wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
أ.د. محمد طاهر منصوري

 

 

توظيف الحوار والتعددية

لمواجهة المتطرفين ودعاة العنف

 

إعداد:

أ.د. محمد طاهر منصوري

 

 

المسودة الثانية: بعد التدقيق وتخريج الآيات والآحاديث

31/3/2016م

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،، وبعد :

الأخوة الكرام :

اسمحوا لي بدايةً أن أتقدّم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لمنظمي المؤتمر بعنوان "بين نهج الإعمار ونهج الدمار" وعلى رأسهم الأخ  العزيز المهندس مروان الفاعوري الأمين العام للمنتدى ، السباقُ دائماً إلى الخير ، لإتاحة الفرصة لنا للقاء المفكرين الأجلاء من ربوع العالم الإسلامي، جزاهم الله أحسن الجزاء، وجعلَ جهود مسؤلي المنتدى لخدمة الإسلام والمسلمين في ميزان حسناتهم.

إن الإسلام دين الرحمة والتسامح والوسطية. وقد تميزت هذه الأمة عن غيرها من الأمم بكونها أمة الوسطية، وتميز ديننا بالسماحة والرحمة والعدل والاعتدال ، ومع هذا الوصف لهذه الأمة والدين ، إلّا أن أقواماً خالفوا مقصد الشارعَ الحكيم، وخرجوا عن سمة أمة الوسط والاعتدال، وتنكبوا عن الطريق السويّ، وانحرفوا عن المنهج الصحيح، ونزعوا إلى الغلوّ والتشدد والإرهاب ، ممّا أعطى فرصةً لأعداء الإسلام لشنّ حملةٍ من الافتراءات والمزاعم التي أرادت أن تُلصق بالإسلام تهمة التعصب والإرهاب وعدم التسامح وغير ذلك من الادعاءات التي لا أصل لها في الإسلام ولا سند لها من العلم ولا من الواقع التاريخي ، فكان هؤلاء بقصدٍ منهم أو من غير قصد عوناً لأعداء الأمة على تحقيق مرادها في النيل من الإسلام وأهله.

وغنيٌّ عن البيان أن التطرف والتعصب وما يتبعه من عنف وإرهاب كان وما زال سبباً في تشويه سمعة الإسلام، وبالتالي الإضرار بمصالح الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج، كما هو سبب في زعزعة استقرار المجتمع المسلم وتهديد كيانه وإلحاق أضرار جسيمة باقتصاديات البلدان الإسلامية وأهدافها التنموية.

إنّ التطرفَ لخطرٌ عظيمٌ على كيان الأمةِ الإسلاميةِ فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم آثاره بكلمة جامعة بليغة بقوله: "إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين"[1] فهو هلاك على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات ، إنه هلاك للأنفس والممتلكات والبلاد والعباد.

لذا يجب محاربة التطرف بوسائل شتى، وبناء ثقافة الحوار وأدب الاختلاف وتعويد النفوس على احترام الرأي المخالف وتجسيد قيم التعددية والتعايش السلمي والتسامح والاعتراف بالآخر في المجتمع.

ومن إحدى الوسائل الناجحة والمؤثرة للوصول إلى هذه الأهداف هي الحوار مع المتطرفين. فقد لجأت بعض الحكومات في الآونة الأخيرة إلى استخدام القوة ضد جماعات التطرف والعنف بينما اختارت البعض الآخر أسلوب الحوار. وقد أثبتت التجربة أن الحوار كان أكثر تأثيراً وفعالية من استخدام القوة ، حيث إنّ القوة تأتي أحياناً بنتائج سلبية وتزيد الفكر التطرفي صلابة ومتانة بدلاً من القضاء عليه.

وأمامنا تجربة المملكة العربية السعودية في الحوار مع الموقوفين في قضايا أمنية، وتُبين الإحصائيات أن 90% من هؤلاء الغلاة اهتدوا وعادوا إلى رشدهم ورجعوا إلى طريق الإسلام ومنهجه وأصبحوا مفاتيح خير في مجتمعاتهم نتيجةً لهذا الحوار.

ويسجل لنا التاريخ أن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه حاور الخوارج وبسبب هذا الحوار عَدَل كثيرٌ منهم عن موقفهم التطرفي وانضمّوا إلى صفوف جماهير المسلمين.

ومن هن نستنتج؛ أن هناك حاجة ماسة إلى تفعيل آليات الحوار مع المتطرفين لتصحيح أفكارهم الخاطئة ومفاهيمهم المنحرفة وبالتالي تحويلهم إلى شريحة صالحة في المجتمع.

وانطلاقاً من هذه الفكرة فقد جاءت هذه الورقة بعنوان "توظيف الحوار والتعددية لمواجهة المتطرفين" وذلك في تمهيد ومبحثين وخاتمة.

