wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
أهمية الحوار في التصور الإسلامي
الأحد, November 30, 2014

بدعوة كريمة من جامعة الزرقاء وبالتعاون مع المنتدى العالمي للوسطية  ألقى الدكتور سليمان حسن الرطروط محاضرة بعنوان أهمية الحوار في التصور الإسلامي وذلك يوم الخميس الموافق 6/11/2014م  في مدرج القدس بالجامعة.

وقد تناول من خلالها الحديث عن المخاطر المحدقة بالأمة الإسلامية عامة، ومنها الأردن على وجه الخصوص، حيث خلص إلى أن الحوار وتبادل وجهات النظر،  يعتبر الطريق الأسلم للنهوض بالأمة ، وتجنيبها الصراع المادي ، والنزاعات الداخلية.

وذكر أن من أمراض وأعراض الأمة غياب العمل الجماعي التشاركي _ على الرغم من أهمية العبادة الجماعية في حياتنا؛ فالصلاة ، والصيام، والحج جماعية وتشاركية _، وعندما يكون  العمل الجماعي ثقافة المجتمع على اختلاف مكوناته، وفي جميع مؤسساته ، وعلى مختلف المستويات، عندئذ  يمكن للحوار أن يكون يؤتي ثماره ،ليصبح هوالسمة الغالبة  للمجتمع .

وأكد أن الحوار الصحيح لا ينشأ ، ولا يؤتي ثماره زآثاره المرجوة إلا في ظل الحرية، لأن فقدان الحرية ينتج عنه ثقافة اللون الواحد، والنتيجة الواحدة، والصوت الواحد؛ مما يؤدي إلى سيادة الطغيان والاستبداد، والانتهاك الواسع للقانون، وغياب العدالة، وكل ذلك سيؤدي إلى تدني مستوى التعليم، وتدهور وفساد الاقتصاد، مما يولد عنه البطالة والفقر. 

وبيّن أن الحوار وتعزيز مكانته، وتوفير أجواء حرية الفكر ، وحق الاختلاف، واحترام وجهات النظر الأخرى  في المجتمع سيؤدي إلى نبذ العنف ، لأنه بالحوار ونشر ثقافته؛ سيتم القضاء على العنف. ومن المعلوم أن من دواعي ومبررات العنف شعور بعض فئات المجتمع بالتهميش والتغييب، والإقصاء والاستئصال، مما يؤدي لرد فعل من الطرف الآخر معتمداً على العنف والإرهاب، بدلاً من الحوار بالكلمة.  

وفي التصور الإسلامي للحوار وأدبياته فإن كافة القضايا مطروحة للحوار والنقاش، لأن الإسلام يؤمن أن وسيلة الكلمة هي أكثر تأثيراً واستدامة للتغيير من أي وسيلة أخرى، ولذا فهو دين البيان، ومعجزته الدائمة بالبيان. ومنذ بداية االدعوة كانت دعوة حوارية بالكلمة وما استخدم السيف إلا لمحاربة الذين يمنعون ويحجبون الدعوة بالكلمة. ولذا فلا منع ولا حجر على طرح أي قضية للحوار؛ ومثال ذلك الشاب الذي طلب الإذن من الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ بالزنا، فلم يعنفه أو يوبخه، أو ينزل به عقوبة _ على الرغم من معرفته لحرمة الزنا وقباحته _ بل حاوره الرسول_ صلى الله عليه وسلم _ بالكلمة.

إن الشورى كركن من أركان الحياة والمجتمع الإسلامي ؛ والتي هي حق الناس في اختيار قادتهم، والأنظمة التي تحكمهم، أو ما يعرف بالديموقراطية الآن، إنما تكون بواسطة الحوار وتبادل وجهات النظر، في جو من الحرية ، ومع القبول والقول بأن الاختلاف حق مشروع، وبهذا يتوصل إلى قناعة غالبة ، ورأي أكثرية، مع احترام رأي الأقلية، ودون التقليل من شأنه، والقرآن الكريم قرر تلك القاعدة بقوله: (( وأمرهم شورى بينهم)) (( وشاورهم بالأمر)) فلا شورى دون حوار.

كما أن الإسلام يعتبر أن المسلم هو : الإنسان العاقل المكلف المختار، وعند غياب الحوار وفرض الرأي الواحد، نكون بذلك أسقطنا صفة العقل والاختيار، ونزعنا ركن الرضا عن أي عقد اجتماعي عام، ولذا فمن المهم  توافر الحرية والاختيار للمرء ليكون مسلماً ، فمثلاً من أكره على الكفر وقلبه مطئن بالإيمان لا يعتبر كافراً، لإن حريته وإرادته كانت مسلوبة.  

ولعل من مفاخر الإسلام أن أندونيسيا وهي أكبر دولة عددياً في المجموعة الإسلامية دخل شعبها وأهلها للإسلام بالحوار والدعوة ، ودون جهاد واستخدام للسيف، والادعاء بأن الإسلام يستخدم السيف والقتل لإكراه الناس على إعتناقه؛ هي فرية كاذبة، يدحضها التاريخ والواقع.

إن الفهم الصحيح  للحوار وحرية الاختلاف ما عبر عنه الإمام مالك _ رحمه الله_ عندما عرض عليه فرض كتابه الموطأ وفقهه على الناس ؛ فرفض ذلك، ورغب في ترك الناس على ماهم عليه، وهو تقديرواحترام للرأي الآخر، وقبول به.

