wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
أميركا لم تعد قوة عظمى
الاثنين, April 13, 2009 - 06:30

  الانحدار في مكانة أميركا يحدث بإيقاع أسرع مما نعتقد، وقد حان الوقت لتبني أجندة جديدة.  وولتر روجرز – (كريستيان ساينس مونيتور)
    في البداية، فقدت أيقونتان أميركيتان، هما شركتا جنرال إليكتريك وبيركشاير هاثاواي تصنيفهما في فئة الاعتماد (أ.أ.أ). ثم جاءت الصين، أكبر دائني أميركا، لتطالب بعملة كونية جديدة بدل الدولار بعد أسابيع فقط من مطالبتها واشنطن بضمان سلامة مقتنيات بكين والبالغة حوالي 1 ترليون دولار. وقد حدث ذلك في شهر آذار (مارس) فقط. 
    تمثل هذه الأحداث آخر التحذيرات من أن عالمنا آخذ في التغير بشكل أسرع وأكثر شمولاً مما نقر به نحن - أو ساستنا.. ذلك أن تصنيف أميركا ذاتها في الفئة (AAA)، ومكانتها كقوة عظمى، باتا ينحدران بنفس السرعة التي ينحدر فيها اقتصادها.
     وما اعتراف الرئيس أوباما الأخير بأن الولايات المتحدة لا تكسب الحرب في أفغانستان إلا أوضح إقرار بهذا الواقع الذي يبعث على الضيق. فما الذي كان الرئيس يبلغ به الأميركيين؟ كما صاغ الأمر مؤخراً ميلتون بيردن، وهو محلل سابق رفيع في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي أي إيه) حول أفغانستان فإنك: "إذا لم تكن تكسب الحرب، فإن ذلك يعني أنك تخسرها". 
الآن، يعج المشهد الكوني بالأدلة على أن منزلة الولايات المتحدة كقوة عظمى آخذة في التداعي.هناك الباكستان المسلحة نوويا - والتي تعتبر نظريا أكثر البلدان خطراً - والتي تبدو أنها تتشظى بالرغم من بلايين الدولارات التي تقدم إليها على شكل مساعدات ودعم أميركيين.
      وفي العراق، وعلى الرغم من الجهود التي تبذل في واشنطن لجعل "الزيادة" في عديد القوات الأميركية تبدو أنها نصر أميركي مؤزر، أعلن المحللون الأكثر معرفة بالمنطقة سلفاً أن إيران هي الرابح الاستراتيجي من حرب إدارة جورج دبليو بوش ضد صدام حسين. فقد أفضت حرب العراق إلى تقوية موقف إيران إلى حد بعيد، مسهمة في تغذية قوة عظمى إقليمية يبدو الآن مرجحاً جداً أن تكون مهندسا رئيسا للعراق الجديد.
     لعل من المحزن أن ما كان منسياً وسط فوضى حقبة بوش هو أن  غايات أميركا كانت أخلاقية واقتصادية بقدر ما كانت عسكرية. وقد عملت وقائع التعذيب المقر رسمياً، وفضيحة سجن أبو غريب، والغزو الأميركي لدولة ذات سيادة من       دون وجود استفزاز من طرفها، سوية مع السماح للإسلاميين الراديكاليين بكل حماقة أن ينجحوا في تصوير الولايات المتحدة على أنها عدو لبليون ونصف البليون مسلم، كل ذلك عمل على تقويض بعد الغاية الأخلاقية التي كانت أميركا تتمتع بها قبل العام 2003.
    إلى ذلك، يرى الكثيرون في العالم أن دعم واشنطن الخالي من الانتقاد لإسرائيل على حساب الفلسطينيين إنما هو ضرب من النفاق الفظيع، والذي ربما لن يسمح بوقف وتصحيح الصدام القائم بين أميركا وبين الإسلام. ويعتقد المسلمون بأن الإسلام لم يخسر أبدا مكانته الأخلاقية العالية - وهم ليسوا مستعدين للتخلي عن تلك الأرضية الأخلاقية لصالح العلمانية الغربية.
     تدرك حتى الصحف السياسية المحافظة، مثل "ذا ناشيونال إنترست" أن شيئا ما قد ارتكب خطأ. وفي إصدار حديث، كتب روبرت بيب في مقالة رأي: "إن الجراح التي أوقعت بالذات بسبب الحرب في العراق، وتزايد المديونية الحكومية، وميزان الحساب الجاري الذي يصبح سلبياً باطراد، ونقاط ضعف اقتصادية أخرى، كلها أمور كلفت الولايات المتحدة خسران نفوذ حقيقي في عالم اليوم... وإذا ما استمرت الاتجاهات الحالية، فإننا سننظر وراء إلى سنوات إدارة بوش بوصفها بداية وفاة الهيمنة الأميركية."