التمهيد: يناقش مفهوم التطرف ويشرح المصطلحات ذات الصلة به.

المبحث الأول :    يناقش مبدأَ الحوار وأهميتَه وأثرَه في معالجة التطرف.

المبحث الثاني : يناقش مبدأ التعددية وتوظيفه لمواجهة المتطرفين ، فالحوار وسيلة ، بينما قبول التعددية والتعايش هو الهدف المنشود من الحوار.

نسأل الله التوفيق والسداد والرشاد في جميع أعمالنا

التمهيد : مفهوم التطرف والمصطلحات ذات الصلة به.

التطرف في الدين هو فهم النصوص الشرعية بعيداً عن مقصودِ الشارع، هذا التطرف يؤدي إلى إحدى النتيجتين المكروهتين وهما الإفراط والتفريط.

ومن مظاهر التطرف تعصب الشخص لرأيه وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، وجموده على فهمه جموداً لا يسمح له برؤيةٍ واضحةٍ لمصالح الخلق، فالمتطرف كثيراً ما يجعل الأمور الاجتهادية أموراً مقطوعةً ويقينيةً ليس فيها إلا قولاً واحداً وهو قوله ورأيه.

ويصف الدكتور القرضاوي التعصب بأنه انغلاق المرء على عقيدته أو فكره واعتبار الآخرين جميعاً خصومه وأعداءه، وتوجس الشر منهم وإضمار السوء لهم، وإشاعة جو من العنف والكراهية لهم ، مما يفقد الناس  العيش في أمان واطمئنان.

التطرف: الانحياز إلى طرفي الأمر، فيشمل الغُلوّ، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف، أو بمعنى آخر: كل غُلوّ فهو تطرف، وليس كل تطرف غُلوّ.

الغلو:   الإفراط في مجاوزة المقدار المُعتبر شرعا في أمرٍ من أمور الدين

والغلو أخص من التطرف، إذ إن التطرف هو مجاوزة الحد، والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا.

قال تعالى: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171]، أي لا تجاوزوا المقدار.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [2]

التعصب والانغلاق الفكري:   هو انحراف عن معيار العقلانية لعدد من المعايير السلوكية المثالية، يكون على شكل حكم متعجل، ورفض تعديل مسبق أو تعميم مفرط، أو التفكير في إطار القوالب النمطية، ورفض تعديل الرأي في ظل ظهور دلائل جديدة، ورفض السماح أو الاهتمام بالفروق الفردية.

يرتبط موضوع التطرف بالتعصب والإنغلاق الفكري. فحين يفقد الفرد (أوالجماعة) القدرة على تقبل أية معتقدات تختلف عن معتقداته (أو معتقدات الجماعة) أو مجرد تجاهلها، فإن هذا يعد مؤشراً على تعصب هذا الفرد (أو الجماعة) وانغلاقه على معتقداته. ويتجلى شكل هذا الإنغلاق بأن كل مايعتقده الفرد (أو الجماعة) هو صحيح تماماً وأن موضوع (صحته) غير قابل للنقاش.

العنف:  الشدة في قول أو رأي أو فعل أو حال! وهو ما يُولد ما يسمى بالعنف العقدي , والعنف العلمي والعنف الفكري في الرأي والفهم والتصور؟! إذا العنف نتيجة للغلو والتطرف. .

الإرهاب: مجموع أعمال العنف التي تقوم بها منظّمة، أو أفراد قَصْدَ الإخلال بأمن الدَّولة، وتحقيق أهداف سياسيَّة، أو خاصَّة، أو محاولة قلب نظام الحكم.[3]

الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان في دينه , ودمه , وعقله , وماله , وعرضه , ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق , وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق , وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي , ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس , أو ترويعهم بإيذائهم , أو تعريض حياتهم , أو حريتهم , أو أمنهم, أو أقوالهم للخطر , ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد مرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة , أو تعريض أحد الموارد الوطنية , أو الطبيعية للخطر.[4]

لكن الذي يجب أن نؤكد عليه هو أن الدفاع الشرعي عن النفس، وردّ المعتدي والغاصب، ليس إرهابًا، ولا تطرفًا، بل هو في حق المسلمين جهاد في سبيل الله، إذا كان خاضعا للضوابط الشرعية التي قررها علماء الأمة.

التشدد: هو التعمق والمبالغة في الأعمال الدينية وترك الرفق.

 والتنطع: قال النووي: المتنطعون المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

وقال الخطابي المتنطع "المتعمق في الشيء المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم". وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل المقصود منع الإفراط المؤدي إلى الملال.

عن عبدِ الله بن مسعود، عن النبى - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ألا هَلَكَ المُتنطعون" ثلاث مرَّات"[5]

المبحث الأول : الحوار  ودوره في علاج التطرف.

