
د. محمد حلمي عبد الوهاب
منذ أن استيقظ عالم الإسلام على عصر ما بعد النهضة يطرقُ الأبوابَ ويخطفُ الأبصار، إذا بحيرة المسلمين في شأن التعاطي مع الآخر لم تتوقف، بحيث تراوحت المواقف وردود الأفعال ما بين: الاعتزال تارة، والخصام والتمرد والمقاومة تارة أخرى.
وما بين هذا وذاك ثمة تيار ثالث حاول جاهدًا أن يقول ببساطة شديدة: إنّ القبولَ المُطلق بالحضارة الغربية الحديثة أدى بنا إلى الانفصال الحضاريّ عن تراثنا الإسلاميّ، كما أنّ الرفضَ المُطلق للحضارة الغربية تم من منطلقات ماضويةٍ تتشبثُ بالماضي دون أن تطلَ على الحاضر، أو أن تتطلع إلى المستقبل، وأنه لا بد من المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة. ففي عالم الأمسِ واليوم معا –كما لاحظ جاك بيرك بحق- ينقسمُ كثير من المثقفين والمناضلين بين: "أنصار المصير بلا أصيل [الحداثة]، وأنصار الأصيل بلا مصير [الإسلام]"!
ولا شك أنّ الانسحاب الأول في مواجهة العصر كان مُقترنا بتلك المرحلة التي استيقظ فيها المسلمون،بعد سبات دام خمسة قرون، على طلائع الحضارة الغربية تدق قلاعهم الناعسة بعنفٍ بلغ ذروته طوال القرن التاسع عشر. ففي هذه المرحلة بالذات كان الإسلام كما يفهمه الجهلاء -فيما يؤكد عباس العقاد في كتابه "الإسلام في القرن العشرين"- ليس إلا "مزيجا من الخرافة والشعوذة والطلاسم والأوهام، ومن الوثنية وعبادة الموتى. وكان بعض المتعالين من أدعياء المعرفة يحكم بكفر القائلين بدوران الكرة الأرضية، ولا يتردد في تكفير من يسميها كرة!".
وللأسف الشديد؛ فإن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فحسب، بل إنه امتد ليشكك في أبسط البديهيات العلمية، لدرجة أنّ مجلة المنار نشرت في العام 1909 سؤالا مُوجها إلى صاحبها الشيخ محمد رشيد رضا حول الخبر المُبلغ بواسطة البَرق: هل يُعتد به عندنا في الشرع، كالصلاة على الغائب، وما يترتب على ذلك من الأمور الشرعية، كالهلال في الصوم، أو الإفطار...إلخ؟!
فوضى المصطلحات والمفاهيم
سبق وذكرنا أن مصطلح الحداثة يشير إلى مرحلة تاريخية طويلة نسبيا، بدأت في أوروبا منذ أواخر القرن السادس عشر وتميزت في القرن السابع عشر بسلسلة من التغيّرات الكبيرة والعميقة التي طالت أغلب البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وشملت بشكل متداخل ومتفاعل عمليا مجالات البحث والمعرفة وأنماط ومؤسسات الحكم السياسية والمدنية والتشريعية، وذلك في إطار عمليات بناء الدول القومية وتزايد سلطاتها مع تزايد مساحات الحرية والمسؤولية الفردية.
ونصل الآن إلى بحث إشكالية المفهوم أو المصطلح بغية رفع الخلط الذي يقع في هذا السياق، وفي كل سياق حقيقة!! فعلى سبيل المثال؛ هناكَ خلط شائع ما بين الحداثة Modernityوالتحديث Modernization على الرغم من أن المصطلح الأخير يعني نقل مجتمع تقليدي ما إلى مرحلة المجتمع المدني الحديث.
