لذلك فالتعريف الإجرائي للمفاهيم والمصطلحات نابع من دلالاتها القرآنية بشكل خاص المتصلة بالبعد الحضاري الذي يتجاوز حدود اللغة والإيديولوجيا.
وحديث افتراق الأمة والفرقة الناجية والفرق الهالكة حديث يصلح نموذجاً لتلك الأحاديث الضعيفة التي جرت تقويتها ومنحها الشهرة، مما كرّس الاتجاهات الطائفية والإيديولوجية (غاب مفهوم الأمة ونشأ مفهوم الحزب والدولة والإقليم والتيار إلخ) وغاب مفهوم "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
وبذلك أصبحت الرواية ملاذاً لأصحاب المذاهب والفرق كي يدعموا مذاهبهم، ويضفوا شرعية على أنفسهم في مقابل سحب هذه الشرعية من خصومهم؛ فنشطت حركة الوضع في بيان فضائل الفرق والمدن والقبائل والأشخاص...، هكذا تضخم التراث الطائفي، ووقفت كل فرقة وراء مجموعة من المرويات تعزز وجودها... وهذا يناقض مقاصد القرآن المتمثلة في المساواة والعدل والتقوى.
مبادئ ثقافة الحوار في الرؤية الحضارية
معوقات الحوار
مراحل الحوار
التواصل
مرجعية الوحدة والاختلاف: المفاهيم
ت- الفِرقة جزء من الأمة لا تستطيع أن تقيم الدين لسببين: الأول متعلق بنشأتها الفكرية والمتمثلة في النظر والفهم الجزئي للدين، والثاني أنها لا تستطيع تجاوز دائرتها الضيقة في الحركة. لا سيما أن مادة فرق وردت 70 مرة في القرآن الكريم ومعانيها تدور حول المباينة والفصل بين الحق والباطل والتفرّق في الدين.
ث- الطائفة جماعة تمثل جزءاً من كل، لكنها ناظرة نحو أصل تدور حوله. أما الفِرقة أو الفريق فهو الجماعة حال انفصالها عن الكل أو للدلالة على أعيان لكل منها وجود مستقل. فاتجاه الحركة لكل من الطائفة والفرقة متضاد.
ج- الطائفة جماعة تمثل جزءاً من جماعة أكبر دون أن تنفصل عنها، وتدور حول ذات الأصل، وبطريقة أخرى هي دائرة انتماء أصغر تتحرك داخل دائرة أكبر ومشدودة تجاه مركزها، وهي بذلك تصلح لأن تكون نموذجاً للتغيير ولإقامة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) وتفيء إلى أمر الله أي إلى الأصل الذي يجمع وهو في هذه الحال مفهوم الأمة الذي يتمثل في التوحيد بشكل خاص فهو الجامع للأمة.
ح- لا يمكن فهم الأمة في قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) على أنها جزء من كل أو دائرة انتماء صغيرة بين دوائر أخرى تتحرك داخل دائرة أكبر، بل إن (أمة من أمة) تعني تجدد فاعلية الأمة كلما خَبَت، وتعني روحاً جمعية. وهي المعنية بمصطلح الجماعة في الرؤية النبوية التي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الخروج عليها.
خ- الأمة هي صاحبة الحديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس الدولة أو الفرقة أو الطائفة، لذلك جاءت العصمة للأمة (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ولكن للأسف ضمر مفهوم الأمة لصالح مفهوم ولي الأمر (الخليفة) في كتابات السياسة الشرعية، ولصالح الدولة في الكتابات الحديثة، كما طغى مفهوم الفرقة الناجية على مفهوم الأمة. فمفهوم الأمة توحيدي بينما الفرقة الناجية تجزيئي.
د- الخلل الكبير الذي وقع فيه علم الكلام (المسؤول عن نشر موضوع التوحيد) أنه جعل موضوع (الإمامة) أهم مسائله، مما أدى إلى تفرّق الأمة (والإمامة شأن دنيوي لا ديني)، وانتقل علم الكلام من مدافع عن العقيدة إلى علم يضع التمايز بين الفرق والمذاهب والطوائف. وبدلاً من بناء مفهوم الأمة أصبح التركيز على بناء مفهوم الدولة. (قال السمعاني: ويحكم لا تتجادلوا في الكلام، وإن كنتم لا بد مجادلين فتجادلوا في الفقه، أما الكلام فإنه يكفر بعضكم بعضا)
ذ- لا بدّ من التمييز بين إحياء الأمة وإعادة إنشائها، فالرسول - صلى الله عليه وسلم- هو من أنشأها بوصفه رسولاً مبلغاً من الله عز وجل، فلحظة الإنشاء تلك لا يمكن أن تتكرر؛ لأنها مرتبطة بتنزيل الذكر الحكيم الذي بُنيت به على قواعد الملة الإبراهيمية، وهي الأمة الشاهدة. أما الإحياء فهو تجديد على أسس سبق أن بُنيت وأُقيمت، لذلك فإن طريق الإحياء والتجديد يقتضي إدراكاً دقيقاً للنموذج الأول، وفهماً سليماً لسائر تفاصيله ودقائقه.