ولذا فمن يدعو لإرغام المسلمين وغيرهم على اتباع مذهب واحد، ورأي منفرد ؛ إنما هو يعمل ضد الإسلام ومنهجه؛ سواء علم ذلك أم جهله، وما الحركات والجماعات التي ترغم الناس بالقوة على العمل باجتهاد واحد، ورأي منفرد ، إلا تشويه لصورة الإسلام ونهجه.

ولعله من نافلة القول أن قصة خلق آدم _ عليه السلام_ والمذكورة في جميع الكتب السماوية، والتي تنص على حوار الله مع الملائكة وإبليس قبل خلق آدم، دليل بائن على أهمية الحوار بين بني أدم أنفسهم.

ومن صفات الإنسان وغرائزه الجبلية والتي غرست فيه هي : التعلم، (( وعلم آدم الأسماء كلها )) والعلم لانهاية له، ولا حدود ينتهي إليها، وإجبار الناس على اجتهاد واحد فقط، وعدم إعمال العقل لابتداع رأي آخر، وفكرة أخرى، هو انتهاك وسلب للعلم، وتحجر مرفوض. فالأنظمة والتعليمات الناظمة للحياة ، المنطلقة من القواعد والقيم الراسخة، تتطور حسب الأزمنة والأمكنة، فما يصلح لزمان وجيل ومكان ما ، قد لا يصلح لغيره.

هذا، ولقد نزلت سورة الحجرات من أواخر السور المدنية، عند استقرار الإسلام وانتصاره، ومع ذلك نزل بها قاعدة أصيلة وذهبية للتعايش والتفاهم بين الناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم، ولغاتهم ...ألخ، ألا وهي،  قوله تعالى: (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم أتقاكم إن الله عليم خبير)) ، فالخطاب عام للناس جميعاً؛ المسلم والكافر، الصالح وغيره، الطائع والعاصي، بأن الله جعلهم متفرقين ومختلفين، ولكنهم جماعات كبيرة كالشعوب والقبائل؛ وهي مؤلفة من أفراد كثيرون ، ولكن تجمعهم سمة ما، غالبة على لكل منهم ،  ومغايرة لسمات الآخرين، والهدف الأسمى لكل تلك المجموعات البشرية هي التعارف، والذي قطعاً سينتج عنه التواصل، وتبادل الخبرات، والمنتجات، ثم التعاون، والتكامل البشري.

إن الآية الكريمة والتي تعتبر قاعدة التعايش السلمي بين البشر كافة، ترفع قيمة المرء عند ربه بمقدار تقواه، وبمقدار تحقيقه لأمر الله؛ بطاعة أمره، واجتناب نهيه. ومن المتعارف لكل العقلاء من البشر، وعند كل الأديان أن هنالك قواعد رئيسة متفق عليها، كالعدل والمساواة، وصيانة النفس والمال والعرض والعقل، وقبل ذلك التعبد لله الخالق للإنسان، ثم الحرية والاختيار، فهذه قيم إنسانية أصيلة، فالمرء المكرم هو الذي يعلي من تلك القيم والإخلاق بغض النظر عن دينه ومذهبه.

ولذا؛ ومنذ فجر الإسلام وهو يدعو ويحاور، ويقارع الحجة بالحجة، دون استعمال إسلوب العنف، فإن وصلت الأمور مع المحاورين لباب مسدود بسبب تعنتهم، وتعصبهم، فلهم مذاهبهم ، واتجاهاتهم، أبلغ دليل على ذلك سورة الكافرون والتي ختمت بقوله : (( لكم دينكم ولي دين ))

وقد عرض المحاضر كذلك ألى  أن للحوار نوعين: حوار الذات؛ والمقصود حوار الإنسان مع نفسه، ومع أسرته، وجماعته، وحوار ما بين الحكام والمحكومين ...ألخ.

والآخر: حوار مع الآخرين من أصحاب المذاهب والديانات الأخرى، سواء كانوا يعيشون داخل المجتمع الإسلامي أو خارجه.

ثم تطرق المحاضر إلى مظاهر وألوان وأشكال قبول الإسلام للآخر ، وحواره معه، واحترام الإسلام للاختلاف ، وتباين الرأي.

وفي ختام المحاضرة: بيّن أن الحوار ضرورة إنسانية، ودعوية ، واجتماعية، وعلمية كما أنه ضرورة تربوية وتعليمية.

ولذا  فللحوار فوائد جمة؛ فهو يجدد الفكر ، وينهض به، وهو الطريق الأسلم للإعتراف بالآخر والتعايش معه، وأنه الأسلوب الأمثل في محاربة العقائد الفاسدة، والأفكار المنحرفة، والأسلوب الصحيح لمحاورة أتباع الديانات؛ للاتفاق على القواسم المشتركة، والمنهج المعتبر للتعارف بين الشعوب والجماعات؛ للتوصل للتكامل فيما بينها، وهو الذي يحترم وجهات النظر، ويقبل بالاختلاف.

وختم بقوله: إن الحوار هو الطريقة المثلى لخروج الأمة من أزماتها الكثيرة، وهو دليلها للولوج من عنق الزجاجة، الحامي لها من العواصف الهوجاء، والبراكين الثائرة، شريطة الالتزام بقواعده ومقوماته،وبعيداً عن معوقاته ومثبطاته، مع ضرورة الالتزام بنتائجه.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.