كما أن هناك مصطلحا آخر عادة ما يتم نقله من بيئته الخاصة "الأدب" إلى فضاءات أخرى من دون الأخذ بعين الاعتبار السياق الفكري والتاريخي الذي ظهر فيه هذا المصطلح، ألا وهو: Modernism حيث المقصود به أساسا الحركات الطليعية في الفن والأدب كالسريالية عند بيكاسو على سبيل المثال، ويقع في مقابلها ما يسمى بمرحلة "ما بعد الحركات الطليعية Post-Modernism" تماما كالحداثة وما بعد الحداثة.
الاتجاهات الرئيسة للتعاطي مع موضوع الحداثة
فرغم كثرة الجدل الدائر حاليا حول علاقة الإسلام بالحداثة وما بعدها، فإن أغلب المقاربات الموجودة على الساحة الثقافية تشي بنوع من الخلل المزدوج:
(1) إما في فهم الحداثة ومقولاتها من جهة.
(2) أو في فهم الإسلام وعلائقه من جهة أخرى!
ونتيجة لذلك؛ يتجاهل أغلب المشاركين في هذا الجدل (ممن يخفون توجهاتهم، أو يصرحون بإيديولوجياتهم) مجموعة كبيرة من التساؤلات المفصلية -التي لا ينبغي تجاهلها نظرا لشدة ارتباطها بمجموعة من الاعتبارات المنهاجية والموضوعية.
ويأتي في مقدمة هذه التساؤلات التساؤل الأكبر حول مدى صحة ومشروعية ربط الإسلام (كدين) بمنظومات فكرية عالمية كالاشتراكية والليبرالية... إلخ؟ يتبعه تساؤل آخر حول حدود الفصل والوصل التي تربط (أو تفصل) ما بين "صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان" وعمليات التوفيق والمواءمة المستمرة بينه وبين تلك المنظومات الفكرية والعقائد الإيديولوجية؟!
وبطبيعة الحال؛ هنالك من يرفض التعليق على هذه التساؤلات:
(1) إما لأنه يرفض بعض المقولات التي تأسست عليها (كفكرة صلاحية الإسلام وملاءمته لكل زمان ومكان).
(2) وإما لرفضه الطرف الآخر من المعادلة (الحداثة في حالتنا هذه) رفضا قطعيا بحجة عدم تماشي مقولاتها مع شريعة الإسلام.
لكن - وبغض النظر عن وجهة نظر المتعصبين من هذا الفريق أو ذاك - سرعان ما نصادف مجموعة أخرى من التساؤلات الجادة التي يتحتم على المنشغلين بتلك القضية محاولة الإجابة عن بعضها، والتي تنطلق من قاعدة التشكيك في "منهاجية المقاربات" بحد ذاتها، وليس بقصد التشكيك في "مبدأ جدواها".
وعلى ذلك؛ فإنها تتوجه لكلا الطرفين بتساؤلات من مثل: ألم يكن الإسلام حتى وقت قريب اشتراكيا محضا وإذا بكم الآن تلبسونه رداء الليبرالية المحضة أيضا؟ وإذا أقررنا معكم بخطأ المقاربة الأولى التي واءمت عن عمد بينه وبين الاشتراكية، فما هي الضمانة الحقيقية التي تحول دون تكرار نفس الخطأ بالنسبة إلى المقاربات الجارية حاليا؟ ألا يكمن الإشكال أصلا في طبيعة المنهج الذي تتبعهُ تلك المقاربات بالأساس؟ أليس من الأجدى –والحال هذه- أن نبحث في عموم المشترك من دون أن نلوي عنق النصوص الدينية والأحداث التاريخية حتى يتلاءم الإسلام مع أفكار ومنظومات قد تكون في حقيقتها بعيدة كل البعد عن أسسه وجوهره؟
وفي الواقع تكتسب تلك التساؤلات أهمية كبرى، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه في الوقت الذي انغمسَ فيه المفكرون العرب والمسلمون في النقاش التقليدي الدائر حول الحداثة وموقف الإسلام منها؛ إذا بالدوائر الفكرية الغربية تفاجئهم بصياغة تيار فكريّ جديد أطلق عليه "ما بعد الحداثة"، والذي شن هجوما حادا وعنيفا على قيم الحداثة الغربية ومفاهيمها، بل وبلغ من الجرأة بمكان حدود القول: إن مشروع الحداثة قد سقط نهائيا بعد أن أخفق تماما في تحقيق منظومة القيم التي بشر بها!
