wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الاختلاف الفقهي المباح وتوظيفه لوحدة الأمة
الخميس, August 18, 2011 - 06:30

طاهر حكيم
أستاذ قسم الفقه والأصول في الجامعة الإسلامية العالمية

إن من أكبر مشاكل المسلمين وأعظم ما أصيبوا به في الآونة الأخيرة وباء الاختلاف وداء الفرقة الاختلاف في كل شيء وعلى كل شيء حتى شمل العقائد والأفكار والتصورات.. وتعدى كل هذا حتى بلغ مسائل الفقه وفروض العبادات وقضايا فرعية أخرى.
ولا شك أن الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الأشياء والحكم عليها أمر طبيعي، نظرا لاختلاف وجهات النظر من حيث صحة المأخذ وقوة الدليل وحسن الاستنباط، وقد اختلف الصحابة والأئمة ومن بعدهم لكن اختلافهم في الرأي لم يكن سببا لافتراقهم إنهم اختلفوا لكنهم لم يتفرقوا لأن وحدة القلوب كانت أكبر من أن ينال منها شيء.
إذن الاختلاف في وجهات النظر في قضايا فرعية ظاهرة صحية تُغني العقل بخصوبة الرأي والاطلاع على وجهات النظر، وفيه رياضة للأذهان وتلاقح للآراء والأفكار، لكنه للأسف ينقلب عند بعض الناس إلى التفرقة والتشرذم والتصارع بل التحاور بالرصاص وحسم الصراعات بالدم والدمار، وهو يدل على ضيق الأفق والأنانية البغيضة والتعصب الممقوت والجهل المركب، ويفضى إلى بغي وشقاق بين المسلمين ويزداد الأمر سوءا ويعظم الخطب وتشتد النكارة عندما يكون سبب الافتراق ومبعث التنازع والشقاق، ومرد البغي والظلم إلى خلاف في أمر فقهي سوّغت الشريعة الاختلاف فيه وجعلتْ كلا من المختلفين مصيبا فيما ذهب إليه، كما هو الحال في الخلاف في صفات العبادة وهيئاتها التي وردت في السنة، على وجوه متعددة وصيغ مختلفة، وهو ما يعرف بـ "الاختلاف المباح".
وجاء هذا البحث والدراسة لبيان حقيقة هذا الخلاف وتوظيفه لرفع الخلاف وتضييق شقته وجمع الكلمة واجتماع القلوب ووحدة الصف عبر مطالب عديدة.
 
أولا: الاختلاف المباح:
هو الذي يباح فيه العمل بأيّ قول من الأقوال الواردة في المسألة، لثبوتها كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان أحد هذه الأقوال أرحج من الآخر، لكن الفقهاء يتفقون على جواز العمل بالكل، فهذا النوع من الاختلاف دال على الإباحة والتوسيع على العباد. قال الإمام ابن تيمية: "هو ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً". ثم مثل له بالاختلاف الوارد في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح والتشهدات وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، ثم قال: "وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعه أفضل". وعرفه بعضهم بأنه: "ما لا يكون فيه أحد الأقوال مناقضا للأقوال الأخرى". ومن الباحثين من عرفه بأنه: "عبارة عن الآراء المتعددة التي تصب في مشرب واحد". وهذه التعريفات كلها متقاربة، وهي تدل على أمرين هامين. أولهما: عدم المناقضة والتضاد بين الأقوال في الاختلاف المباح، والآخر: اكتساب صفة المشروعية في الأقوال كلها في الاختلاف المباح، فجميعها حق لا باطل فيها، وصواب لا خطأ فيها.
ويقابله: الاختلاف التضاد وهو من المضادة، وهي المخالفة والمباينة وهو: ما كانت الأقوال في المسألة المختلف فيها متضادة، متعارضة، كل قول يناقض القول الآخر ويباينه وينافيه، كمن يوجب شيئاً والآخر يحرّمه، أو كمن يستحب شيئاً والآخر يكرهه.

