , لان م يقع في الجهاد مشروع ومبرر ومقنن , وهو لتحقيق مصالح الدين والدنيا , وما يقع في الارهاب عكطس ذلك .   فالافعال لا تاخذ صفة الشرعية , ولا اسماؤها من طبيعتها , وانما تاخذها من موقف الشرع منها الذي ينبني على القصد منها  الذي يبني على القصد منها وما تحققه من مصالح , وما تدرأه من مفاسد ومن هو القائم بها , ومن هو المستهدف بها فقطع يد البرئ يسمى جناية و فاعله آثم وهذه اليد تساوي خمسين من الإبل في حالة الخطأ و اليد التي قطعتها في حالو العمد . وقطع يد السارق يسمى حدا, وفاعله مأجور وهذه اليد تساوي ربع دينار فقط .   و قتل البرئ من اعظم الجرائم الموبقات , ونفسه تساوى نفس القاتل ان وفع ذلك عمداً ومائة من الابل ان وقع ذلك خطأ و وقتل القاتل يسمى قصاصاً , وهو قربة وفيه حياة للناس قال تعالى :{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة178 اما قتل الجناية فقال فيه تعالى : {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } فإذا صدر القتال ممن يحق له اتخاذ القرار بذلك , وكان القصد به مشروعاً وكان موجهاً نحو الظالم المعتدي على الدين و العقيدة والوطن . ولم تكن معالجته بغير ذلك , أمكن تسميته جهادا او مقاومة و لا يمكن لأحد ان يطعن في مشروعيته واذا كان صادرا من البغاة والمفسدين في الارض او كان القصد منه تحقيق مآرب خاصة او اشاعى الرعب او كان متسهدفاً به من لا يجوز استهداف بذلك كالمسلمين والذميين , والمعاهدين و النساء والصبيان , فانه يكون ارهابا وبغيا وحرابة واذا كنت قد فصلت في هذا الموضوع فإنني التمس العذر فانها نفثة مصدور وذلك لشدة ما عانينا من الخلط , والتدليس في هذا الموضوع حيث اراد البعض ان يشوه الاسلام بما فيه من جهاد و عزة وقوة في الحق جاعلا ذلك كله ارهابا وعنفا وتعسفا , غاضا الطرف عما فيه من رحمة ولين ورأفة و تسامح , كما اراد بعض آخر ان يتخذ من هذا الجهاد و هذه العزة و هذه القوة ذريعة للاعتداء على النفوس البريئة و نشر الرعب و الفوضى في صفوف الجماهير الآمنة , والإفساد في الارض بغير حق شرعي , والحق ان الاسلام دين العدالة والعدالة تقتضي الرحمة واللين و الرفق و التسامح في محلها و كما تقتضي الصرامة و القوة في محل اخر , ولا يصلح احدهما مكان الاخر , فهما كما قال المتنبي : وضع الندى في موضع السيف بالعلا ***مضر كوضع السيف في موضع الندى ثانيا : اسباب الفكر الارهابي ان الفكر اساس كل سلوك , فما من عمل يقوم به الانسان الا وهو نتيجة فكر تقدمه ," فالظاهر عنوان الباطن",كما يقول العلماء , فما من سلوك ارهابي الا وهو ناتج عن فكر ارهابي سبقه , فتصوره و خطط له ثم نفذته جوارح صاحبه , فالعقل سلطان الجسد كما يقول علماء الاخلاق . فمن اراد صلاح الناس فليبدأ باصلاح قلوبهم , ومن اراد تقويم سلوكهم فليسع في تقويم افكارهم , فمعالجة الفكر الارهابي هي الخطوة الاولى نحو مقاومة الفكر الارهابي يجب ان تتمثل في تشخيص اسبابه ,ثم تفادي تلك الاسباب في المستقبل ومعالجة ما وقع منها في الماضي , وهي اسباب كثيرة يصعب حصرها , وسنحاول انتقاء الأهم منها : الجهل بالشريعة   اي عدم الاطلاع على حقائقها و عدم معرفة احكامها و عدم القدرة على ترتيب الامور حسب اهميتها من منظور شرعي مع الحصول على معارف بسيطة يحسبها الجاهل كل شيْ , فيحلل و يحرم و يكفر ويبدع انطلاقا من جهله و هواه . إن محدودية الفقه في الشريعة نصوصا و مقاصد , و عدم فقه الواقع هي التي اوقعت بعض الطوائف في متاهات التكفير و التضليل و التبديع . الحماس الملتهب : ان الحماس الماتهب للايديولوجيا التي ينتمي اليها الفرد اسلامية او غير اسلامية , اذا لم ينضبط بضوابط الشريعة او القانون فانه يدفع بصاحبه الى اتخاذ موقف متطرف .   