تعريف الحوار:

الحوار بمعناه الاصطلاحي هو: مناقشة بين طرفين أو أطراف من أجل تصحيحِ كلامٍ، أو إظهارِ حجةٍ وإثباتِ حق، أو دفعِ شبهةٍ وردِ الفاسد من القول والرأي.[6]

وعُرِّف أيضاً بأنه محادثة بين شخصين بغية الوصول إلى فهم مشترك حول مسألة مختلف شأنها ولاكتشاف الفهم المشترك بينهما بشأن آخر.[7]

وعرّفه البعض بأنه نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتم فيه تبادل الكلام بينهما بطريقة متكافئة فلا يستأثر أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب.[8]

مشروعية الحوار:

تثبت مشروعية الحوار في الإسلام بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة لا حصر لها ومنها قوله سبحانه وتعالى : (قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا  وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ
بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ) [9]

هذه الآية الكريمة تشكل أساساً وأصلا ثابتاً للحوار بين المسلمين وأهل الكتاب فهي تدعوا الجميع إلى الكلمة المتفق عليها بين جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام وتركز على الجوامع المشتركة لا على نقاط التمايز والاختلاف وهذا من أصول الحوار بالحسنى ومنه قوله تعالى : )وَلَاتُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ([10]

ولا سبيل لإبلاغ الدين للناس إلا بالحوار والجدال بالتي هي أحسن.

كما أن هناك أدلة كثيرة من السنة النبوية على مشروعية الحوار مع غير المسلمين، ومن صور حوار النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب استقبال وفودهم الذين كانوا يأتون إليه للحوار ومنها وفد نصارى نجران.[11]

 

أهمية الحوار :

للحوار أهمية بالغة في الفكر الإسلامي فهو من أقوى الوسائل لتبليغ رسالة الإسلام والتعريف بعقائده وشرائعه. كما هو أسلوب مفيد وناجح مع المتطرفين كما لاحظنا ذلك في حوار سيدنا علي وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم مع الخوارج. حيث كان هذا الحوار وسيلة ناجحة للقضاء على التطرف والتعصب الأعمى، والانغلاق على رأي وفكر  معين  والوصول إلى الحق والصواب.

ويروي سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ اعْتَزَلُوا فِي دَارٍ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافٍ» فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ «أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ، لَعَلِّي أُكَلِّمُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ» قَالَ: «إِنِّي أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ» قُلْتُ: كَلَّا، فَلَبِسْتُ، وَتَرَجَّلْتُ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ نِصْفِ النَّهَارِ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ فَقَالُوا: «مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَمَا جَاءَ بِكَ؟» قُلْتُ لَهُمْ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِهْرِهِ، وَعَلَيْهِمْ نُزِّلَ الْقُرْآنُ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْكُمْ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، لَأُبَلِّغَكُمْ مَا يَقُولُونَ، وَأُبَلِّغَهُمْ مَا تَقُولُونَ، فَانتَحَى لِي نَفَرٌ مِنْهُمْ قُلْتُ: هَاتُوا مَا نَقِمْتُمْ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنِ عَمِّهِ قَالُوا: «ثَلَاثٌ» قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: «أَمَّا إِحْدَاهُنَّ، فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ» وَقَالَ اللهُ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] قُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ قالوا: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ، وَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ، إِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سِبَاهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ سِبَاهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ قُلْتُ: هَذِهِ ثِنْتَانِ، فَمَا الثَّالِثَةُ؟ " قَالُوا: مَحَى نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ " قُلْتُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالُوا: «حَسْبُنَا هَذَا» قُلْتُ: لَهُمْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مَا يَرُدُّ قَوْلَكُمْ أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: «نَعَمْ» قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: «حَكَمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ، فَإِنِّي أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللهِ أَنْ قَدْ صَيَّرَ اللهُ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ، فَأَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَحْكُمُوا فِيهِ» أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وقال في الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء:35] أُنشَدْكُمْ بِاللهِ أحُكمُ الرِّجَالِ فِي إصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ حُكْمِهِمْ فِي بُضْعِ إمْرَأَةٍ؟ قلت: أخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ، أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ، تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا وَهِيَ أُمُّكُمْ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْهَا مَا نَسْتَحِلُّ مِنْ غَيْرِهَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ بِأُمِّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ: قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] فَأَنْتُمْ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، فَأْتُوا مِنْهَا بِمَخْرَجٍ، أَفَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَأَمَّا مَحْيُ نَفْسِهِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَا تَرْضَوْنَ. إن نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: «اكْتُبْ يَا عَلِيُّ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللهِ» قَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا قَاتَلْنَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «امْحُ يَا عَلِيُّ اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، امْحُ يَا عَلِيُّ، وَاكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ» وَاللهِ لَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ مَحَى نَفْسَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُهُ نَفْسَهُ ذَلِكَ مَحَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، أَخْرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ " قَالُوا: «نَعَمْ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَخَرَجَ سَائِرُهُمْ، فَقُتِلُوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ، فَقَتَلَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ»[12]

فيتضح من هذا أن الحوار وفّر للفئة المتطرفة الفرصة للوصول إلى الحق لمن أراد الحق ببنيةٍ صادقةٍ وقلبٍ مفتوحٍ كما كان طريقاً لإقامة الحجة على المخالف ولإظهار الباطل على حقيقته حتى يحذره الآخرون ولتستبين طُرق الضلالة كما قال تعالى : )وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ( [13].

