wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التطرف
الأربعاء, December 11, 2013

مصطلحات التطرف

 
التطرف في اللغة معناه الوقوف في الطرف بعيدا عن الوسط ، وأصله في الحسيات كالتطرف في الجلوس أو الوقوف أو المشي ، ثم انتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدين أو الفكر أو السلوك . 
إن التطرف في جميع الأحوال ظاهرة مرضية تعبر عن حالة غضب واحتقان ، وهو مؤشر على وجود خلل ما في النفس الإنسانية أو في الظروف التي تحيط بتلك النفس ، والإنسان السوي بطبيعته يرفض التطرف ويضيق بالعنف لأن الفطرة السليمة تأبى ذلك وتنفر منه .
وإذا كان مصطلح التطرف لم يرد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ، فقد وردت مصطلحات مرادفة له  تحمل الدلالة نفسها وترمي إلى المفهوم نفسه ، ويظهر أن مصطلح "الغلو" هو أكثر تلك المصطلحات تعبيرا عن معنى التطرف كما أنه أكثر ورودا في النصوص الشرعية وخاصة في السنة النبوية . ولما كان التطرف بعيدا عن الوسط ونقيضا له ، فإن القرآن الكريم نص على خاصية الوسطية لكونها إحدى الخصائص العامة للإسلام وأبرز المعالم الأساسية التي ميز الله - تعالى - بها أمة الإسلام عن غيرها ، قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)(سورة البقرة الآية 143 )  فالأمة الإسلامية أمة العدل والاعتدال التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يمينا أو شمالا عن خط الوسط المستقيم . بيد أن القرآن الكريم والسنة النبوية تحدثا عن التطرف ضمن مصطلحات وعناوين مختلفة منها : التنطع والتشديد والتعسير والغلو في الدين وغيرها .

ا - التنطع 
مأخوذ من النّطع ، وهو الغار الأعلى من الفم ، ثم استعمل في كل تعمق قولا أو فعلا  وهو بمعنى مجاوزة الحد والخروج عن حد الوسط . وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  هلك المتنطعون  . قالها ثلاثا . قال النووي في شرحه للحديث : " أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم " .
والملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمل هنا لفظة " الهلاك" كما استعملها في حديث النهي عن الغلو إشارة إلى عاقبة الغلاة والمتنطعين في أمور الدين وكفى بهذا زجرا وترهيبا ، ومنه حديث عمر رضي الله عنه : " لن تزالوا بخير ما عجلتم الفطر ولم تنطعوا تنطع أهل العراق" . أي تتكلفوا في القول والعمل . وقد يكون التنطع بمعنى التعنت في السؤال عن عويص المسائل التي [ص-10] يندر وقوعها حتى يفضى بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتى بالإذن ، وقد نبه القرآن الكريم على هذا الأمر ، فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(سورة المائدة الآية 101)  .
فالنصوص القرآنية والحديثية السابقة تهدف جميعها إلى اتباع منهج التسهيل والتخفيف والبعد عن التعمق والتدقيق في فروع المسائل والقضايا حتى لا يتم تجاوز اليسر إلى العسر والخروج من السعة إلى الحرج الذي نهى الله عنه في قوله تعالى : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(سورة الحج الآية 78 )  .
ومما لا ريب فيه أن سلوك مسلك التنطع والتعمق يدفع إلى التشديد في الأمور الصغيرة والضيق بكل مخالف فيها عكس ما تجلبه السماحة واليسر من أسباب الوفاق والوئام .
ب - التشديد 
وهو النزوع إلى ما يناقض التخفيف والتيسير ، وقد روى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :  لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات :( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ )( سورة الحديد الآية 27) .
وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري :  لن يشاد الدين أحد إلا غلبه  وقد أنكر القرآن الكريم على أصحاب نزعة التشديد والتضييق على النفس في تحريم الطيبات والزينة التي أخرج الله لعباده ، فقال تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(سورة الأعراف الآية 31-32)  وجاء في سورة المائدة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(سورة المائدة الآية 87 )  .
وفي السنة النبوية الشريفة نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاوم كل اتجاه ينزع إلى التشديد ويميل إلى الغلو في التدين ، وقد أنكر عليه الصلاة والسلام على من بالغ من أصحابه في التقشف والتعبد مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال والتوسط الذي هو منهج الإسلام القويم ، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها  أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فكأنهم تقالوها ( أي عدوها قليلة) فقال بعضهم : لا آكل اللحم . . وقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم الآخر : لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "ما بال قوم يقول أحدهم كذا وكذا ، لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني  . 
فإذا كان بعض الصحابة قد بالغ في العبادة وتشدد في الإعراض عن الدنيا فإن التوحيه النبوي واضح في التنبيه والتحذير من عدم التوازن والاعتدال في فهم الدين وتطبيقه ، والغلو في معاملة النفس والأهل والناس .
ج - التعسير 
ومعناه جعل الأمر اليسير عسيرا والسهل صعبا ، قال تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(سورة البقرة الآية 185 )  وجاءت الوصية النبوية العامة موجهة نحو التسديد والمقاربة وعدم مغالبة الدين فقال صلى الله عليه وسلم :  إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا  . . "  أي الزموا السداد وهو الصواب بلا إفراط ولا تفريط وإذا لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه .
 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.