فساد اخلاق الامة : ان فساد الاخلاق وشيوع المناكر وانتشار الفواحش مع الاهمال التام من قبل السلطات العمومية , و قادة الرأي يولد لدى بعض الافراد فكرا متطرفا يجعله يقف من الفاعلين والساكتين موقفا متطرفا , فيعتقد انهم مارقون من الدين . وقد طهر هذا الفكر قديما , فتكفير بعض الفرق الاسلامية لمرتكب الكبيرة معروف ولا شك ان ارتكاب المعاصي امر خطير , والسكوت عليه امر عظيم , ولا سيما اذا كان سكوت  السلطة الحاكمة التي يجب عليها تغيير المناكر , ولكن التكفير بذلك خطأ في الدين ايضا لانه يمثل معالجة المنكر بالمنكر. الظلم : ان الظلم الذي تمارسه القوة العظمى في العالم على شعوب العالم الثالث وخصوصاً العرب و المسلمين , وبصفة اخص في فلسطين كان سبباً رئيساً في تكوين الفكر الارهابي عند الطوائف والافراد , ان الفرد الذي ينتصر لدينه ولامته , ويقرأ عن واجب النصرة بين المسلمين اذ شاهد البيوت تهدم على اهلها , والقنابل والصواريخ تصوب على النساء والاطفال والمدنيين العزل , والناس يهجرون وتصدر اوطانهم , الى غير ذلك مما لايمكن الحديث عنه من انواع التنكيل والاضطهاد , ولا احد يتكلم , فلا ينتصر قريب ولا بعيد للمظلوم , ولا يحاول احد الاخذ على يد الظالم , فان ردة  الفعل ستكون عنيفة على مستوى التفكير ومستوى السلوك . وكذلك الظلم الذي يقع على الافراد والجماعات من طرف السلطات فانه لايقل اهمية في هذا المجال عن سابقه , فإن عدم العدالة في توزيع الثروة , وعدم تكافئ الفرص بين الافراد وعدم السماح بالمشاركة السيياسية حيث تحظر احزاب وتحل أخرى , وتلغى انتخابات بدون مبرر , لانها لم تكن في صالح الحاكم الفلاني , او تهدد سرمديته التي يحلم بها . إن مثل هذه التصرفات الظالمة ودوام الانسداد السياسي , وتوارث الحكم في البلاد العربية الاسلامية , ساهم الى حد كبير في انتشار الفكر الارهابي . الفقر والبطالة : ان لكل انسان حاجات ضرورية لا بد له منها ,فاذا لم يستطع توفير هذه الحاجات الاساسية عن طريق العدل والاستقامة , فكر فيها عن طريق العنف ,فتولد في ذهنه الفكر الارهابي , ولا سيما اذا لم يكن متعلما ً ولم يكن لديه وازع ديني , فكثير من الشباب صار فريسة لدعاة الفكر الارهابي بسبب الفقر والبطالة والحهل فسلك مسلكهم واعتنق مذهبهم ودعا الى فكرهم( كاد الفقر ان يكون كفراً ... . وهناك اسباب كثيرة تساهم في تشكيل هذا الفكر , فهم نتاج تراكمات و عوامل متشابكة , بعضها سياسي , وبعضها اجتماعي وبعضها ثقافي لكن اهمها الاسباب التي ذكرنا , ولا ندعي انه يرتبط بها ارتباط المعلول بعلته , بحيث لا يتخلف عنها ولا تختلف عنه , فقد يوجد الفقر في مكان لا يوجد فيه الارهاب , وقد يوجد الارهاب ولا يوجد معه الفقر , وكذلك الجهل لكننا في الاستقراء نجد ان هذا الفكر نشأ في بقعة ما بسبب واحد , او اثنين من هذه الاسباب , وفي مكان اخر نشأ بسبب اخر منها منضما اليه غيره او غير منضم اليه , وبالتالي يمكن ان تحكم انها اسباب له , فتراكمات الجهل والفقر والتعصب و التخلف والاحتقان السياسي وفساد الاخلاق و شيوع المناكر , لايمكن ان تذهب سدى , فضغوطها النفسية والتفكير في عواقبها , وحلها هو الذي يولد الفكر الارهابي , الذي يصل ذروته عندما يصل الى تكفير المسلمين , فالتكفير هو اخطر انواع الفكر الارهابي , لان من كفر غيره فقد استحل دمه وعرضه وماله , ولذلك حذر