    الآن، وفيما تجري عملية إعادة تخندق هائلة في الاقتصاد الأميركي، يبدو الوقت وأنه قد حان التخلص من القيود العقلية لإرث القوة العظمى، ولتبني أجندة أكثر شمولية. ولا يحتاج لأن يعني اعتناق نزعة انعزالية أو الانسحاب، إذ إن الأمر سوف يتطلب الحفاظ على قوات مسلحة كبيرة تتمتع بتفوق نوعي، شريطة استخدامها فقط عندما تكون هناك مصلحة قومية أميركية مقنعة ويمكن تحمل كلفتها. ولم يكن مطابقاً لهذا الوصف أبدا.
    لقد كانت قسيمة سعر الحربين في العراق وأفغانستان تقدر بترليونات الدولارات. وكان المعلق العسكري الصيني القديم سن تزو قد لاحظ في نبوءة له قبل 2500 سنة أنه "عندما يسير الجيش إلى الخارج، فإن الخزينة تفرغ في الوطن".
     في الغضون، تظل الأسطورة الأميركية قائمة بأن القوات والسفن الحربية الأميركية قادرة على الوصول إلى أي مكان، ودفع أي ثمن. وقد اكتشف الصينيون المعاصرون طريقة أفضل. وقد أوردت صحيفة الواشنطن بوست في تقرير لها أن الصينيين قد خرجوا في جولة تسوق مؤخراً، مستفيدين من أسعار تنزيلات حارقة للأسعار للحصول على إمدادات كونية من النفط والمعادن والموارد الاستراتيجية الأخرى اللازمة لاقتصادهم. ويرقى ذلك إلى مستوى أن يكون غزوا اقتصاديا رئيسا من دون تجييش حتى ولا جندي واحد. وعلى نحو مفارق، بدت الجهود الأميركية التي بذلت لتأمين النفط مبعثرة وغير ذات جدوى.
   من جهتها، تحقق إيران هيمنة إقليمية يعتد بها من دون حشد أساطيل، وإنما عبر استخدام جيوش حرب العصابات من أجل الهيمنة على جيرانها القريبين. ويشير رفض إيران لمبادرة الرئيس أوباما الأخيرة إلى تنامي ثقة طهران بقدرتها على استغلال ميزتها في الوطن، أي إدارة أحداث المسرح من أفغانستان إلى لبنان، بينما تترفع في الوقت نفسه على "القوتين العظميين" الأميركية والإسرائيلية.
     كان الغزو الروسي لجورجيا في شهر آب (أغسطس) الماضي تذكرة مريرة بأن لدى روسيا ما تصفه قيادتها بأنه "مصالح حيوية" في محيطها. وقد تم استبدال قوى الأمس العظمى بقوى هيمنة إقليمية، فيما يجري إعادة نحت الكوكب وصياغته على شكل مناطق مصالح قابلة للدفاع عنها بشكل أكثر سهولة.
   يحتاج الأميركيون لأن يدركوا أن الحرب، مثلها مثل السلام، هي فن الممكن، وإن لكل من الخيارين محدداته. وقد فشلت إدارة بوش في الغضون في الوفاء بإعادة القولبة الديمقراطية الموعودة للشرق الأوسط المسلم.
    وهكذا، تظهر حقيقة غير سارة أخرى: أن النموذج الديمقراطي الغربي لا يلقى القبول لدى الكثيرين في العالم العربي، كما أن الديمقراطية ليست نموذجاً يحظى بالجاذبية في مناطق شاسعة من العالم، مثل روسيا والصين.
     لقد حان الوقت لأن نخفض مستوى نظراتنا الجيوسياسية، ونضع نهاية للغزوة الأميركية غير الواقعية.. ينبغي لنا أن لا نتوقع "منهم" أن يرغبوا بأن يكونوا "مثلنا". وقد استغرق الأمر أميركا كثيراً من السنوات قبل أن تستعيد عافيتها الأخلاقية بعد فيتنام. وستكون العودة هذه المرة أكثر صعوبة.
   

     
                  بقلم: وولتر روجرز: مراسل دولي سابق رفيع المستوى لشبكة سي.إن .إن.

منقول عن جريدة الغد  13/4/2009

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.