
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
فإن الحديث عن الوسطية وثقافة الوسط هو حديث عن موضوع لا عدوّ له ومن هنا تأتي صعوبة وامتناع هذا المصطلح، وقد حاولت كثيراً أن أقرأ لمن يرفض الوسطية لأطلع على رأيه، فلم أجد لها عدواً، وكل من تكلم عن الوسطية بالغ في الثناء عليها؛ فهذا الذي يكفّر جميع حكام المسلمين والوزراء في كتابه يدعو للوسطية وعدم التطرف بتكفير المجتمع كله، ويحذرّ من التطرف، وآخر يرى أن الإسلام والمعاصرة لا يجتمعان، وأن الإسلام جاء لحل مشكلات محددة لزمان ومكان، ولا ينسى هو الآخر أن يحذر من التطرف ويدعو للوسطية كما يقول: (ومن التطرف ما يدعو له بعض المثقفين في المهجر من وجوب إغلاق دور العبادة (المساجد)، ومنع الزواج غير القانوني ، وأنا أدعو للوسطية في حرية إتباع أي دين ، ولو أقام الزواج بطقوس معينة.
إن الإعلام إن دعا إلى الوسطية فهو يدعو لقضية لا ينازع فيها أحداً لذا فإن دور الإعلام المفترض هو تجلية مفهوم (ثقافة الوسط) وصناعة بيئة هذه الوسطية، لأن الوسطية مصطلح يكمن غموضه في وضوحه.
يقول أحد المشاركين في ندوة (الوسطية بين التنظير والتطبيق) الذي عقد في المنامة من أعمال منتدى الفكر العربي: (أشار العديدون من المشاركين أثناء المداولات إلى أنهم وصلوا إلى البحرين وهم يعتقدون أن الوسطية مفهوم واضح تماماً، وأنهم يفهمونه، وأن مهمة المؤتمر الأساسية هي البحث عن أسباب غياب الوسطية عن مواقف ومسلكيات البعض إلا إن أغلبية المشاركين، وبعد يومين من المداولات وأحياناً المشادات الكلامية، خرجت وقد تبخر ما لديها من قناعات تتعلق بمفهوم الوسطية، إذ ساهمت الآراء المتعددة التي تشعبت كثيراً في إحلال الغموض ، فكان الوضوح والارتباك محلَّ الثقة (صحيفة البيان).ويقول د. محمد ربيع: (ورأى أغلبية المشاركين (الوسطية) بمثابة منارة تهدي السفن الضالة حين الوصول إلى البحرين، وتركت البحرين المضياف، وهي على قناعه بأن الوسطية ليست إلا سفينة تائهة في خضم بحر كبير تعصف به أمواج عاتية.
فإذا التبس المفهوم على نخبة المثقفين وأحدث فيما بينهم صراعاً ومشاداتٍ، فكيف هو حال الجمهور العربي في هذا الوقت الذي تباينت فيه الآراء، وأصبح ما تراه تطرفاً شديداً يراه آخر وسطيةً محمودة ؟
إن نجاح الإعلام في بناء ثقافة الوسط هو في صناعة المفهوم، ومحاولة وضع أسس وقنوات تؤدي إلى (الوسطية) على المستوى الفردي والجماعي، وعلى المستوى السياسي والثقافي، وفي ثقافة النخبة وفي وعي الجمهور.
إن من أسباب ارتباك المفهوم هذا التداخل الواضح بين مفهوم الوسطية ومفاهيم أخرى ، فخذ على سبيل المثال: مفهوم الوسط والمنتصف، فهل الوسط هو المنتصف لأن النصف مفهوم رياضي هندسي يعني حيزاً يتساوى ما قبله بما بعده، وعلى هذا تكون الوسطية في الأخلاق هي حالة في النصف ليست بأحسن الخلق ولا رديئه، وكذا هي (الوسطية في الاقتصاد، إذا إنها حالة تجعل المشروع الاقتصادي لا رابحاً ولا خاسراً لذلك ينكر د. محمد ربيع الوسطية في غير الدين والمجتمع كما يقول: إن من الخطأ أن يكون الإنسان وسطياً فيما يتعلق في الاقتصاد مثلاً.
ويذكر آخر أنه لا يمكن أن ندعو إلى الوسطية في الصدق، فتكون صادقاً حيناً وكاذباً حيناً آخر.