الشرع الاسلامي منه لخطورته , وجعل تكفير المسلم كلقتله , وتضافرت نصوص الكتاب و السنة و اقوال ائمة الهدى على ان لايكفر بالذنب و المعصية , وهي إحدى قواعد عقيدة اهل السنة . وقد غلا هؤلاء في التكفير حتى كفروا كل من خالف ملتهم وجانب بدعتهم , فكفروا المجتمع كله بدءا بالحكام , ومرورا بالعلماء , وانتهاء ببقية المجتمع زاعمين ان الحكام كفروا لحكمهم بغير ما انزل الله , وان العلماء كفروا لعدم تكفيرهم للحكام , وان البقية كفرت لرضاها و سكوتها , وقد اخترعوا لغلوهم عنوان "الحاكمين " , وقد بلغ الشطط ببعضهم انه يعد دارالاسلام دار حرب تباح فيها الدماء و الاموال , وقد اعتمدوا في ذلك على قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44>   ولا يتسع المقام لتتبع كلام العلماء في هذه الاية , والخوض في اقوال المفسرين فيها , ولكن نقتصر من ذلك ما نقل عن علماء السلف كابن عباس و قتادة و مجاهد , وغيرهم من ان  المراد كفر دون كفر و فسق دون فسق , وظلم دون ظلم , وانه لا يحمل على الكفر المخرج عن الملة الا في حالة الجحود او الاستهانة والتبديل . ومن الامور التي بنت عليها هذه الطوائف منهجها التكفيري و فكرها الارهابي قضية "الولاء"و "البراءة" ,   فتوسعوا في هذه المفهوم وفصلوه على قياسهم الملائم لكفرهم , فجعلوا علاقات الدول الاقتصادية والسياسية والتجارية وغيرها ضمن هذا المفهوم وقد سبقهم الى الافراط في قضية الولاء والبراء الخوارج فاعتبروه بمثابة ركن سادس من اركان الاسلام , وانكر عليهم الامام احمد رضي الله عنه في كتاب "السنة ". وكانت فرقة الخوارج لا  تتولى الا من يدين بنحلتها القائمة على تكفير مرتكب الذنوب , وخاصة الكبائر منها , وكان موقفهم من الصحابة معروفا , فكانوا يتولون ابا بكر و عمر , رضي الله عنهما , ويتبرؤون من عثمان و علي رضي الله عنهما ,ولو نصف هؤلاء و بحثوا عن الحق لعلموا ان مفهوم الولاء و البراء مفهوم عقدي يتعلق بالولاء في الدين و الملة , وان المفكر انما هو الولاء في هذا الجانب . وقد صنف العلماء الولاء والبراء في ثلاثة : ولاء العقيدة والدين والملة , يكفر صاحبة . ولاء بمعنى التفاهم والتعاون لتحصيل مصالح الدنيا و المعاشرة الحسنة, وايجاد سبل الوئام في العيش الشترك فهذا تمليه المصلحة العامة ولا يمنعه الشرع . ولاء محرم و ليس بكفر ذكره الفخر الرازي في تفسيره الكبير وهو : الموالاة في الفساد والاضرار بالمسلمين .   فانها نزلت في حاطب بن ابي بلتعه رضي الله عنه عندما انفذ كتابا لى العدو يخبرهم بخطط المسلمين لغزوهم , فلم يعتبر كافرا ولا خارجا عن الدين , وانما وجه اليه اللوم والعتاب . واكتفى بالاعتذار . ثالثا : معالجة الفكر الارهابي . ان مشكلة الارهاب تمثل قذى في اعين الحكام , وتقض مضجع القوى العظمى في الغرب , وتتململ على وخز سفاها , وتشكو بثها وحزنها الى دول العالم الثالث لتقوم عنها بدور الشرطي , وتريد القضاء على هذه الظاهرة مع الابقاء علة اسبابها وهذه امر مستحيل , فاذا كانت امريكا واوروبا و جميع دول العالم تريد معالجة الفكر الارهابي , وان تقضي على ظاهرة الارهاب فعليها ان تقضي على اسبابها . ان معالجة هذا الفكر تتطلب خطؤات عملية جادة من اهمها : ان تكف القوى العظمى في الغرب على ظلم الشعوب واضطهادها , ومصادرة حرياتها والسيطرة على ثرواتها , وان تكف عن التأييد المطلق لاسرائيل من اجل تماديها في تقتيل الفلسطينين وتشريدهم واغتصاب اراضيهم  واحتلال المقدسات الاسلامية , وان تتعمل على اعادة الحقوق العربية والاسلامية الى اصحابها