ويُستفاد من هذا الحوار عدة دروس:

أولاً : يشرع الحوار مع المتطرفين الخارجين على السلطة.

ثانياً : يجب أن تهتم السلطات باقامة مثل هذه الحوارات مع المتطرفين قبل اللجوء إلى استخدام القوة ضدهم.

ثالثاً: يجب أن يكون أساس الحوار مسلمات الكتاب والسنة.

رابعاً: أن يقوم بالحوار من يتقن فهم الكتاب والسنة وملماً بمقاصد الشرع الحكيم وأولوياته.

خامساً: أن يكون الحوار بقلوب مفتوحة وبروح التصالح والتسامح والتفاهم المتبادل.

سادساً : أن يكون المحاور مقبولاً لدى الفريق الآخر ويحظى بثقتهم واحترامهم حتى يكون رأيه مسموعاً.

سابعاً : أن يجادلهم بالتي هي أحسن ويرد حجة المخالف بحجج أقوى منها من الكتاب والسنة.

ثامناً :    أن يكون هدف الحوار إظهار الصواب وبيان الباطل الذي عليه الخصم والرد على الشبهات والطُعون الموجهة ضد الحق والصواب.

تاسعاً: أن تكون الغاية النهائية من الحوار مع المتطرفين إقناعهم على نبذ التطرف وتحويلهم إلى شريحة صالحه للمجتمع.

عاشراً: أن يدرك المحاور نقاط الاختلاف ادراكاً وافياً بعد السماع إلى فكره واعطائه الفرصة لابداء رأيه ولا يستعجل بابداء رأيه قبل الاستماع إلى رأي الآخر.

موضوع الحوار مع المتطرفين:

ما هي القضايا والمسائل التي يمكن أن يتناولها الحوار مع المتطرفين؟!

لقد تطرّق الدكتور يوسف القرضاوي في مؤلفه القيّم (فقه الجهاد) إلى فقه البغاة والمتطرفين وتكلّمَ عن أهم موضوعات ومسائل هذا الفقه المنحرف. ويمكننا إيجاز هذه المسائل فيما يلي :

أولا: تكفير الحكومات القائمة :

ترى جماعات العنف و التطرف أن الحكومات المعاصرة في العالم الإسلامي حكومات كافرة لأنها لم تحكم بما أنزل الله واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق القوانين التي وضعها المخلوق لهذا يجب الحكم عليها بالكفر والردة والخروج من الملة ووجب قتالها وخروج المسلم عليها حتى تدع السلطة لغيرها إذ كفرت كفراً بواحاً عندنا،  فيه من الله  برهان، قال تعالى:  )وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ([14] فتكفر بهذه الجماعات الأنظمة التي تحكم بالقوانين الوضعية ويحكمون بارتداد جميع العاملين في قطاعات القضاء و البرلمان والجيش والشرطة الذي يبرر سفك دمائهم. ويؤكد  فقه هذه الجماعات كفر هذه الأنظمة بأمر آخر وهي أنها توالي أعداء الله من الكفار الذين يكيدون للمسلمين ويعادون أولياء الله من دعاة الإسلام الذين ينادون بتحكيم  شرع الله وتضطهدهم وتؤذيهم، والله تعالى يقول : )وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡ([15]

وتتوسع بعض هذه الجماعات في التكفير، فتُكفر المجتمع أيضاً الذي أخذ حكم هذه الأنظمة ورضي بها وسكت عنها ولم يحكم بكفرها والقاعدة التي يزعمونها أن مَنْ لم يكفر كافراً فهو كافر.

ثانيا : تغيير المنكر بالقوة.

ترى جماعات التطرف والعنف  أن المنكرات الظاهرة السافرة التي تتبعها هذه الحكومات يجب أن تُغيّر بالقوة  لمن يملك القوة وهي ترى أنها تملكها فلا يسقط الوجوب عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد كما في الحديث الشهير "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه"[16]

ثالثاً: فقه الجهاد والتعامل مع غير المسلمين.

