
بين الدكتور أبو جرة السلطاني الذي اصبح رئيساً للمنتدى العالمي للوسطية في الجزائر الرسالة السامية التي يسعى المنتدى الى تحقيقها حيث قال:
يتعرّض العالم الإسلامي، منذ أكثر من عشريتيْن، لغارة شعــواء على قيمه ومبادئه وثوابته وسيادة أقطاره وثرواته وأمنه الاقتصادي والاجتماعي واستقراره السياسي. وقد نجحت هذه الغارة في تفتيت وحدته وتعريض كثير من أقطاره إلى فتن داخليّة أفضت إلى ذهاب هيبة الدّولة وسقوط مؤسساتها وتهديد حدودها وتعطيل آلة الانتاج فيها وتوقيف حركة التنمية وتشريد مجتمعها الآمن، وتحويل مواطنيها من أبناء وطن إلى لاجئين ومشرّدين في أقطار العالم كله.
بعد مرور الموجة الأولى، وما تركته من دمار. بدأت الترتيبات لموجة ثانيّة سوف تستهدف موروثنا الحضاري وقيمنا الثقافيّة ووحدة أمتنا، بالعمل على تفكيك الدّولة، وضرْب الأسرة، وتعطيل دور المؤسسات، وتمييع النشاط الحزبي والعمل الجمعوي، وتيئيس الشباب من الحاضر والمستقبل. لتحقيق هدفيْن.
ـ هدف قريب واضح: هو الاستيلاء على ثرواتنا ومسخ هويتنا وإلحاقنا بالأمم التابعة اقتصاديا وسياسيّا لإرادة من حرّرنا الأسلاف من تبعيتهم.
ـ وهدف بعيد خفيّ: هو تحويل وجهة العالم الإسلامي كله تلقاء منظومة عولميّة مصرّة على إعادة رسم الخرائط السياسيّة للدّول وفق منظور جغرافي استعماري قديم: شمال منتج وعالم ثالث مستهلك.
مرّت الهجمة الأولى على وطننا بسلام. وفي تقييمنا للوضع العام تأكّد لنا أن الجهود الرّسميّة لم تعد كافيّة وحدها لردّ الهجمات المتواليّة على أمّتنا بسبب ثورة الاتصال التي فتحت أمام البشريّة قدرات غير مسبوقة للتّواصل الاجتماعي العابر للحدود والقارّات والثقافات والقوانين والتّحصينات الدّاخلية. وصار من واجب أبناء هذا الوطن البحث عن تكتّلات أكثر تنظيما، وفضاءات أكثر حريّة ومنتديات ذات فهم عالمي لما يُضخّ في السّماوات المفتوحة من أفكار وما يُبثّ من سموم، تتولى الغربلة والتصفيّة والتّوضيح والتّوعيّة. وتنتج أفكارًا مهيكلة ترفع بها التحدّي في وجه من يريد بأمتنا المهانة والصَّغار.
ـ فبتنظيم النّخب تنهض الأمم.
ـ وبالأفكار الممنهجة تنتصر إرادة الشعوب.
ـ وبتنسيق جهود الخيّرين، خارج الأطر التقليدية الضّيقة، تواجه مؤسسات الدّولة التحدّيات القائمة والأزمات القادمة.
في ظل هذا الفهم، تمّ الإعلان عن ميلاد المنتدى العالمي للوسطيّة، في هذا التوقيت بالذّات، ليكون إضافة نوعيّة لما هو سابق في السّاحة الوطنيّة، لكنْه مظلته واسعة، ووسطيته جامعة لأبناء الجزائر وبناتها دون إقصاء ولا تهميشز إلاّ ما خالف أهدافها. فالمنتدى فضاء عام مفتوح للفكر والدّعوة والثقافة والحوار والتشاور.. في جميع المجالات. ولكنه فضاء يحترم التخصّص الوظيفي وينآى بنفسه عن النشاطات الموسميّة. ولا يقبل التّصنيف الزّبائنيّ في الاصطفاف، ولا اللون الحزبي في الانتماء، ولا الخطاب المتطرّف في التعاطي مع الأحداث، ولا التنصّل من المسؤولية ولا من الواجب الوطني والمصلحة المشتركة. فهو فضاء أوسع من السيّاسة، وسقفه أرفع من البيوت الحزبيّة، وطموحه أعلى من مجرّد حمل بطاقة انتساب إلى هياكله الوطنيّة والولائيّة، أو على مستوى جاليتنا بالخارج. لا يدير ظهره للواجب الوطني، ولكنّ أهدافه أبعد من موعد انتخابي ضمن الدّستور شروطه وآجاله وكيفيّة تنظيمه. فعين المنتدى مفتوحة على كل ما يهدّد أمن وطننا ويستهدف هويتنا وثوابتنا وسيادتنا وانتماءنا الحضاري.