وان تسمح للشعوب بالتطور والنمو والتقدم كما تريد , ولا تحتكر القوة والتقدم لنفسها , وان تعترف لاصحاب الحقوق المغتصبة بحقهم في الدفاع عن حقوقهم , وان تتخلى عن سياسة المعايير المزدوجة , فان الشعوب الاسلامية وغير الاسلامية لن ترضى بسلب حريتها في الوقت الذي  يمتع فيه الاخرون بالحرية , ولن ترضى بان تهدر حقوقها الانسانية و يدافع عن حقوق اخرين ,  ولن ترضى بان يدافع عن الديمقراطية اذا افضت بالحكم الى فلان , ويضرب بها عرض الحائط اذا افضت به الى اخر , او الى طائفته, ولن ترضى بان يسمح لهؤلاء ان يقننوا و يشرعوا في بلادهم ما يريدون , ويفرض على هؤلاء ان يشرعوا ما تريده انت من كل ما هو مخالف لدينهم وشريعتهم , فهذه المظالم الكبرى هي منشأ الفكر الارهابي و بدون معالجتها لا تمكن معالجته .   يتعين على الحكام في العالم الثالث ان يغيروا من اسلوبهم في التعامل مع شعوبهم , فيسمحوا بالمشاركة السياسية والحرية الاعلامية ويكفوا عن التمييز بين الافراد والطوائف السياسية , فيسمحوا للجماعات بتكوين الاحزاب والمشاركة في الانتخابات , سواء كانوا او غير اسلاميين , ويطبقوا الشفافية والحكم الرشيد , ويطبقوا العدالة , ويحترموا ارادة الشعوب في اختيار من يتولى امورهم , وفي اختيار التشريعات التي يريدون تحكيمها في من يتولى امورهم , وفي اختيار التشريعات التي يريدون تحكيمها في بلادهم , فهذه ايضا امور اساسية اذا كنا نريد معالجة حقيقية للظاهرة . ان معالجة اصحاب هذا الفكر المنحرف و توجيههم وتعليمهم وارشادهم و ردهم بالدليل ومجادلتهم بالتي هي احسن امر في غاية الاهمية , فان لم يرجعوا وتمادوا في نحلتهم قدموا الى المحاكمة لينظر القضاء في امرهم , فإن جسدوا فكرهم في سلوك ارهابي عوقبوا بما يقتضيه المقام وتسمح به الشريعة , ويستتب به الامن وتحصل به الطمأنينة . وتقع المسؤولية هنا على العلماء وولاة الامور , فولي الامر مطالب شرعا بالاخذ –في اول الامر- بايدي اولئك الاشخاص حماية للامة , كما ذكر الماوردي في كتابه (الاحكام السلطانية )فقال وهو يعد ما يجب للرعية على الامام ":حفظ الدين على اصوله المستقرة وما اجمع عليه سلف الامة , فان نجم مبتدع او زاغ ذو شبهة عنه , اوضح له الحجة وبين له الصواب , واخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروسا من الخلل والامة ممنوعة من الزلل . ولنا في عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اسوة حسنة ,ففي خلافته ثار الخوارج باقليم الجزيرة-شمال العراق- بقيادة شوذب اليشكري , وكانوا في البداية ثمانين فارسا , لا يعترفون بالخليفة , ولا بالاوضاع السياسية فبرزت عبقرية عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه في حسن احتواء المشكلة ومعالجتها بالمناظرة , حيث كتب الى عامله بالكوفة :"ان لا يحركهم الا ان يسفكوا دما , او يفسدوا في الارض فا فعلوا وجه اليهم رجلا حازما في جند". وكتب عمر بن عبدالعزيز الى شوذب يقول له :"بلغني انك خرجت غضبا لله ولرسوله , ولست اولى بذلك مني , فهلم الي اناظرك , فان كان الحق بايدينا دخلت فيما دخل فيه الناس وانكان في يدك نظرنا في امرك ". فاستجاب لذلك وبعث برجلين الى عمر بن عبدالعزيز يناظرانه فدخلا عليه وناظراه , فقال لهما " لقد علمت انكم لم تخرجوا طلبا للدنيا ولكنكم اردتم الاخرة فاخطاتم طريقها ". فالمؤمنون قد يدفعهم الحماس الديني الى الثورة إرادة لوجه الله تعالى ويكونوا مخطئين فتنشأ الفتن الرهيبة نتيجة هذا الخطأ , فيتعين على ولاة الامور رد هؤلاء عن نحلتهم وفكرتهم