ترى الجماعات المتطرفة أن الموجب لقتال الكافر هو الكفر وليس العدوان أو الاعتداء وأن آية السيف قد نسخت جميع الآيات التي تدعو إلى الصلح والمسالمة مع الكفار وأن من أهداف الجهاد محو الكفر من الأرض، وتُوجب الشريعة على المسلمين محاربة الكفار إلى أن يعتنقوا الإسلام أو يقبلوا الخضوع لسيطرة الحكم الإسلامي  بدفع الجزية، ولا يعترف بأية حالة وسطى من المسالمة أو صلح دائم مع الكفار.

 هذه المسائل تشكّل فقه جماعات العنف كما وصفها الدكتور يوسف القرضاوي[17] فأي حوار مفيد ونافع يجب أن يتضمن محاور وموضوعات مثل مسألة التكفير وقواعدها في الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشروط اللازمة لتغيير المنكر باليد، وحقوق ولي الأمر وطاعته، ومسألة التعامل مع غير المسلمين، ومفهوم الجهاد في الإسلام وأحكامه، وأدب الاختلاف في الإسلام، والحوار في المسائل الخلافية. ويجب أن يدخل في الحوار من التيار الوسطي من له دراية فقهية في هذه المسائل حتى يستطيع أن يرد حججهم بحجج أقوى؛ من الكتاب والسنة ويرد المسائل المتنازع فيها إلى هذين المصدرين.

 

المبحث الثاني : توظيف التعددية لمواجهة التطرف.

إن قيم التعددية والتسامح والتعايش السلمي تشكل جوهر الفكر الوسطي وتجسيد هذه القيم في المجتمع هو الهدف الرئيسي من الحوار المنشود في نظرنا.

ما معنى التعددية؟ وما مكانتها في الفكر الإسلامي؟ وما دورها في معالجة التطرف؟

هذه بعض الموضوعات التي نناقشها في هذا المبحث.

 

مفهوم التعددية :

التعددية تعني في جوهرها التسليم بالاختلاف، التسليم به واقعاً لا يسع عاقلاً إنكارَه، والتسليم به حقاً للمختلفين لا يملك فرد ولا سلطة حرمانهم منهم[18]  وهي توصف بالموضوع الذي يكون الاختلاف حوله أو الذي ينحصر في نطاقها، فتكون سياسية أو اقتصادية أو دينية أو عرقية أو لغوية أو غير ذلك.

وبتعبير آخر: التعددية عبارة عن الإقرار بحق الاختلاف والتعايش السلمي والاعتراف بالآخر في إطار من الحرية والاختلاف والتنوع.

مكانة التعددية في الفكر الإسلامي:

هناك حقيقة لا يسع أحد جهلها أو تجاهلها وهي أن مصطلح التعددية لم يكن معروفاً بشكل واسع ولا متداولاً بين الأوساط العلمية إلا منذ العقدين الأخيرين من القرن العشرين الماضي تقريباً وذلك عندما حدث التطور الهام في سياسة الغرب الجديدة التي أخذت ما سماه الأستاذ محمد عمارة في أحدى مقالاته مرحلة الاجتياح : "يعني ذلك التطور الذي يتمثل أساساً في محاولات الغرب الجادة والمستميتة الترويج لإيديولوجياته الحديثة التي يعتبرها عالمية من الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والسوق الحرة وتصديرها للاستهلاك الخارجي من أجل تحقيق مآربها المختلفة فاستجابةً لهذا التطور الجديد بدأت التعددية تشغل بال المسلمين وهمومهم وأقلامهم.

ولعل أهم ماينبغي الالتفات إليه في هذا الصدد وجود التفريق بين التعدد والاختلاف كمفهوم وبين التعددية كمصطلح سياسي معروف ومتداول في علم السياسة اللبرالي التي تقوم على الفصل بين الدين والدولة وتهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي دون مرجعية فكرية تجمع الأفراد والجماعات سوى مبدأ قبول التعددية ذاتها.

من المؤكد أن هذا المفهوم الذي اصطلح عليه التعددية يخالف فهم الإسلام. فالمجتمع الإسلامي يقوم على أيديولوجية خاصة تنبثق منها نظمه وأحكامه. فالمجتمع الإسلامي هو مجتمعٌ اتخذ الإسلام منهجاً لحياته ودستوراً لحكمه ومصدراً لتشريعه وتوجيهه في كل شؤون الحياة وعلاقاتها.[19]

ولكن كل هذا لا يعني أن الفكر الإسلامي لم يعرف قضية التعددية فهناك نصوص عديدة من الكتاب والسنة تؤكد أن الإسلام قد أخذ هذه القضية بعين الاعتبار والعناية منذ لحظاته الأولى وعدم ورود مصطلح التعددية الدينية في نصوص الكتاب والسنة وكتب التراث لا يدل أصلاً على عدم وجود الفكرة أو النظرية في الإسلام بيد أنه لا بد من الاعتراف هنا بأن الغالبية العظمى من هذه الفكرة لم تكن مطروحة أو مبسوطة بشكل مستقل، وأنها كانت مندرجة عادة في ثنايا المباحث الفقهية إلا أن التراث قد عرّفها بمصطلحات الاختلاف والتغاير والتنوع وليس بمصطلح التعددية، فالتعددية يقابلها الإختلاف في الفكر الإسلامي.

