wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الإمام أبو حنيفة النعمان ودور العقل
الأربعاء, July 12, 2017

المهندس مروان الفاعوري*  

نقف اليوم عند حدود شخصية فكرية شغلت الدنيا بعصرها بما منحته من معرفة قابلة للقياس والتجديد في بناء الأمة الفكري، إذ انقسم العالم الإسلامي إلى مذاهب معدودة، احتل صاحبنا الإمام أبو حنيفة مساحة لا يُستهان بها في العقول على اتساع تواجدها.

إن المنهج العلمي الرصين الذي ارتضاه سبيلاً لمقارباته الفكرية والعقلية تجاه كل مسألة طارئة على البحث، قد أسهم بإيجاد مدرسة عقلية فكرية تحترم دور العقل في بيان مفاصل الحلال والحرام، والمندوب والمكروه، وغيره، وبما ينسجم مع الحكم الشرعي المستند إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة والقياس والإجماع المفضي إلى تهذيب الأحكام وتنقيتها من كل شبهة، فكلما ارتقى باستحضار العقل كان ذلك أدعى إلى استكمال الرأي الصائب في أي مسألة كانت.

ولعل ما سبق من قول أفاد المذهب الذي ارتضاه الإمام لنفسه، وهو المذهب العقلي في تناول كل مسألة، حتى غدا مذهبه بوابة عقلية لمن أراد أن يحكم على موقف الإسلام من القضايا المعاصرة والأحكام المستنبطة حولها.

ويرى الدارس في الفقه الإسلامي ما لايراه في الأديان الأخرى، وسبب ذلك ما جاءت به الشريعة الإسلامية من توازنات حقيقية مطلوبة يستقيم معها حال الفرد والجماعة معاً في أمري الدنيا والآخرة، فلا هي تركت العنان للروح لتسمو فوق كل شيء، فيصير الإنسان ملاكاً يدب على الأرض، ولا تركت الحالة الشهوانية تحكم جسده فيصير حيوانياً على الإطلاق، ولكن وازنت بين المادة والروح، فكان مزيجاً بين حالة إيمانية ترتقي بتقواها وورعها إلى مصاف الأتقياء الأنقياء الذين يزهدون في كثير من أمور الدنيا، وحالة يقينية تعود بالإنسان إلى حاجاته المادية والغرائزية التي يستقيم معها النظر إليه كإنسان متكامل – جسداً ونفساً وروحاً.

وهذا الأمر يستدعي استحضار العقل الذي يوازن بين متطلبات الوجود تلك، والحاجات التي تنبثق عنها، وإقامة معادلة حياتية تأخذ بأمر العقل ليكون حكماً على فعل الإنسان وقوله وحتى خياله، ومرد ذلك إلى الكثير من الآيات الكريمة التي تدعه إلى التفكّر والتدبّر والتبصر في كل أمر وتحترم العقل باعتباره مناط التكليف، ومن جاوزه بفعله أو تجاوزه إنكاراً لدوره عاش حياةً صعبة لا يستقيم الحال معها.

وكان من فضل الله على عباده أن جعل في الأمة ورثة لأنبيائه يعلمون الناس أمور دينهم، وبما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم كذلك, وممن أسند إليهم زعامة العلم في عصره الإمام الأعظم (أبو حنيفة النعمان) المولود في العام (80) للهجرة، في مدينة الكوفة من أعمال العراق والمتوفى عام (150) للهجرة في بغداد، وما بين عامي الولادة والوفاة عاش الإمام أبو حنيفة حياةً مليئةً بالأطوار الفكرية والثقافية التي تسند دور العقل وتحترمه، حتى اشتهر بعلمه وتقواه وورعه الذي أهّله ليكون فقيهاً يُشار إليه من علماء كبار أمثال الإمام الشافعي إذ قال فيه: “من أراد أن يتجر في الفقه فهو عالة على أبي حنيفة”.