الارهابية بالحجة و البرهان,ما لم يقوموا بأعمال ارهابية فإن قاموا بذلك فليسلكوا معهم طريق الحزم والحسم بالقوة صيانة لمصالح الامة, كما فال عمر بن عبد العزيز : (فإن فعلوا وجه إليهم رجلاً حازماً في جند...)   3- معالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية : ان معالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية و توفير فرص العمل للشباب العاطلين عن العمل ,من أهم انواع العلاج لهذه الظاهرة ,فإن البطالة مدعاة للجريمة ولا سيما إذا كان صاحبها عرضة للدعاية والحث على ذلك ,وليس له من الوازع الديني والعلمي ما يحصنه . وقد انتبه على ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لذلك ونبه إليه حين سأل أحد ولاته : " ما ذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال اقطع يده.قال : ان جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل عن العمل فسأقطع يدك, غن الله استخلفنا على خلقه لنسد جوهم و نستر عورتهم,و نوفر لهم حرفتهم ,فإذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها, ان هذه الايدي خلقت لتعمل, فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية اعمالاً, فاشغلها بالطاعة قيل ان تشغل بالمعصية" (30)   فقد نبه عمر رضي الله عنه هنا إلى ان ولاة الامور يجب عليهم توفير فرص العمل للرعية و ان الانسان بطبعيته مهيأ للعمل ,وانه إذا لم يجد عملاً مشروعاً انصرف الى الاعمال غير المشروعة , و أن ولي الامر الحكيم هو الذي يعمل على شغلهم بالاعمال المشروعة قبل أن يشتغلوا بغيرها ,فهذه التوجيهات العمرية تنبغي الاستفادة منها:   عناية ولاة الامور بالدين والاخلاق : ان عناية ولاة الامور بالدين والاخلاق حتى يضبطوا سلوك الناس ويحفظوا عليهم دينهم وعقيدتلهم ويباشروا القيام بفريضة الأمر بالمعروف وتغيير المنكر باليد فلا تسول لاحد نفسه القيام بذلك نيابة عنهم واجب شرعي وسياسة حكيمة . واهمال السلطة العمومية هذا ا لواجب , وتخليها عن هذه السياسة رافد اساسي من روافد الفكر الارهابي , فان عدم مبالاة ولاة امور المسلمين باخلاق الرعية وعد اهتمامهم بتغيير المنكرات الشرعية : كشرب الخمر والزنا والسفور وعدم اللامبالاة بالشرع وترك الصلاة , هي التي جعلت الطوائف المتطرفة تنشأ وتنتظم على فكر طائفي يطعن في شرعية الحكام بسبب عدم تعرضهم لهذه الامور , بل يكفرهم ويتبنى العنف سبيلا لتغيير هذه المنكرات فوقعوا في الخطأ ايضاً كما وقع فيه الحكام , فالحكام اخطأوا لتفريطهم في واجبتهم وتخليهم عن مسؤولياتهم , وهؤلاء اخطاوا لتسورهم على مسؤوليات الحكام و غلوهم في الانكار , حيث ادى بهم الى خروج الطاعة الواجبة واثارة الفتنة وتكفير المسلمين . فالواجب على المتطرفين الرجوع الى الطاعة والكف عن التكفير بالمعصية والكف عن محاولة تغيير المنكرات باليد مع الابقاء علة التنديد بها وانكارها بالقول تطبيقاً لحديث الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه :( بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ , وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ , وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا , لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ " .)   