خلاصة المحاضرة المعنونة:
الإعتدال والوسطية و دورها في تعزيز ثقافة السلم والمصالحة الوطني
إن الإسلام دعوة إلى الحياة وليس تدميرا لها وتفجيرا لروحها وتشويها لصورتها وقتلا للأمل فيها، فما جاء القتل ممدوحا إلاّ من أجل تحرير الإنسان من الطغيان المصادر لحريته وكرامته، ورفع الحواجز المادية والمعنوية عنه، وضمان الأمن والإستقرار لتنتشر دعوة الله بالحسنَى، ولتصل إلى الناس سليمة مبصرة بالحكمة والموعظة الحسنة ومجادلة المجادلين بالتي هي أحسن، أما في غير هذا السبيل، فقد اقترنت ألفاظ القتل بالإنكار والتشنيع والتحذير من عاقبة المتهاونين في الدماء الآدمية، ولو كان الأمر متعلقا بمولود حديث العلاقة بهذه الحياة الدنيا.
فكيف يقتل الإنسان أخاه؟
إن حدث ذلك من مؤمن فلا يكون إلاّ خطأً عارضا، أما من تعمد القتل، مهما كان مبرره، فإنما قتل نفسه ونزع من قلبه رحمة أودعها الله فيه : "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" النساء:29، وإذا لم يكن القلب مشحونا بالإحقاد ومثخنا بالإحن، فإنه يجد في النزوع إلى القتل حرجا كبيرا لاستبشاع صورته في النفس السوية.
فالإسلام دين سلام، وكل من ألقى السَّلم صار معصوم الدم والمال وهي نظرة إيمانية دعوية تبحث عن غافلين لتنبههم وعن ضالين لتهديهم وعن حيارى لتأخذ بأيديهم إلى صراط الله المستقيم، فإن أعملت في رقابهم السيف فقد أهدرت نعمة كبرى جعلها الله "مادة" للدعوة وموضاعا للبلاغ وابتلاءا ليظهر أي الفريقين أحسن عملا، وكلها حقائق واضحات داعية إلى حقن دماء كل من نطق بالشهادتين، لتؤمّن طريق الدعوة أمام بصره وبصيرته ليعرف الناس الحق في أجواء صحية حرة..وليس تحت نقع المعارك ورهج الإقتتال.
ولكي ندرك خطورة هذا المسلك الذي يعتقد بعض المسلمين أن الإجتهاد فيه ممكن نحتاج إلى التعرف على حقيقة ما تقترفه أيدي بعض المتأولين في مسألة دماء المسلمين، ولو كان حظهم من الإسلام النطق بالشهادتين فحسب، فالترويج للقتل والترويع والإرهاب..باسم الجهاد في سبيل الله في ديار المسلمين لوثة فكرية أصابت كثيرا من المنتسبين إلى الحركات المتطرفة والجماعات المسلحة في شأن عظيم من شؤون هذا الدين العظيم، فطالت أيديهم دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق وتوسع عدوانهم ليمسّ "ضيوف" هذه الأمة من رعايا أجانب لا ذنب لهم إلاّ أن الله جعل رزقهم في هذه الديار كما جعل رزق كثير من المسلمين في ديارهم، بعد أن صار العالم مفتوحا وصارت البشرية كلها أسرة واحدة يسمونها "الأسرة الدولية". فهم ضيوف عندنا مكرمون كما أننا نحن ضيوف عندهم مكرمون..
وقد عبّر عن هذا المعنى أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) عندما عاتبه رسول الله(ص) عن قتله رجلا نطق بالشهادتين، فقال متحججا ومعتذرا : "يا رسول الله إنما كان متعوّذا" أي قالها ليعصم رقبته من القطع بغير اعتقاد منه بحقيقتهما!! فرد رسول الله(ص) على هذا الإجتهاد بالقول : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة!؟" وقد روى الشيخان عن المقداد بن الأسود (رضي الله عنه) قال : قلت لرسول الله(ص) : أرأيت إذا لقيت رجلا من الكفار (ملحدًا أو مشركًا أو وثنيا..) فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذَ مني بشجرة، فقال : أسلمت لله!! أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال (ص) : "لا تقتله" فقلت : يا رسول الله، قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها!؟ قال : "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" متفق عليه، وهو إرشاد واضح فيه تهديد صارم لمن أقدم على قتل من نطق بالشهادتين حتى لو كان الداعي الخوف من الموت، لأن النيّات موكول أمرها إلى الله، ومن تلفظ لسانه بكلمة التوحيد عصمتْ ماله ودمه وأمره إلى الله، فحكم العبد على الظاهر أما السرائر فلا يعلم مكنونها إلاّ الله، وهذا ما فقهه عمر الفاروق عندما تولى الخلافة فقال للناس جميعا : "إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله(ص) وإن الوحي انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالهم، فمن أظهر لنا خيرا أمّناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة" رواه البخاري عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، بقوله : سمعت عمر بن الخطاب يقول..وساق قوله.