وسبب التباس الفهم في تفسير الوسطية بالمنتصف ، لأن كثيراً من خصال الخير هي بين خصلتين من الشر ، كالكرم بين البخل والإسراف والشجاعة بين الجبن والتهور ، وحتى الخصال الخلقية : فالطويل جداً والقصير جداً وبينهما الوسط.
إن مفهوم الوسطية هي الخيرية وهي محاسن الأمور ، {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}يعني أمة الخيرية ، وقولُه تعالى: {قال أوسطهم} يعني خيرهم وأعقلهم ، والرسل من أوسط أقوامهم نسباً: أي خيرهم وأفضلهم نسباً.
إن على الإعلام تأكيد أن (الوسطية) هي الخيرية دائماً، وأن الوسطية في الأخلاق مثلاً هي خير الأخلاق.
والخلط الآخر بين التطرف والعنف، والمراد بهما، وموقفيهما من الوسطية، إن العنف ممارسة عملية يمكن القضاء عليها أمنياً أو فكرياً ، بينما التطرف أسلوب في التفكير يجب أن يحاصر قدر الإمكان، لأن التطرف صفة ثابتة عبر الزمان والمكان في كل مجتمع وكل حضارة.
كما يقول: د. محمد عمارة في كتاب (الغلو الديني واللاديني): (وكذلك يجب ألا نطمح إلى خلو مجتمعاتنا من أية آثار لمقولات الغلو الديني التي تم رصدها، وإنما يجب أن نطمح إلى تحجيم هذه الظاهرة ومن ثم تهميشها كي لا تكون مركز، جذب لشبابنا ولا عائقاً أمام المشروع الإسلامي الوسطي للتقدم والنهوض). فالصراع الحقيقي حول (القضاء على العنف وتحجيم التطرف).
ويمكن تحجيم التطرف بتوسيع دائرة (الوسطية)، لأن هناك محاولات متطرفة في تعريف (الوسطية) حتى أصبحت الوسطية عملية صعبة بسبب التعنت في وضع حـدود لها، فلإعلام معني بأن يجعل من الوسطية ممارسةً سهلةً وفق أطر مفتوحة وبأبعاد كثيرة، وأن يجعل من التطرف مصطلحاً ينسجم مع اسمه ولا يتجاوز حدود أطرافه.
والوسطية أيضاً ليست إجماعاً، إنها سعة تحتمل التناقض والخلاف، وحتى الصراع، إذ إنه لا يمكن أن نقول إن كل صراع فيه أطراف متطرفة.
إن (الوسطية) تختلف باختلاف المجتمعات وتنوعها ، فالوسطية في المجتمع السعودي لا تتطابق مع الوسطية في المجتمع الفرنسي مثلاً، والوسطية في التيار الإسلامي ليس هي ذاتها الوسطية في التيار القومي أو التغريبي، فالإعلام حينما يصحح مفاهيم الوسطية لابد أن يدرس الجمهور المخاطب، وكيف يفهم الوسطية وما هي الوسطية المرادة منه.
والإعلام ينبغي إن يدرك أن الوسطية هي تغيير لعادات وسلوك وأفكار، تتم بمرحلة بطيئة، ويكون نجاح التغيير نسبياً في المجتمع المتطرف. إن أثَّر الإعلام في جزء من عاداته وأفكاره فهو نجاح، وإن بقي في حيز التطرف، ومن التعنت أن نقيس نجاح الإعلام في بناء الوسطية في تغيير الجميع نحو الوسطية بأسلوب واحد ورؤية عامة وفي وقت قصير.
إن الإعلام الناجح عندما يؤدي رسالته بشكل صحيح، فإنه يدرس المجتمع المخاطب ويعرف بيئته كي ينطلق من مفردات المجتمع ومن قواسمه المشتركة، والإعلام هو (الرسالة) إذ إن القنوات الفضائية والصحف والمجلات والشريط ومواقع الإنترنت هي وسائل إعلامية وليست إعلاماً. فالحملة الإعلامية لإقناع الجمهور بالوسطية لا تكون بضخ أكبر معلومات عن الوسطية وأكبر قدر ممكن من شتم التطرف والمتطرفين والإرهاب والإرهابيين إنما الحملة هي رسائل مدروسة ومعدة من قبل متخصصين يسعون نحو أهداف معلومة المراحل، وينظرون إلى ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب نظرةً شمولية.