التعددية في الكتاب والسنة :

التعددية سنة من سنن الله تعالى وآية من آياته. وهي سنة في النباتات والفواكه والثمرات بل في الخلق بكل أنواعه قال تعالى: " سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ "[20] وقال : " وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا "[21] وكذلك سنّة في أنواع الإنسان وانتماءاته ومستوى أدائه لواجباته قال تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ "[22] وقال تعالى : " يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ "[23].

هذه الآيات الكريمة تنص على أن التعددية حقيقة واقعية وجودية لا يسع عاقل إنكارها وهي حقيقة وجود الاختلاف والتنوع بما أودع الله تعالى في كل شيء من خلقه من تميز وخصوصية.([24])

والتعددية لها أشكال عديدة منها التعددية الدينية والتعددية المذهبية داخل الدين الواحد، ومنها التعددية السياسية والحزبية والاجتماعية.

أولاً التعددية فيما يتعلق بالأديان :

التعددية الدينية تعني الاعتراف بالوجود الفعلي للأديان المختلفة بكل مميزاتها وخصوصياتها والتسليم بوجود الآخر وحقه للاختلاف في التدين والاعتقاد ([25])

ويؤكد القرآن الكريم التعددية بهذا المعنى حيث يقول: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ "[26] قال المفسرون: وللاختلاف خلقهم لأنه لما أعطى لكل منهم العقل والإرادة، تنوعت مواقفهم ودياناتهم. إلّا أنه لا يوجد تلازم بين الاعتراف بوجود الآخر وصحة اعتقاده. فالإسلام سفّه عقائد المشركين وأكد بطلانها بالرغم من اعترافه بها كواقع مشاهد قال تعالى : " لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"[27] فالاعتراف هنا كما وصفه الكاتب الفاضل عبد المحمود أبو إبراهيم في مؤلفه القيّم : "الحوار في الإسلام حقائق ونتائج" اعتراف وجود وليس اعتراف صحة معتقد ومع ذلك فإن الإسلام دافع عن حقهم في العبادة وفي حرية العبادة وفي صيانة معتقداتهم ودور عبادتهم بل نجد أن القرآن الكريم قدم المحافظة على دور عبادتهم على المساجد التي هي أماكن عبادة المسلمين[28]، قال تعالى: " وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا " ([29])

يقول الشيخ محمد الغزالي : ليس من أهداف الإسلام أن يفرض نفسه على الناس فيكون هو الديانة العالمية وأن كل محاولة لفرض ديانة عالمية وحيدة هي محاولة فاشلة بل هي مقاومة لسنة الوجود ومعاندة لإرادة رب الوجود. وتدل على هذا المعنى نصوص عديدة :

ومنها : " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ " [30]

ومنها: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا "[31]

ومنها " إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ "[32]

ومن هنا نشأت القاعدة الإسلامية المحكمة في القرآن الكريم في قاعدة حرية الدين (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).[33]

الإسلام يحدد العلاقة مع غير المسلمين على أساس مبادلة سلم بسلم (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)[34] ويندب المسلمين إلى أن يكون موقفهم من غير المسلمين موقف رحمة وبرّ وعدل وقسط. (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ".)[35]

والبر كلمة جامعة لمعاني الخير والتوسع فيه ، فهو أمر فوق العدل.[36]

إن الإسلام لم يكفّ لحظة واحدة عن مدّ يده لمصافحة أتباع كل أمة ونِحلة في سبيل التعاون على إقامة العدل ونشر الأمن وصيانة الدماء وحماية الحرمات من أن تنتهك. قال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطّةً يعظمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إياها"[37]. فهذا هو مبدأ التعاون العالمي على السلام.

وقد تبنى الموقف نفسه فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله الذي يرى أن هدف محو الكفر في العالم هو هدف مرفوض للجهاد في الإسلام لأنه يناقض مناقضةً صريحةً لما قرره القرآن من أن اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم و انقسامهم إلى مؤمنين وكافرين ، وموحدين ووثنيين ، ومصدقين بالرسل ومكذبين بهم ، كل هذا واقع بمشيئة الله تعالى التي لا تنفصل عن حكمته عز وجل فهو الذي خلق الناس مختلفين أو قابلين للاختلاف في الإيمان وضده ، كما قال تعالى : " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ "[38]. " وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا "[39] " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ "[40]

وبهذا يكون كل من يعمل لإلغاء هذا الاختلاف الديني وإجبار الناس على دين واحد ، عاملاً ضد مشيئة الله تعالى الكونية ([41])

وقد ناقش الدكتور يوسف القرضاوي المفكرَين الإسلاميين الكبيرين أبا الأعلى المودودي[42]والسيد قطب[43] رحمها الله في تبنيهما لمبدأ الجهاد الهجومي من أجل إخضاع السلطات الطاغية والأنظمة الجاهلة لنظام الإسلام وقيام مملكة الله على الأرض وإزالة مملكة البشر وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبة من العباد وردّها إلى الله وحده وسيادة الشريعة الإلهية.