ثانيا: أسماء الاختلاف المباح:
هذا النوع من الاختلاف الفقهي يعبر عنه الفقهاء بعدة تعبيراتٍ وأسماء، وذلك بالنظر إلى طبيعته وحقيقته. فمنهم من يسميه بالاختلاف المباح ـ كما سمّيناه ـ وذلك بالنظر إلى أن كل الأقوال تتفق على الجواز والإباحة، فيصح العمل بها جميعا، لأنها واقعة في دائرة المباح. وهذا الإمام الشافعي رحمه الله وضع بابا في كتابه "اختلاف الحديث" فقال: "باب الاختلاف من جهة المباح".
ومن العلماء من يسمي هذا الاختلاف: اختلاف في الاختيار والأولى، كما قال عنه الإمام ابن القيم رحمه الله: "وهنا نوع آخر من الاختلاف، وهو وفاق في الحقيقة، وهو اختلاف في الاختيار والأولى بعد الاتفاق على جواز الجميع كالاختلاف في أنواع الأذان...".
 ومنهم من يسمّيه بـ: اختلاف التنوع. يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في بيان أنواع الاختلاف: "فهو في الأصل قسمان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد". ثم قال: "... وهذا القسم ـ الذي سمّيناه: اختلاف التنوع ـ كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد...".

ثالثا: فيما يقع فيه هذا النوع من الاختلاف:
وإذا تقرر هذا، فإن هذا الاختلاف يقع في ثلاثة أمور من العبادة،  الأول: يقع في صفة العبادة كالاختلاف في صفة صلاة الخوف، أو في صفة الحج من حيث القران أو الإفراد أو التمتع، والثاني: يقع في هيئات العبادة كهيئة وضع اليدين في الصلاة، وهيئة قبض أصابع اليد اليمنى في جلوس التشهد. والثالث: يقع كذلك في الأذكار داخل الصلاة وخارجها. ولا يقع هذا الاختلاف في أبواب الفقه الأخرى ــ غالبا ــ بل الاختلاف الواقع فيها هو اختلاف تضاد. كما لا يقع هذا الاختلاف في مسائل الأصول والاعتقاد.

رابعا: مشروعية الاختلاف المباح:
 هذا الاختلاف ـ بتعريفه السابق ـ اختلاف مشروع سائغ مقبول، لا يُخطّأ فيه أحد من المختلفين، ولا يلحق المدح والذم أحدهما. لأن ما تضمنه كل قول من الأقوال المختلفة حق وصواب، ولهذا فأطراف الخلاف فيه مصيبون من غير تردد، مأجورون بمجرد الفعل، وهذا بخلاف اختلاف التضاد فالأجر فيه على الإصابة ـ إن كان المجتهد مصيبا ـ أو على الاجتهاد وحده ـ إن كان مخطئا ـ. ومما يدل على مشروعية هذا الاختلاف ما يأتي:
1- الاختلاف الوارد في القراءات، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم كل من قرأ على حرف منها، وإخباره بأن ذلك شافٍ كافٍ، وأن الكل محسن.  ففي حديث عمر رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم.
2- ومما يدل على مشروعية الاختلاف المباح: أن كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه العبادات وصفاتها وهيئاتها سواء من قوله أو فعله أو من قوله وفعله، صح العمل به وجاز التعبّد به إلا أن يتعذر العمل بجميع الأحاديث للتناقض بينها، وما كان من باب الاختلاف المباح من أنواع العبادة وأذكارها فليس للتناقض إليه سبيل.
3- ومما يدل على ذلك أيضاً: ما يذكره الفقهاء من حكاية الإجماع في بعض مسائل الاختلاف المباح على مشروعية الوجوه والصيغ كلها، كإجماعهم على التشهد بأيّ صيغة ثابتة وصلاة الخوف بأيّ صيغة ثابتة وإيتار الإقامة وشفعها ونحو ذلك

خامسا: الحكمة في مشروعية الاختلاف المباح:
1ـ تحقيق مصالح العباد:

لا شك أن الشريعة الإسلامية مبنية على تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، سواء ما أمرت به من فرائض و مندوبات أو ما نهت عنه من محرمات ومكروهات، فهي في كل ذلك تهدف إلى تحقيق مصالح ومقاصد وحكم، ثم هذه المصالح والحكم منها ما يدركه العباد بعقولهم وإفهامهم، ومنها ما تقصر العقول والإفهام عن إدراكه. لكن حكمة ما شرعه الله عز وجل لعباده من العبادات التي تعددت وجوهها وتنوعت صيغها ظاهرة، والمصلحة من ورائها مدركة، حيث يحصل بذلك من التيسير والتخفيف والسعة والرحمة ما لا يخفى، حيث يختار المكلف من الوجوه ما شاء، مما يتناسب مع حاله أو وقته، أو فهمه وحفظه مما يندفع به الحرج والمشقة.
وقد كان السلف يحبون هذه التوسعة على المكلف ويعدون ذلك من نعم الله التي توجب شكرها. فقد روى غضيف بن الحارث قال: "قلت لعائشة: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أول الليل وربما اغتسل في آخره، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل وربما أوتر في آخره، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقرآن أم يخفت به؟ قالت: ربما جهر به  وربما خفت، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة"
2ــ تضييق شقة الخلاف وجمع الكلمة لأن المكلف إذا علم أن العبادات والأقوال الواردة على وجوه متعددة، وصيغ مختلفة يجوز فعلها والإتيان بها على تلك الوجوه الواردة فيها كلها من غير كراهة لبعضها، كان هذا داعية إلى الاتفاق، وطريقا لرفع الخلاف واجتماع القلوب، وهذه مصلحة عظيمة وحكمة مقصودة، ندب إليها الكتاب والسنة.
بينما هجر العمل به سبب لنسيانه، ومن ثم: طريق إلى الاختلاف والعداوة، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "وهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة والبغضاء بين الأمة، قال تعالى: "وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ" فأخبر سبحانه أن نسيانهم حظاً مما ذكروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، فإذا اتبع الرجل جميع المشروع المسنون، واستعمل الأنواع المشروعة هذا تارة، وهذا تارة، كان قد حفظت السنة علماً وعملاً، وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك". قال رحمه الله مبينا ما يحصل بسبب الجهل به من تعصب وتنازع يؤدي في بعض الأحيان إلى العداوة والبغضاء، بل والتقاتل ـ عياذاً بالله عز وجل ـ بين المختلفين: "... وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه، مما سوّغه الله تعالى، كما يفعله بعض أهل المشرق، فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً"

3ــ تحقيق كمال الاقتداء:
يحصل به تحقيق كمال الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك بفعل العبادة على جميع الوجوه التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وإن لم تدرك الحكمة من تعدد الوجوه واختلافها ـ وبهذا يتعمق معنى المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في نفس المؤمن ويظهر كمال الاتباع له صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا باعث له على ذلك إلا تحقيق الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم وهذا بخلاف ما لو اقتصر على وجه واحد فإنه مع طول المداومة عليه وملازمته يضعف معنى المتابعة عند المكلف أو يغيب عنه.
4ــ تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم:
إن العمل بالاختلاف المباح وما ورد فيه من التنوع يسهم في تحقيق مقصد من أعظم المقاصد الشرعية، ألا وهو تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرها، ووجه ذلك: أن الاعتماد بمنهج التنويع بين الوجوه المتعددة عند أداء العبادة يؤدي إلى العمل بكل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم وعدم الاقتصار على وجه من الوجوه، وهجر ما سواه، وفي ذلك من العمل بالسنة وتعظيمها ما لا يخفى
5ــ تحقيق مصلحة وحكمة شرعية:
في العمل به يتحقق للمكلف بما في كل وجه من وجوه العبادة من المصلحة الشرعية والحكمة الدينية، فإن جميع ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأفعال والأقوال ينطوي على حكم ومقاصد، تزكو بها النفس ويصلح بها القلب، ولكل وجه خاصية في التذلل والتعبّد، ليس من الضروري أن تحقق بغيره، وعلى هذا فالإتيان بجميع ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه العبادة على سبيل التنويع وسيلة لتحصيل ما في كل وجه من المقاصد الشرعية والمصالح الدينية، وفي الاقتصار على وجه واحد منها، إهمال وتضييع لهذه الفوائد والمصالح.