ومن هنا فإن غير المتخصص تستغرقه زاوية واحدة ، مما يؤثر سلباً على زوايا أخرى وينعكس سلباً على معالجة ظاهرة العنف والإرهاب، بل ربما نفع الإرهاب وهو لا يعلم ، لذا لابد من أن يجري الحديث إعلامياً عن هذا الموضوع الحساس بالتحليل والنقد والتصويب والتخطئة على ألسنة متخصصين في هذه الشؤون، ويقتصر تعليق غير المتخصصين على الإنكار والشجب فقط، وهناك أمثلة كثيرة على خدمات مجانية للإرهاب والتطرف قام بها إعلاميون غير متخصصين.
ومن الخطأ أيضاً ربط الفكر الإرهابي بمفكرين متميزين، وإن خالفناهم ، فأي هدية أعظم من أن يُهدى التطرف والإرهاب أرضية فكرية حينما يعزا إلى فكر سيد قطب وفكر أبي الأعلى المودودي، وأحياناً فكر عالمي في مواجهة مؤسسات الدولة، كالفكر الفوضوي أو غيره إن هذا الربط يوحي أن الإرهاب والتطرف له قراءة فكرية فاحصة، وينطلق من أسس مرجعية، بينما واقع الإرهاب هو شباب ضعيف التعليم صغير السن لو قرأ صفحة في كتاب (معالم في الطريق) أو غيره لما استطاع أن ينطق كلماتها بشكل صحيح فضلاً عن فهمها أو تشربها والعمل بموجبها.
وعلى مستوى الحملات الإعلامية ضد التطرف والإرهاب هناك ممارسات كثيرة لا تخدم القضية، وأحياناً تؤثر بنتائج عكسية.
إن الإغراق في مواجهة نوع من التطرف دون غيره، يجري في نطاق خدمة تطرف آخر لمحاصرة الأول.
فعندما كانت المواجهة ضد الشيوعية كان الحديث عن الجهاد في أفغانستان بطريقة غير متزنة، ويتحدث عن الموقف من الشيوعي بطريقة غير شرعية، مما جعل التطرف يتوالد فيما بيننا ونسكت عنه على الرغم من علمنا به، وذلك بسبب معركتنا مع الشيوعية والاتحاد السوفيتي سابقاً على وجه التحديد.
واليوم يضخ الإعلام حرباً على الإرهاب والتطرف، ولكنه لا يتوازن مرة أخرى، فهو يلوذ بالصمت حيال الانحلال الأخلاقي والتطرف الفكري في التبعية للغرب، بل يحاول أن يطمس مفهوم القوة والحرب والعدو، والتي تشكل أصولاً في أي حضارة أو دولة، إذ تحتاج الأمة لروح التحدي والمقاومة ولكن وفق أسس ونظام وقانون.
إن الفكر الإعلامي الناضج لا تستغرقه اللحظة الزمانية وإنما يعالج القضايا بتوازن بأبعاد زمانية ومكانية مدروسة.
ويقتحم الإعلام متطرفون يستغلون الوسطية لبث تطرفهم مستفيدين من حالة عدم الاتزان الإعلامية .
إن المتطرف الإسلامي والقومي والشعوبي والعلماني هو متطرف لا يمكن أن يسهم في صناعة الوسطية، ولا مصلحة البتة في استخدام الإعلام لرجل متطرف سواء كان ذلك عبر مقالاته أو أقواله، لكي نأتي به للرد على تطرف آخر، معطين بذلك للجمهور مبرراً للتطرف.
إن تعزيز أحد الطرفين هو تمكين وترسيخ للآخر، وأقوى سلاح ضد التطرف هو الوسطية إن وجود (القاعدة) مثلاً وعملياتها المشينة هي أكبر إعانة لممارسة الفكر المسيحي المتصهين أجندته في المنطقة، وكذلك تزداد فاعلية القاعدة ومن نحا نحوها فكرياً وعسكرياً كلما ازداد تعصب الحزب المتصهين وبالغ في ممارسة أجندته.
فمن الخطأ الإعلامي الكبير في بناء الوسطية أن يفتح المجال لمتطرف لكي ينتقم من خصمه باسم (الوسطية).