فلا نرضى بالمعصية ولا نسكت عليها ولا ننازع الامر اهله , فاهل الامر المكلفون بتغيير المنكرات باليد هم  اهل السلطة الحاكمون الذين لهم القدرة على تنفيذ الاحكام من دوم فتنة . والواجب على الحكام ان يأخذوا على ايدي المخالفين , وان يلزموا الناس بالغرائض وان يمنعوهم من الوقوع في المعاصي , وان ينزلوا العقوبات الشرعية الرادعة بتارك الصلاة والزاني وشارب الخمر والمرتد , وغيرهم فان هيبة الحكام وقوتهم وانتظام شمل الامه و صلاح حالها لا بأتي الا بهذا . فحكام السلمون مسؤولون عن سياسة الدين والدنيا معا وليست مسؤوليتهم مقصورة على حفظ النظام فقط كحكام غير المسلمين , بل تتعداه الى حفظ العقيدة والاخلاق والسلوك . ترسيخ مفهوم الوسطية : ان ترسيخ مفهوم الوسطية واشاعة ثقافة الاختلاف و الحوار منهج رباني وسلوك حضاري , ونعني بالوسطية والاعتدال التوسط في التعامل مع النصوص وفي التعامل مع الناس بين الظاهرية المفرطة التي لا تهتم بالمعاني و المقاصد , والتأويل المفرط , المصادم للنصوص , فالدين كما يقول الحسن البصري رضي الله عنه "واسطة بين الافراط والتفريط ". ويقول الشاطبي في الوسطية والاعتدال في الفتوى :"المفتي البالغ ذروة الدرجة , فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم الى طرق الانحلال فان الخروج الى الاطراف خارج عن العدل ولا تقوم به مصلحة الخلق , اما في طرف التشديد فانه مهلكة واما في طرف الانحلال فهو كذلك ايضاً , لان المستفتي اذا ذهب به المفتي مذهب العنت والحرج بغض اليه الدين وادى الى الانقطاع عن سلوك طريق الاخرة , واذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة , والشرع انما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلكة" . فالوسطية التي ننشد هي التي تعتبر النصوص والمعاني على وجه لا يخل فيه المعني بالنص ولاالنص المعني لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض وهذا هو منهج الجم الغفير من العلماء الراسخين , وهي التي توازن بين التقليد والاجتهاد فتضع ميزانا لاهل الاجتهاد واهل التبصر واهل التقليد الاعمى فلا تقبل التقليد الاعمى ولا الاجتهاد الفوضوي فلاتلزم العالم المبتحر بالجمود على اقوال الاقدمين ولا تسمح للطلبة والادعياء بالقفز على نصوص الشريعة .   ومعانيها، والتطاول على مذاهب العلماء الراسخين والطعن فيها. فمن اعظم دواهي هذا العصر وأهم مرتكزات التفكير الارهابي نبذ المذهبية والحملة على مقلدي أئمة الدين والهدي وجعل الفتوى كلاً مباحا لكل شخص يجتهد ويفتي دون التقيد بضوابط الاجتهاد والفتوى، ضاربا بأقوال أئمة المذاهب عرض الحائط. وهذه الوسطية المنشودة هي التي تقبل الاختلاف في الرأي وفي الاجتهاد، وتعلم أن الحق ليس محصورا في قول واحد ولا في فهمه، وأن اختلاف العلماء مظهر من مظاهر سماحة هذه الشريعة ومرونتها، فعلينا أن نسعى لتثقيف الجيل الناشئ بهذه الثقافة حتى يعلموا أن مذاهب العلماء كلها طرق للحق وأن في اختلافهم سعة ورحمة، ولذلك قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه : ما أود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا ". وقال مالك رضي الله عنه لأبي جعفر المنصور- عندما أراد أن يحمل الناس على العمل بفقه مالك فقط من خلال الموطأ - : " لا تفعل رحمك الله، فإن صحابة محمد صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلاد ومع كل منهم علم ليس مع الاخر فدع كل أهل بلد وما هم عليه" . ويشهد لذلك كله إقرار النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على رأيين مختلفين في قضية واحدة , ففي صحيح البخاري انه صلى الله عليه وسلم قال لهم في اعقاب غزوة الاحزاب :( لا يصلين احد العصر الا في بني قريظة ). فلما ضاق الوقت انقسم الناس الى قسمين : قسم تمسك بظاهر النص ولم ينظر الى