
يخطئ من يظن أن العبادة ليست إلا احياء لصلة ما بين العبد وربه، أي وكأنها شيء معزول عن الجماعة، وعن التدخل في المجتمع بأي معالجة أو إصلاح، أجل لا ينكر انها تذكية للشعور بالرقابة الإلهية على حياة الإنسان، ولكن مرد ذلك إلى خير المجتمع واصلاح شأنه، وفي سبيل ذلك نجد أن التشريع الإلهي قد جعل كثيراً من العبادات موئلاً للتلاقي والاجتماع.
إنك إذا تأملت وجدت أن التشريع الإلهي نظم اجتماعاً بين المسلمين على مستوى الحي من البلدة يتكرر في اليوم خمسة مرات، وشرع لذلك صلاة الجماعة، ونظم اجتماعاً آخر لهم على مستوى أهل البلدة كلها، يتكرر في الأسبوع مرة واحدة، وشرع لذلك صلاة الجمعة، ونظم اجتماعاً آخر لهم على مستوى العالم الإسلامي كله، ويتكرر في العام مرة واحدة، وشرع لذلك الحج الى بيته الحرام.
ومن ذلك ندرك مدى أهمية ما يرمي إليه كثير من العبادات المختلفة في الإسلام، من دعم روح الألفة والاجتماع وتغذية وشائج التعاون على شتى المستويات، نتلمس هذه الحقيقة في مشهد من مشاهد السيرة النبوية وما أكثر المشاهد التي تجسد هذه الحقيقة في سيرته صلى الله عليه وسلم، وتظهر أثر العبادة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمسلمين.
عندما هاجر الرسول الكريم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة واستقر به المقام فيها، أخذ في إنشاء الدولة الإسلامية، وراح يثبت دعائمها لأول مرة في تاريخ الإسلام، ولقد كان من أهم هذه الدعائم : الأخوة الإسلامية التي عقد رباطها بين جميع المسلمين، والوثيقة أو الدستور الذي اكتتبه الرسول الكريم ووضع فيه الخطوط العريضة الكبرى المتكلفة بتنظيم علاقات المسلمين بعضهم مع بعض، وبتنظيم علاقات المسلمين مع غيرهم من أهل الكتاب، غير انه بادر قبل اقامة هذه الدعائم الى شيء آخر أولاه الأهمية القصوى من الإسراع والعناية، وعده الحجر الأساسي الأول في بناء الدولة الإسلامية، الا وهو المسجد.
لقد حصر همه في الأيام الأولى من وصوله الى المدينة المنورة في تدبير بناء المسجد، وجمع لذلك جهود الصحابة الكرام، وهذا يدل على موقع المسجد ووظيفته من الأركان الاساسية للدولة والمجتمع الاسلامي، حتى يجعل النبي صلى الله عليه وسلم معالجة هذه الاركان في الدرجة الثانية من الاهمية أي لاحقه به، وآتيه من بعده، والحكمة أن شيئاً من الانسجام بين الحاكم والامة، وأن شيئاً من الوحدة التي يجب ان تشيع بين افراد الامة، لا يمكن أن ينمو ويتحقق من خلال نصوص وشعارات، وإنما يتحقق وينمو نموه الطبيعي في النفوس إذا انصهرت في بوتقة المسجد.
إن القانون الذي يراد منه تحقيق النظام وإشاعة روح العدل في المجتمع، لا يمكن أن يحقق شيئاً من ذلك إن لم ينهض على اساس، لا بد إذاً قبل الالتجاء الى القانون والنظام من غرس الإيمان بجملة من الحقوق والواجبات وموازين العدالة في النفوس، حتى اذا آمنت بها وأشربت حبها، جاء صرح القوانين والتشريعات حارساً لها وميسراً سبل تنفيذها، ولا يتم ذلك ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفاً واحداً بين يدي الله عز وجل، وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية له والخضوع لحكمه، حتى إذا انصهرت نفوسهم بهذه العبودية، وخضعت خضوعها المطلق لما تستلزمه من العمل والسلوك، وتساقطت مما بينها حواجز الرتب ومشاعر الكبرياء، وعوامل الحقد والاضغان، تحقق للتشريع عندئذ نفوذه، واصبح الحارس الامين على سير العدالة بين الناس، أما ربط الناس بالنظم والقوانين، قبل أن تتهيأ لها نفوسهم وتنسجم معها بالتربية والصقل والتهذيب، أشبه ما يكون بلصق الثمار بأغصان أشجار يابسة، هل ينتظر منها إلا الذبول ثم السقوط والفساد، ولعمر الحق لا تربى النفوس هذه التربية إلا بالعبادة المستمرة الصادقة، ولا تسمو سموها المطلوب إلا عندما تتوالى لقاءاتها في بيوت الله عز وجل.
منقول عن صحيفة الرأي الأردنية
بتاريخ:27/8/2010
ابحث
أضف تعليقاً