ومما يضر بالوسطية أيضاً عرضها بطريقة بدائية باهته، إذ تجد أن التطرف يعرض فكره بالبراهين والدلائل، وتجد الإعلام لا يعتني بأصول النقاش الصحيح، بدعوى أنه إعلام ينتمي للدولة أو يعبر عن عموم المجتمع أو أن المتطرف والتطرف لا يستحق جهداً، وأن الوسطية هي الحق والعدل.
إن الإعلام لا يؤثر حتى يأخذ معطيات التطرف بكل جد واهتمام.و(الوسطية) أحوج ما تكون أن تعرض بوسطية واعتدال ومنطقية، وأن تكون الرسالة غير متوترة ولا منحازة، وألا يعالج التطرف بتطرف مثله.
وإن بناء (الوسطية) في المجتمع هو بناء أفكار ورؤى ومتى ما صار الإعلام يمثل الوسطية بذوات ويخدمهم فإن فكر (الوسطية) يتجسد بذوات فقط ويصبح غير مؤثر، وكذلك المعالجة للتطرف والعنف يجب أن تنصب على الأفكار لا الذوات.
إن استخدام الذوات في الوسطية هو تمثيل فقط على الممارسة وليس تسويقاً شخصياً لأحد، فالموقف من الأشخاص متذبذب بينما الأفكار معالمها واضحة.
والتحدي الكبير في رأيي للإعلام هو ارتباط (الوسطية) بمتغيرات التاريخ والسياسة والفكر ، بلا شك أن الرأي في (الجهاد) اليوم ليس هو ذات الرأي خلال الثمانينات على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي وعلى مستوى الفتوى أيضاً.
فخلال الخمسينيات والستينيات مثلاً: ما موقف الإعلام ممن يرى حق (إسرائيل) في الوجود وما موقف الإعلام اليوم ممن يرى (فلسطين) من البحر إلى النهر. وقضايا كثيرة جداً.
إن الإعلام بحاجة إلى فكر قوي وصريح يناقش المتغيرات بشكل شفاف يبني في الأمة مفهوم (المقاصد، والمصالح والمفاسد ، والممكن وغير الممكن)
إن أفضل علاج لحساسية هذه المصطلحات هو اقتحامها وعلاجها بطريقة شفافة وتقبل الرأي المعارض فيها بأريحية عالية.
يقول المفكر الفرنسي (اسبنيوزا) (الحقيقة ما قبل جبال البيرينيه تعد خطأ فيما بعدها
) الوسطية) ليست منهجية القطار والسكة، أي ليست أفكاراً على خط واضح ثم تنطلق، إنها عملية مستمرة ومتتابعة تحتاج إلى تعزيز دائم، إنها الصراط المستقيم الذي أُمرنا أن ندعو الله أن يهدينا إليه عشرات المرات يومياً، والدعاء الدائم بالتوفيق لما اختلف فيه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا أتباعه، إنها جهود متوالية ودائمة تحث على مسلك الوسطية وتقلل من حجم التطرف يوماً بعد يوم.
ونختم المبحث بأن من يحمل لواء الوسطية في الإعلام هم أشخاص، لذا يجب اختيارهم بعناية لكي يمثلون الوسطية بسيرتهم وطبيعتهم، وليس من المناسب أبداً أن تسند هذه الملفات المهمة لمن يعرف بالخبث والسوء، أو أن تاريخه مليء بالصفحات السوداء.
إن كثيراً ممن أسلم من الصحابة يقول: نظرت إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان عليه الصلاة والسلام يعتني بالرسل للملوك والقبائل، لأن الرسالة والرسل فيهما تداخل كبير.
إن (الوسطية) مصطلح جذاب وهو حق وعدل ومن الظلم أن نضع بين يدي هذا الحق رسلاًًً لا تمثله .
وعندما يتمثل الإعلام (الوسطية) بصدق وإخلاص وعمل دءوب، فإنه سيؤثر قطعاً، وسيكون شاهداً على المجتمع، لأن الوسطية الصادقة مرتبطةٌ بالشهادة المؤثرة .
{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}
الأستاذ عادل الماجد
منقول عن مجلة الوسطية
مركز الماجد الثقافي// الامارات العربية
23/4/2009
ابحث
أضف تعليقاً