وإذا كان الإمام قد عاش حياته متعلماً ومجادلاً ومعلماً، فذلك عائدٌ إلى شغفه بدراسة الفلسفة اليونانية وحكمة الفرس والعقائد النصرانية والمجادلة حولها، مستفيداً من التنوع في الأفكار والأعراق والأجناس التي شكلت عموم الناس في تلك الفترة، وما انبثق عن ذلك من شيعة وسنة وخوارج ومعتزلة، وما صدر عنها من تضارب في الآراء فنضج عقله بعد مخالطة تلك الأجناس والأفكار في سن مبكرة فاحتل مقعده بين المجادلين مقدماً حججه وبراهينه التي تدعم رأيه ومقولته.

إن اهتمامه بعلم الكلام والجدل وانصرافه عنه، ثم تتبعه لأمر الشعر، ثم عدوله عن السير به، ثم تتبع أمر الأدب والنحو وتحوله عنه، ورغبته بحفظ القرآن الكريم دون الجلوس إلى تحفيظه للأحداث، وكذلك أمر الحديث النبوي الشريف، قد ساقه كل ذلك إلى نتاج ذلك العلم الذي أهّله ليكون فقيهاً عالماً وربما لا يصدر رأيه إلاّ عن حكمة ودراية، يحيث يكون الرأي الصادر عنه مستنداً إلى مراجع التشريع الإسلامي ومصادره وفي مقدمتها القرآن الكريم، والسنة النبوية وإجماع العلماء والقياس والإستحسان والعرف والعادة.

وقد كان لدور العقل الحضور الذي يستحق في ذهن الإمام الذي تحدث في أمور جدلية كانت مثار جدل كبير بين علماء عصره مثل: القول بخلق القرآن، وصفات الله سبحانه وتعالى، من سمع وبصر – إلى غير ذلك.

ولما كانت رسالة المنتدى العالمي للوسطية تتضمن في بنودها نشر الثقافة والإعتناء بمصادرها وأعلامها ورموزها على مستوى الأمة والإنسانية جمعاء، فإن الإمام أبا حنيفة يحتل مساحة ذات شأن في الفقه الإسلامي، الأمر الذي يدعونا للتقدم وفق المنطلقات الفقهية لذلك الإمام، الذي راعى مصلحة العقل وما انبثق عنه، وهذا ينسجم مع فلسفة المنتدى التي تحترم الرأي والرأي الآخر الذي لا بد أن يحضر العقل في تشكيل ذلك الرأي وفق سياقات معرفية تلتقي هنا وهناك مع فكر أو طرح إسلامي ما، فنستقيد بذلك من المنجز العقلي الإنساني بشكل أو بآخر.

وفي ظل رغبة المنتدى المتجددة بإيلاء التجديد في الخطاب الدعوي الإسلامي وبما يتواكب ومعطيات العصر الذي نعيش، فقد أرتأينا تحريك الواقع الفكري الإسلامي بصورة حضارية، تحاول إظهار فكر وجهد وأثر عملاق من عمالقة الفكر الإسلامي خصوصاً والإنساني عموماً هو الإمام أبو حنيفة النعمان، وبما يملك من رؤى تستحق الحضور في كل مشهد فكري مهما تباعدت به عناصر الزمان والمكان، إذ يلحظ الجميع امتداد مذهبه رحمه الله على مساحة شاسعة في العالم الإسلامي وهذا ما يجعل قيمةً مضافة متجددةً لفكر الفقيه العالم أبي حنيفة النعمان، الذي عالج ومن منظور عقلي متقدم مسائل شائكة في عصره، أمتد الأثر الإيجابي في معالجتها إلى يومنا هذا.

ومن هنا ارتأى المنتدى أن يكون لهذه الشخصية الفكرية الفقهية الحضور الذي يستحق في مؤتمر مستقل يتناول الأبعاد الفكرية والثقافية لفكره وطروحاته المتعددة، وبما يُقدم مادة علمية حضارية يستشهد بمخرجاته على تطور الفكر الإسلامي وقابليته للتجديد في كل عصر وأوان.

*أمين عام المنتدى العالمي للوسطية

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.