6ــ اعمال للنصوص كلها:
إن العمل به إعمال للنصوص كلها، وما كان كذلك فهو أولى من قول يلزم منه إعمال لنص وإهمال لآخر، وهذا منهج المحققين، لأن فيه عملا بالسنن كلها، ولأن جميع ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم له حكمة مقصودة فلا يهمل منه شيء. وللإمام ابن القيم رحمه الله كلام نفيس مؤكد لهذا الأسلوب عند ذكر منهجه في تأليف كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، قال: "وليس مقصودنا إلا ذكر هديه صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي  لاينكر فعله شيء، ونحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز وما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله"

شروط العمل بالاختلاف المباح:
وإذا تقررت مشروعية هذا الاختلاف وظهرت حكمته، فإن هذه المشروعية مقيدة ومشروطة بأمور، منها:
1- صحة الدليل الذي يفيد بأن كل هذه الصفات الواردة جائزة مشروعة ثابتة، مثل ما جاء عن الإمام أحمد رحمه الله في صفات صلاة الخوف، قال: "صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه أو ستة"، وفي رواية عنه قال: "على أيّ حديث صلوها أجزأهم مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا أعلم فيه إلا حديثا ثابتاً".
2- أن تكون الوجوه المتنوعة للعبادة وهيئاتها المتعددة واردة على محل واحد وحالة واحدة، وأما إذا كانت الوجوه والهيئات محمولة على تعدد المحل واختلاف الحالة، فلا يعد ذلك من الاختلاف المباح، وإن عُمل بالوجوه جميعاً، ما دامت منزلة على اختلاف الحالات. ومن أمثلة ذلك القنوت في الفرائض، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الفعل، كما صح عنه الترك، فلا يقال في ذلك إنه من الاختلاف المباح، لأن السنة جاءت بالأمرين، وذلك لأن قنوته صلى الله عليه وسلم كان لحال، وتركه له كان لحال أخرى. قال الإمام ابن تيمية: "والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قنت بسبب، وتركه لزوال السبب، فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب".
3- أن تكون الوجوه المأثورة في الاختلاف المباح كلها محكمة غير منسوخة، فإن كان فيها وجه منسوخ فلا يعمل به، ويتعين العمل بالناسخ. ولا يكون هذا من باب الاختلاف المباح.
4- أن لا تكون الوجوه من قبيل التلفيق بين الصفات أو بين الصيغ المتعددة، كالتلفيق بين تشهد ابن مسعود وتحياته وصلواته، وبين زاكيات تشهد عمر ومباركات ابن عباس، بحيث يقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات والمباركات والزاكيات". فإن التشهد بهذه الصيغة الملفقة لا يعد وجها من وجوه الاختلاف المباح المشروع وإن كانت مفردات هذه الصيغة، وجملها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
5- أن لا يكون العمل بإحدى الوجوه الثابتة للعبادة سبباً لحدوث فتنة أو تشويش بين العامة، فقد يكون أداء الأذان بالترجيع ـ مثلاً ـ في بيئة لا يعرف أهلها ذلك مدعاة للتشويش عليهم، مما قد يصل إلى التباغض والتهاجر وما هو أعظم من ذلك.
6- أن لا يترتب على تسويغ هذا الاختلاف بغي بين المختلفين، بأن تعتقد كل طائفة صواب ما ذهبت إليه، وخطأ ما ذهب إليه غيرها، فإن هذا ينقل هذا الاختلاف من دائرة الاختلاف المباح المشروع إلى دائرة الاختلاف المذموم.

نماذج تطبيقية من الاختلاف المباح الدال على التآلف وجمع الكلمة ووحدة الصف:
ونذكر فيما يلي بعض النماذج التطبيقية من الاختلاف المباح:

1-عدد مرات الغسل في الوضوء:
روى الإمام الشافعي في كتابه اختلاف الحديث( ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضّأ وجهه ويديه ومسح برأسه مرة مرة. وروى من حديث عثمان ابن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً. وروى من حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين. ثم قال الشافعي: "ولا يقال لشيء من هذه الأحاديث مختلف مطلقا ولكن الفعل فيها يختلف من وجه أنه مباح، لا اختلاف الحلال والحرام، والأمر والنهي، ولكن يقال أقل ما يجزئ في الوضوء مرة، وأكمل ما يكون من الوضوء ثلاث".
2-الاختلاف في الجهر بالبسملة والمخافتة بها في الصلاة:
اختلفوا في ذلك، فذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد إلى عدم الجهر بها في الصلاة ـ أي في الصلاة التي يجهر بالقراءة فيها. وقد وردت أحاديث أخرى في الجهر بها عن نفر من الصحابة.
قال ابن تيمية: "وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة بها، صح الجهر بها عن طائفة من الصحابة، وصحت المخافتة بها عن أكثرهم، وعن بعضهم الأمران جميعاً". قلت: إذاً هو من الاختلاف المباح فيجوز العمل بكل منهما، يفعل هذا تارة وهذا تارة حفظاً للسنة وبقاءً لها وتمسّكاً بها، فهو من كمال الديانة وسلامة المذهب. ويتحقق به التآلف وجمع القلوب ووحدة الصف.
(قال الإمام الحازمي: "والصواب في هذا الباب أن يقال: هذا أمر متسع، والقول بالحصر فيه ممتنع، وكل من ذهب فيه إلى رواية فهو مصيب متمسّك بالسنة"). وقد بوّب الإمام ابن خزيمة في صحيحه باباً بعنوان: "باب ذكر الدليل على أن الجهر بـ: "بسم الله الرحمن الرحيم" والمخافتة به جميعا مباح، ليس واحد منهما محظوراً، وهذا من الاختلاف المباح"، وهذا حسن، والله أعلم.
3-الاختلاف في أنواع التشهد:
 واختلفوا في أنواع التشهد المختار منه. فاختار الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وجماعة من السلف تشهد ابن مسعود رضي الله عنه.  واختار الإمام مالك تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأما الإمام الشافعي فاختار تشهد ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن عبد البر بعد أن ساق الخلاف في التشهد: "والذي أقول به ـ وبالله التوفيق ـ أن الاختلاف في التشهد، وفي الأذان ... وما كان مثل هذا كله، اختلاف في مباح كالوضوء واحدة واثنتين وثلاثاً ... وهلم جراً، فدل على أنه مباح كله إباحة توسعة ورحمة، والحمد لله".

4-الاختلاف في كيفية الأذان والإقامة:
اختلف أئمة الأمصار في كيفية الأذان والإقامة: فذهب الحنفية وسفيان الثوري إلى أن الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى.
وذهب الإمام مالك والشافعي وأصحابهما إلى أن الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة مرة إلا أن الشافعي يقول في أول التكبير: "الله أكبر" أربع مرات.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وحملوه على الإباحة والتخيير، وقالوا: كل ذلك جائز، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جواز ذلك وعمل به أصحابه، (فمن شاء قال: الله أكبر، الله أكبر، مرتين في أول الأذان، ومن شاء قال ذلك أربعاً، ومن شاء رجّع في أذانه، ومن شاء لم يرجّع، ومن شاء ثنّى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال).

5-الاختلاف في عدد الصلاة بعد الجمعة:
اتفقوا على سنية الصلاة بعد الجمعة لثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن اختلفوا في مقدارها. فذهب جماعة من أهل العلم منهم ابن مسعود وعلقمة والنخعي والثوري وابن المبارك والحنفية ـ غير أبي يوسف ـ إلى أن السنة بعد الجمعة أربع ركعات، (وصرّح أكثر هؤلاء أنه إذا صلى أربعاً  لا يفصل بينهن بسلام. واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً").
وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم منهم: عمر وعمران بن حصين والنخعي والشافعي إلى أنه يصلي بعد الجمعة ركعتين وعن الشافعي: يستحب بعدها أربعاً.
قال الخطابي: "وهذا ـ والله أعلم ـ من الاختلاف المباح، وكان أحمد بن حنبل يقول: إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعاً ...". قال ابن قدامة: "ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كله بدليل ما روي من الأخبار ...".

6-الاختلاف في كيفية صلاة الخوف:
صلاة الخوف مشروعة في أثناء قتال الكفار، وثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا في أوقات مختلفة وفي أشكال متباينة.
وقال الخطابي: "صلاة الخوف أنواع، وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وعلى أشكال متباينة يتوخى في كل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صوره مؤتلفة في المعاني. (ونقل الحافظ ابن حجر عن طائفة من العلماء: "أنه يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف، فإذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة"). وقال الإمام الشافعي: "أن هذا كله جائز، وأنه من الاختلاف المباح فكيف صلى الإمام ومن معه على ما روي أجزأ، وإن اختار بعضه على بعض.

18/8/2011

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.