إن هذا الدين لا يفتش عن خفايا الصدور، ولا ينقّب عما في سويداء القلوب ولا يؤاخذ الناس بما في سرائرهم ولا يصدر أحكام التكفير والتفسيق على أي فرد من أمة الشهادة ما لم يظهر منه ما يثبت خروجه عن الجادة وكفره بالدين، لأن الذي يحاسب الناس على ما يعتقدون هو خالقهم الذي يعلم نواياهم وسرّهم ونجواهم، أما أبناء آدم أجمعين فلهم حكم الظاهر، على ما تسمعه الآذنان وتراه العينان، فعن جندب بن عبد الله (رضي الله عنه) أن رسول الله(ص) بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين، قصد له فقتله، وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته، وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) فلما رفع عليه السيف قال : "لا إآـه إلاّ الله" فقتلته!! فجاء البشير إلى رسول الله(ص) فسأله..وأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال : "لمَ قتلته"؟! فقال : يا رسول الله، أوجع في المسلمين، وقتل فلانا وفلانا –وسمى له نفرا- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال : لا إآـه إلاّ الله، قال رسول الله(ص) : "أقتلته"؟! قال : نعم، قال : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة!؟" قال: يا رسول الله استغفرلي، قال : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة!؟" فجعل لا يزيد على أن يقول : "فكيف تصنع بلا لا إآـه إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة" رواه مسلم.
هل يمكن أن يوجد مشرك يقصد قتل المسلمين فإذا وقع بين أيديهم نطق بالشهادتين فسمعوها منه –والله أعلم بما في قلبه- ثم ينبعث أشقى القوم ليخترطه بسيفه فيقضي عليه، ثم يقول متأولا لفعلته : إنما قالها خوفا من بريق السيف أو نطق بها لما أيقن أنه هالك!؟! فهل بعد هذا البيان من اجتهاد أو تأويل؟ وهل غيرة أحدنا، في آخر الزمان، على هذا الدين أشد من غيرة محمد(ص) على ما جاء به رحمة للعالمين.
لقد ساهم هذا الفكر الضيق في تغذية الحركات المتطرفة، وغذَّى العداوة بين كثير من الأنظمة وقطاعات واسعة من شعوبها، ثم ساهمت بعض المؤسسات المروجة للجنس، والسلاح، والمخدرات..في تأجيج هذه النيران ليسهل عليها "تسويق" سلعها في أجواء التوتر والأزمات والحروب الأهلية..مما شجع بعض المغرر بهم على الثورة ضد أنظمتهم في بدايات كانت ذات أبعاد إصلاحية ثم تم حرْفها عن أهدافها النبيلة لتأخذ مسارات عنيفة تطرفت وأدخلت في رواقات الإرهاب ووجدت نفسها في مأزق التطرف والتطرف المضاد الذي سهل القابلية للتدخل الخارجي الذي كان فرصة للبعض للتدريب والتسليح و"الهيكلة" خارج الأطر النظامية والحصول على السلاح المتطور الذي أصبح يهدد السلام والأمن العالمييْن.
إن المسألة برمتها فكرية (عقدية) نابعة من قناعة راسخة في قلوب هؤلاء بأن العنف هو الطريق الوحيد لإحداث التغيير المنشود لواقع فاسد ضال يعتقد هؤلاء المتطرفون أن المفتاح السحري لتغيير الواقع برمته بأيديهم، وهم وحدهم الحق الظاهر فوق هذه الأرض، وهم وحدهم حملة رسالة السماء إلى البشرية ومكلفون بهدايتها إلى "منهجهم" أو الإجهاز عليها لفتح الطريق أمام الخير ليتدفق إذا نجحوا في إزالة حواجز الشر وكسر جبروت الطغيان!! ولأنهم هم وحدهم الحق – في نظر أنفسهم - وغيرهم الباطل، أو هكذا يعتقدون، فهم لهذا الفقه يُنظّرون ويروّجون له وفي ضوء هذه العقيدة يتحركون وبها يواجهون واقعهم ومنها يبلورون خطابهم وينحتون فتاواهم ويعبئون الطاقات ويجندون الشباب الذين يزرعون في عقولهم نبتة شوكية يصعب قلعها.
والحمد لله رب العالمين
ابحث
أضف تعليقاً