وفي ضوء ذلك وجد المفكرون المسلمون أنفسهم في مأزق حقيقيٍّ، حتى إن بعضهم ذهب إلى القول بأن "ما بعد الحداثة" ليس إلا مشكلة تخص الغرب وحده وأنه لا علاقة لنا بها!، فيما أكد فريق آخر أنه من الضرورة بمكان تحليل الأفكار والمضامين الرئيسة لما بعد الحداثة، خاصة وأنه سرعان ما تتحول الأفكار الفلسفية المجردة في الغرب إلى سياسات عملية تؤثر على علاقاته الخارجية.
وبما أن عجلة التساؤلات الكبرى والصغرى لن تكف أبدا عن الدوران، لذا نرى من الأنسب أن نحدد أولا ماهية الطابع العام الذي يغلب على هذه المقاربات، بغض النظر عن طبيعة الطرف الآخر من المعادلة، وخاصة أن إبراز هذا الطابع العام يكشف عن الخلل المنهاجي الذي يسود أغلب المقاربات الموجودة على الساحة الآن.
ومن ثم؛ يمكن القول إن ثمة اتجاهات ثلاثة متمايزة تتبلور عن أية مناقشات -هزيلة الطابع أو حتى جادة- تحاول ربط الإسلام بمنظومة فكرية ما، ألا وهي:
الاتجاه الأول: ينظر للمنظومة الفكرية موضع المقاربة (الحداثة وما بعدها في حالتنا هذه) نظرة نقدية لاستكشاف القيم الإيجابية التي تتضمنها، دون إغفال الجوانب السلبية كذلك.
الاتجاه الثاني: يحاول التوفيق والمواءمة ما بين الإسلام وموضوع المقاربة الذي يُنظَرُ إليه نظرة متوازنة عادة، مع تفضيل الأنموذج الإسلامي (كالشورى بدلا من الديمقراطية على سبيل المثال).
الاتجاه الثالث: وعادة ما يتبناه الإسلاميون الحركيون بصفة خاصة، يرفض موضوع المقاربة رفضا تاما، ويرجع أسبابَ الفشل على المستويات كافة إلى الابتعاد عن تطبيق الأنموذج الإسلامي.
اللافت للنظر في هذا السياق، هو أن التعاطي مع المواقف الحدية رفضا أو قبولا، سلبا أو إيجابا، لم يتح الفرصة المناسبة أمام الاتجاه التوفيقي -الذي استغرق بدوره وقتا طويلا في التعاطي سلبا مع الموقفين المتطرفيْن- ليتم مسألة التوفيق وينهي عملية المواءمة بشكل نهائي! وبالتالي، بقيت جهوده محصورة في الرد على أحد الاتجاهين أو كليهما من جهة، ووضع قواعد عامة للتعاطي مع الآخر من جهة أخرى، دون أن يبلور موقفه هذا في نظرية تامة متكاملة.
ونتيجة لذلك؛ تبلغ الأدلجة ذروتها فيما يخص مسألة الإسلام وقضايا العصر حيث يركز الحداثيون في مناقشاتهم على إبراز الجوانب الإيجابية للحداثة مع إغفال تام لسلبياتها. ومن هنا يمكن تفسير المنحى الأصولي عند الفريقين؛ ففيما يعيب الحداثيون على الإسلاميين كثرة اجترارهم لمقولات سلفية ماضوية (أو ظلامية بحسب تعبيرهم)، لا يأخذون بعين الاعتبار أنهم يقعون بدورهم في الفخ ذاته حين يكثرون من اجترار مقولات العقلانية وعصر الأنوار وبعث رموزه من قبورهم!