الوحدة والاختلاف
- الأصل الوحدة وليس الاختلاف بمعنى التمايز (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون محتلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) وهذا يتسق مع قوله عزو جل (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم...)
- على الرغم من الإشكاليات الكبيرة حول حديث "اختلاف أمتي رحمة" في السند والمتن، وقيل عنه إنه موضوع. فنحن نستطيع التعامل مع مفهوم الاختلاف على أنه يفيد التنوع لا التضاد والتمايز، الذي يتعارض مع النصوص القرآنية ومقاصد الشريعة.
- نزل القرآن ليعلن وحدة البشرية (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) فالبشر يحملون خصائص موحدة. وما اختلافاتهم في الشكل والعرق والعقائد والطباع إلا اختلاف تنوع لا تضاد. لذلك برز في الفكر الإسلامي مفهوم الوحدة والتنوع.
- التنوع والتعدد لا يناقض الوحدة: ذكر أبو الحسن الأشعري في أول كتابه "مقالات الإسلاميين" (اختلف المسلمون بعد نبيهم في أشياء ضلل بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقاً متباينين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويعمّهم) وهذا نابع من مقاصد الشريعة التي تركز على حرمة دم المسلم وماله وعرضه على أخيه. وقال ابن تيمية: "المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين".
- رأى العلماء أن ثمة شرطين لكي يكون الاختلاف مشروعاً ومحموداً: أن يكون لكل من المختلفين دليل يصح الاحتجاج به؛ وألا يؤدي الأخذ بالمذهب المخالف إلى باطل.
آداب الاختلاف
- عندما ندرس الاختلاف ينبغي أن نربط ذلك بقراءة الكتاب المنظور والمقروء وبمعرفة طبائع البشر (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم). وهو مرتبط بالشورى من خلال التداول السلمي للأفكار والتعاون على اختيار أحسن الأراء للتطبيق.
- الاختلاف والمخالفة: أن ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو قوله. والخلاف أعمّ من العند، لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين.
- الجدل: إذا اشتدّ اعتداد أحد المخالفين أو كليهما بما هو عليه من قول أو رأي أو موقف، وحاول الدفاع عنه وإقناع الآخرين به أو حملهم عليه سميت المحاولة بالجدل. وإذا اشتدت الخصومة وآثر كل من المتجادلين الغلبة بدل الحرص على ظهور الحق ووضوح الصواب وتعذر الفهم سميت هذه الحالة بالشقاق.
- مرجعية حلّ الخلافات هي القرآن الكريم بوصفه المرجعية المهيمنة وما صح من السنة النبوية بوصفها المرجعية المبينة مع مراعاة المقامات النبوية في هذا السياق.
- الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى، مما يجعل الحقيقة وحدها هدف المختلفين.
-التزام آداب الإسلام في الخطاب وانتقاء الكلام الطيب
- الانتصار يجب أن يكون للحُجّة لا للتقليد. والبحث عن الحقيقة لا غير: ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير). فقد حدد القرآن ثلاثة عناصر للاستدلال الصحيح (العلم/الهدى:المعرفة الحدسية/الكتاب المنير:الوحي)
وهذا الوعي لحقيقة الاختلاف عبّر عنه أبو حنيفة بقوله: "هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر عليه أحداً، ولا نقول يجب على أحد قبوله، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به".
- ربط القضايا الخلافية بالمقاصد القرآنية العليا الحاكمة (التوحيد والتزكية والعمران)، ويتم تصنيف القضايا الخلافية طبقاً للمقاصد (ضروريات حاجيات وتحسينات)، وتحديد ما غيبي وما هو دنيوي.
- معالجة تلك القضايا الخلافية في إطار الجمع بين القراءتين (قراءة الوحي والكون)
- معالجة القضايا الخلافية المعقدة –التي لا تزال فاعلة في الواقع وتمزق الأمة- رأسياً لا أفقياً، بوصفها قضايا مركبة، وليست كلها صماء، بحيث نتمكن من رؤية مستويات الاختلاف فيها، والتمييز بين ما يدخل في دوائر الخصوصية لكل مذهب، والمساحات التي لا بد من التفاعل فيها حتى تتوحد الأمة.
ولعل أهم هذه القضايا الخلافية مسألة الإمامة، فالأصل أن تكون شأناً دنيوياً لا دينياً.
ما وراء المذهب
المنهجية والإطار التحليلي المناسب لترسيخ مبدأ أدب الاختلاف هو تأسيس التنظيرات بناء على أداة تحليلية (ما وراء المذهب)؛ إذ ننطلق هنا من مبدأ أن الاختلافات بين المذاهب والطوائف والجماعات تنتمي إلى السطح، بينما تشير وجوه الاتفاق العامة بين المذاهب والجماعات إلى الجوهر. وبذلك فليس ثمة مجال لرفض أي مذهب ينطلق من الكليات العامة للدين والمبادئ الأساسية لهذا الدين. وينبغي لأصحاب المذاهب والجماعات من تنقية مذهبهم من الإضافات البشرية التي تتعارض والأصول التأسيسية المتمثلة في القرآن الكريم وما صح من السنة النبوية.
ابحث
أضف تعليقاً