ويقول إن المراد من الفتنة في الآية : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ "[44] هو أن لا يُفتن أحد ولا يُضطهد من أجل عقيدته، بل يجب أن يكون الناس أحراراً فيما يختارون لأنفسهم ورجح أن علة قتال الكفار هي المقاومة لعدوانهم إذا قاموا بالحرب ضد المسلمين وليس لمجرد كونهم كفاراً.[45]

وقد أكد هذا المعنى العالم الجليل الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله تعالى وقال إن الباعث الحقيقي على القتال في الإسلام هو دفع العدوان وسدّ الاعتداء وليست المخالفة في الدين. فالإسلام لم يتخذ القوة والقتال وسيلة لإرغام الناس على قبوله وعقيدته بل جعل وسيلة ذلك الحجة والمنطق والبرهان.[46]

ثانياً: التعددية المذهبية أي التعددية داخل الدين الواحد.

التعددية المذهبية تتمثل في المذاهب الفقهية والآراء الفقهية المختلفة. فالإسلام يقر بهذه التعددية ، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى نصوصاً قابلة لتعدد الرؤى والاجتهادات ، ولو شاء أن يجمع الناس على رأي واحد وعلى مذهب واحد ، لجعل الدين كله قائماً على نصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة فلا مجال فيها للاختلاف ([47]).

وقد رأينا أن الصحابة كانوا يختلفون فيما بينهم في اجتهاداتهم و ما كان يعيب بعضهم على بعض، ولا يرى بعضهم لرأيه مزية على رأي البعض الآخر ، فرأي الفقيه يلزمه وحده ولا يلزم غيره من المجتهدين. ولقد رُوي عن عمر رضي الله عنهأنه لقيَ رجلاً كانت له قضية فسأله عنها ، فقال الرجل : قضى فيها علي  وزيد رضي الله عنهمابكذا ، فقال عمررضي الله عنه : لو كنت أنا لقضيت بكذا ، فقال له الرجل : ما منعك والأمر إليك ؟ فرد عمر رضي الله عنه: لو كنت أردك إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت ، ولكنني أردك إلى رأيي والرأي مشترك.[48]

ولقد كان فقهاء الصحابة يعلنون دائماً أن الأحكام التي يتوصلون إليها بالاجتهاد ويختلفون فيما بينهم محتملة للصواب والخطأ فكانوا ينسبون هذه الآراء لأنفسهم فكان أبو بكر رضي الله عنه يقول إذا اجتهد في بيان حكم نازلة : هذا رأيي ، فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله.

وروي أن المنصور العباسي أراد حمل الناس على فقه الإمام مالك في كتابه الموطأ ، فكان الإمام مالك أول من رفض ذلك قائلاً: يا أمير المؤمنين ، لا تفعل هذا، فإن الصحابة تفرقوا بالأمصار ورووا أحاديث غير أحاديث أهل الحجاز وأخذ الناس بها ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم".[49]

فنلحظ هنا أنّ الإمام مالك لم يتعصب لاجتهاداته  بل رأى أن كل المجتهدين على الهدى ، وهكذا أهل العلم في سائر الأمصار كانوا يقبلون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية ، وما داموا مؤهلين فيصوبون المصيب ويستغفرون للمخطئ ويحسنون الظن بالجميع ، ويسلّمون بقضاء القضاة على أي مذهب كانوا ، فلا تضييق ولا اتهام ، ولا حجر على رأي له من النص مستند بل يُسر وسهولة وانفتاح على الناس لتيسير أمورهم.

ومما لا جدال فيه أن الاختلاف في فهم النصوص الشرعية أو في استنباط حكم لا نص فيه من خلال النظر في القواعد الشرعية العامة وبما يتفق مع روح الشريعة أمر مقبول شرعاً لا غبار عليه طالما أن هذا الاختلاف صادر ممن هو من أهل الاجتهاد ، إلا أنه  لا ينبغي لأحد أن يقول قولنا حق وما سواه باطل وقد عبر الإمام الشافعي رحمه الله عن هذا المعنى في تسامح رائع قائلاً: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب"[50]، فالاختلاف محمود ولكن إذا تحول إلى التعصب للرأي ، فهو أمر مذموم وهو أمر لا يقره الإسلام بحال.