استوقفتنا ظاهرة انصرافُ شرائح واسعة من الأجيال الصّاعدة عن تاريخها وعن نضالات الحركة الوطنيّة، وتنصّلها عن مرجعيتها وانبهارها بما وراء البحر، واعتقاد بعضها أنّ المستقبل لم يعد آمنا في أوطانها، ولا حلّ إلاّ الهجرة التي لا عودة بعدها، وبدونها فلا تفكير في عمل ولا في بناء أسرة ولا في مساهمة من أيّ مشروع لنهضة الأمّة واستكمال بناء مجدها في ظلّ السيادة الوطنيّة. وقد زادت موجة الهجرة الجنوبيّة إلى وطننا من الأعباء الاجتماعيّة على دولتنا، وصارت تشكل خطرا على أمننا واستقرارنا وهويتنا ونسيجنا الاجتماعي. وقد بدأت انعكاساتها بالظهور على منظومتنا القيميّة مما يستدعي اتخاذ ما ينبغي من احتياطات لتلافي ما هو أسوأ على حاضر أمتنا وعلى مستقبل الأجيال إذا لم تنهض الحركة الجمعويّة بواجباتها في دعم جهود الدّولة، ولاسيما على صعيد مكافحة الإرهاب والتصدّي للجريمة المنظّمة والحركات المتطرفة والدّعوات الانفصاليّة.
إنّ موجة جديدة من الغزو الثقافي بدأت تهبّ على الجزائر من جهات كثيرة، وإذا لم ننبري لها الآن سوف تجتاح عقول أبنائنا وتهدّد وحدتنا وثوابتنا وهويتنا. في ظل نظام دولي يعيش مأزقا معقّدا أنتج منظّمات متطرّفة تعمل خارج الأطر القانونيّة والاتفاقات الدّوليّة، من أبرزها الاتجار بالمخدّرات والرّقيق الأبيض وبالأعضاء البشريّة، واتخاذ مسمّى الإرهاب والحركات المتطرّفة غطاء لتمرير مشاريعها وتفكيك الأسر والمجتمعات والقضاء على الأنظمة التقليديّة، لا سيما منها المالكة للطاقة المحرّكة لاقتصاديات العالم.
أمام هذه الوضعيّة المعقّدة، صارت الجهود الرّسمية وحدها غير كافيّة، ولم تعد الطبقة السياسيّة وحدها قادرة على المواجهة. وأصبح من الواجب الوطني إيجاد فضاء أوسع وأكثر تحرّرا يستوعب أكبر عدد ممكن من القدرات الفكريّة والتخطيطيّة في جميع المجالات، داخل وطننا، لهيكلة رصيدها الواسع من الخبرات والتجارب المتنوّعة وتوجيهها لخدمة أهداف ساميّة تعيد للأمة الأمل في استكمال بناء الدّولة الوطنيّة وتثمين منجزات الذين حرّروا الجزائر والذين سعوا إلى إقامة دولة وفق ما نصّت علية بيان أول نوفمبر. فهدف المنتدى تراكميّ يكمل المسيرة ولا ينتفض عليها، وذلك.
ـ بتوعيّة أمتنا بالمخاطر المحدقة بها على جميع الأصعدة.
ـ ومساعدة الأجيال الصّاعدة على تجاوز العقبات التي تشوّه حاضرها وتهدّد مستقبلها.
ـ وإرساء منظومة فكر وسطيّ يستمدّ قوته من مرجعيتنا الوطنيّة ومن تاريخ أمتنا ومن رصيدنا المشترك في الحركة الوطنيّة وثورة التحرير.
ـ مقاومة كل أشكال الغزو الثقافي والمسخ الحضاري الذي يتعرّض له شبابنا.
ـ زرع الأمل في نفوس الذين أرهقتهم الخطابات المتطرّفة والممارسات الاقصائيّة.
خلاصة الأهداف المدوّنة في القانون الأساسي للمنتدى هي دعوة كل جزائري وجزائريّة إلى الحوار والتسامح ونبذ العنف والتطرّف، والتعاون لتعزيز مكتسبات الاستقلال وحماية الوحدة الوطنيّة واحترام مؤسسات دولتنا ودعم جهود الخيّرين فيها والتعاون معهم من أجل سيادتنا في وطننا، وترقية مكوّنات مجتمعنا، ودعم عناصر الهويّة ولُحْمة الأمة وأمنها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وضمان توازن نسيجها الجهوي حقوقا وواجبات، داخل الوطن وعلى مستوى جاليتنا بالخارج.
سعيًا منّا إلى تحقيق هذه الأهداف النّبيلة، أسّسنا هذا الفضاء العام المفتوح على الفكر والثقافة والعلم والمعرفة والحوار.. بمنظور وسطي يحمي القيم، وينشر ثقافة المواطنة والتعايش والتعاون من أجل حاضر آمـن ومستقبل مشترك يستكمل فيه الأبناء رسالة الآباء. ومن أجل تجسيد هذه الطموحات المشروعة يفتح المنتدى صدره للرأي والفكر والحوار، لنشر الوعي بين جميع فئات المجتمع. ويدعو جميع الخيّرين في وطننا الغالي الجزائر إلى احتضان أشواق الحريّة والعدالة التي ضحّى من أجلها شهداؤنا الأبرار لنعيش من بعدهم أسيادًا في وطننا الجزائر.
ابحث
أضف تعليقاً