مقصوده فأخر العصر حتى وصل بني قريظة وصلى بعد غروب الشمس . قسم نظر الى معنى النص ومقصوده وهو الاسراع الى بني قريظة فصلى قبل ان يصلهم حفاظا عالوقت . فلما جاؤوا النبي و أخبروه بذلك اقرهم على ما وقع ولم يقل ان احدهم اخطأ ولم يأمر احد بالاعادة . وعلينا ايضا ان نربي الجيل الناشئء على ان الطريق الامثل لادارة الخلاف هو الحوار وكذلك شرائح المجتمع الاخرى حتى يوجد عند الجميع استعداد فكري ونفسي للاستماع للاخر وتبادل الراي دون عنف و لا حرج , مما يسمح بالتفاهم بين افراد المجتمع ويتيح فرصة التواصل مع الاخرين قال تعالى { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} وقال ابن عاشور في تفسير هذه الاية :"ان كل من يقوم مقاما من مقامات الرسوب صلى الله عليه وسلم في ارشاد المسلمين او سياستهم يجب ان يكون سالكا للطرائق الثلاث : الحكمة , الموعظة الحسنة , والمجادلة بالتي هي احسن , والا كان مصروفا عن  الاداب الاسلامية , وغير خليق , بما هو فيه من سياسة الامة ويخشى ان يعرض مصالح الامة للتلف". تعبئة كافة القوى الحية المحاربة هذا الفكر : ان تعبئة كافة القوى الحية في البلاد من اجل محاربة هذا الفكر مسؤولية الدولة والمجتمع : ونقصد بالقوة الحية في البلاد الائمة و الدعاة والعلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي و عموما فيجب ان تتضافر جهود الجميع لارجاع هذا الفكر الى الوراء وان يحل محله الفكر الواعي المتزن , العالم البعيد من الافراط و التفريط , المتمسك بالاسلام و قواعده الثابتة المبنية على العدالة والانصاف والانضباط والدفاع عن الحق. ويجب ان تلعب المؤسسات دورا مهما في ذلك من خلال مناهجها ودروسها فعلى الجميع ان يركز على ابراز العلاقة بين الحاكم والمحكوم من المنظار الشرعي الذي يقتضي بأن تكون العلاقة نصح واحترام وطاعة ورقابة وي ان واحد , وان يكون اساسها التعاون على البر ةالتقوى فلا يجوز الخروج على ولاة امور ولا مغالبتهم ولا انتحال صفاتهم , لما في ذلك من الفوضى والفساد واراقة الدماء ولا تجوز طاعتهم في المخالفات ولا محاباتهم ولا تبرير افعالهم . ويتعيت نصحهم وارشادهم  ونهيهم عن المنكر بالطريقة التي تليق بالمقام, فلا يكون ذلك على سبيل الغلطة والتشهير بهم واثارة العامة عليهم , لما يؤدي اليه ذلك من الفتنة , فقد روي عن عياض بن غنم الاشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (من كانت عنده [ ص: 339 ] نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية ، وليأخذ بيده ، وليخل به ، فإن قبلها قبلها ، وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له)   فهذه العلاقة المتزنة التي لا تسكت على باطل ولا تجامل في معصية ولا تثير فتنة ولا تترع يدا طاعة , نحتاج الى اعادتها من جديد. وكذلك ايضا يجب التركيز على خطورة التكفير ووجوب احترام دم المسلم و ماله ما دام يشهد ان لا اله الا الله وان محمدا صلى الله عليه وسلم , وان صدرت منه  المعاصي والذنوب , ولا يجوز تكفيره بها ولا يستحل بها دمه , ويجب الانكار عليه وارشاده وتعليمه , ان امكن ذلك فلا بد من ترسيخ هذه الثقافة واحياء هذا الباب من المعلوم , الذي ينظم العلاقات بين الافراد ويبين لكل احد حدوده من الاخر , حتى يعلم الحاكم ماله وما عليه ويعلم المحكوم ماله وما عليه . والله ارجوا ان يوفق الجميع لما فيه صالح الدنيا والاخرة وان يجنب بلادنا وبلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه .

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.