وفيما يرفض البعض مقولات الحداثة استنادا لتاريخ الغرب الاستعماري، يحاول فريق آخر الرجوع بمقولات الحداثة ذاتها إلى جذور إسلامية فيستبدل بعقلانية عصر الأنوار عقلانية المعتزلة، وبالديمقراطية السياسية نهج الشورى، وبالعلمانية فتح الاجتهاد والتركيز على مقاصد الشريعة... إلخ.
أين يكمن الخلل إذن؟
ثمة من يصر على أنه لا يوجد إشكال أصلا في ما يخص علاقة الإسلام بالحداثة؛ وأن المشكلة تكمن في فهم المسلمين بالأحرى لمعنى ومقصود الإسلام ذاته! لكن في المقابل من ذلك، هناك من يؤكد جدلية العلاقة التي تربط الإسلام وأي نظام فكري شمولي أو إيديولوجية معرفية ما.
فكما لاحظ محمّد إقبال بحق فإن "المثاليّة والواقع في الإسلام ليسا قوتين متنافرتين لا يُمكن التوفيق بينهمَا، لأنّ حياة المَثل الأعلى لا تتمثلُ في انفصام كامل عن الواقِع الذي يَنزعُ نحو تحطيم الوحْدةِ العضويةِ للحيّاةِ وتشتيتِهَا في صورةِ مواجهاتٍ مُؤلمة؛ ولكنّهَا تتمثلُ في جهد المَثل الأعلى ذاته الدائب للاستئثار بالواقع قصدَ احتوائِه إن أمكن واستيعابه، فضلاً عن تحويلِهِ في ذاتِهِ وإنارتِهِ في مجموعِه".
وفي الواقع، كان إقبال ينطلق في رؤيتِهِ هذهِ من القول بأنّهُ إذا كانت عملية الوحي قد تم نقلهَا من السماء عموديا، إلا أنّها كانت تستهدف الإنسان بالأساس، وهو ما عبّر عنه النص القرآنيُّ الكريم: "قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا" [الإسراء: آية رقم 95]. مما يفرض على الإسلام في كل عصر أن يأخذ بعين الاعتبار المراحلَ المتتابعةَ من التطوّر الإنسانيّ، بخاصة تلكَ التي وسمتهَا، وبعمق، الثورة التكنولوجية وبحث الآثار المترتبةِ عليها اجتماعيا، ليس على المستوى العملي فقط، وهو ما فهمه هيدجر تماما، وإنما أيضا على المستوى الثقافيّ وعلى مستوى المواقفِ والعقلياتِ بما فيها مستوى النتائج الفكريّ.
إزاءَ مشكلةٍ كهذِه، ثمة موقفان منطقيان مُمكنان أمَام أيّ نظام يريدُ، إن لم يتوجب عليهِ، اعتناقُ الحداثة: الأول، هو أن يتلاءمَ مع حركةِ العالَم مع الاحتفاظ ببعض الضماناتِ الأساسيّة التي تكونُ بمثابةِ علاماتٍ على الطريق، أي بعددٍ معين من أنماط السلوك أو الأدوار الاجتماعيّة التي تُعدُّ ضروريّة لدوام تأكيد الذاتية.
الموقف الثاني هو أن يُدمِجَ في ذاتِه، أو في نظامه الخاص، حركة العالم: أي أن يصوغ هذا النظام في قالب حداثتِه الخاصة. ذلك ما بدأه رواد النهضة الإسلامية الحديثة ابتداء من رفاعة الطهطاوي وبلغ ذروة نضوجه على يد الإمامين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني؛ فهل ينهض علماؤنا ومفكرونا بعبء استكمال تلك المسيرة بدلا من أن نكتفي بالعيش عالة على الماضي، نحصد زمنا لم نزرعه ونزرع في زمن تأخر حصاده؟! ذاك أمل قد يبدو لنا بعيدًا .. لكنه قادمٌ لا محالة
منقول عن الإسلام اون لاين:27/2/2011
ابحث
أضف تعليقاً