فالتعددية سواء أكانت تعددية دينية أو تعددية مذهبية يقرّ بها الإسلام ، وبناء المجتمع على قيم التعددية والتسامح والتعايش السلمي والاعتراف بالآخر هو حلٌّ لكثير من المشاكل والقضايا التي تعاني منها مجتمعاتنا، هذه المبادئ والقيم من شأنها أن تمهد طريق التقدم والرخي والازدهار في المجتمع وذلك من خلال تفعيل التعاون المثمر والبناء بين كافة أفراده.

 

الخاتمة والنتائج

ومما سبق يمكننا أن نتوصل إلى النتائج التالية:

  1.  التعصب والانغلاق الفكري أمر مرفوض في الإسلام.
  2. الحوار هو السبيل الأسمى لضبط الاختلاف المذموم التاتج عن التعصب الأعمى.
  3. الحوار وسيلة ناحجة للقضاء على التطرف والإرهاب.
  4.  من آداب الحوار ....
  5.  على السلطات للجوء للحوار قبل استخدام القوة ضد البغاة ودعاة العنف.
  6. من فطرة الإنسان التعايش مع الآخرين لذا فإن التعددية بمعنى التغاير والاختلاف أمر معبرٌ شرعاً.
  7. الجهاد لم يشرع كوسيلة لإغرام الناس على عقيدة معينة بل الدعوة إلى الحوار بالحكمة والحجة والبرهان والموعظة الحسنة هو المعتبر في الإسلام.
  8.  اختلاف الرأي في أمور اجتهادية مستحسن في الإسلام ولا يجوز لمجتهد في رأيٍ أن تسليط رأيه على الآخرين ويدعى أنه على حق ورأي الآخر هو الباطل.
  9.  
  10.  
  11.  
  12.  
 

[1] أخرجه ابن ماجه في سننه عن ابن عباس رضي الله عنه، حديث رقم : 3029، باب من أين ترمي جمرة العقبة.

[2] رواه أحمد في المسند، وقال الشيخ شاكر إسناد صحيح، 1 / 215 رقمه (1851)

[3] أحمد مختار عبد الحميد عمر

[4] ينظر البيان الصادر من مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة في دورته 16, المنشور في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.

[5] الحديث: أخرجه أبي داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث: 4608 ،

[6]

[7]

[8]

[9] آلعمران : 64

[10]العنكبوت :46

[12] أخرجه النسائي في السنن الكبرى، عن عبد الله بن عباس بلفظه ، رقم الحديث: 8522، الطبعة الأولى لمؤسسة الرسالة:2001، 7/480

 

[13] الأنعام : 55

[14] المائدة: 44

[15] المائدة: 51

[16] الحديث: أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب: الإيمان، باب:  بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، حديث رقم:49، عن أبي سعيد رضي الله عنه. بلفظه.

[17] انظر: فقه الجهاد .............

[18]الدكتور محمد سليم اللوا، التعددية السياسية في منظور إسلامي.

[19] انظر: د. حسن عبد الرحمن سلوادي، التعددية الدينية في المجتمع الإسلامي، مقال منشور في: "التسامح في الحضارة الإسلامية، أبحاث ووقائع المؤتمر السادس عشر للمجلس الأعلى للشؤون الإٍسلامية، المنعقد في القاهرة: 1/5/2004م، ص:509.

[20] يس: 36

[21] زخرف: 12

[22] الروم: 22

[23] الحجرات: 13

[24]انظر : عمار، د. محمد، التعددية..الرؤيا الإسلامية والتحديات الغربية، ص67

[25]د. محمد سليم ، التعددية في الإسلام مقالته التي ألقاها في محاضرة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، مكتبة القاهرة ، الموسم الثقافي الرابع 4/11/1990م

[26] هود: 118

[27] الكافرون: 6

[28] عبد المحمود، الحوار في الإسلام حقائق ونتائج

[29]الحج :40

[30]هود: 118

[31] يونس: 99

[32] القصص: 56

[33] البقرة: 256

[34] الأنفال: 61

[35] الممتحنة: 8

[36] الشيخ محمد الغزالي

[37] الحديث: أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد  والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط. حديث: 2731عن المسور بن مخرمة.

[38] يونس: 99

[39] السجدة: 13

[40] هود: 118

[41]فقه الجهاد:ص470

[42] أبو الأعلى المودودي أو أبو العلاء المودودي ( 12 رجب 1321 هـ - 31 ذو القعدة 1399 هـ). مؤسس الجامعة الإسلامية في القارة الهندية.

[43]سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي ( 9 أكتوبر 1906م 29 أغسطس 1966م) كاتب وأديب ومنظر إسلامي مصري. 

[44] البقرة: 193 ؛ الأنفال:39

[45] القرضاوي، فقه الجهاد.

[46] الزحيلي، وهبة، العلاقات الدولية في الإسلام.

[47]يوسف القرضاوي:فقه الجهاد،ص1288

[48] حسان، حسين حامد، المدخل إلى التشريع الإسلامي.

[49]  المرجع السابق

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.