wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التعامل مع "داعش": أي ثمن؟ أي مخاطر؟
السبت, August 8, 2015

السياسة السليمة تتطلب أكثر من مجرد التقييمات التكتيكية في مواجهة مجموعة الدولة الإسلامية "داعش"، تميل واشنطن إلى مناقشة خيارات سياسية يحددها حجم التكاليف التي يفترض أننا على استعداد لتحملها. ولذلك نناقش الآن: ما الذي سيكون الأكراد والسنة في الأنبار قادرين على فعله بالأسلحة التي نزودهم بها، إذا ما التففنا على بغداد؟ ماذا لو أدخلنا مئات إضافية عدة من قواتنا الخاصة هناك؟
ينطوي هذا النهج على مخاطر على المنطقة وعلينا نحن أيضاً. وكما قال رونالد ريغان عن السياسات الأميركية الفاشلة في أواسط السبعينيات: "التجوال بلا هدف هو ما يصف سياستنا... لقد قدمنا ما يكفي من الدعم فقط لأحد الأطراف لمجرد تشجيعه على القتال والموت، لكنه كان أقل كثيراً من أن يعطيهم الفرصة للفوز. وفي الأثناء، كنا غير محبوبين لدى الفائز، وفاقدين لثقة الخاسر، ويُنظر إلينا في العالم على أننا ضعيفون وغير واثقين".
إن التقييمات التكتيكية ضرورية، لكن القرارات السياسية السليمة تتطلب أكثر من مجرد ذلك. كما سيعتمد ما يجب أن نفعله إلى حد ما أيضاً على ما هو على المحك وتحت الخطر بالنسبة لنا.
ما الذي كان على المحك بالنسبة لأميركا في التسعينيات في أفغانستان؟ الكثيرون قالوا حينذاك: "ليس الكثير". سوف تنجم مجموعة أو أخرى من المشاحنات الأفغانية، بالقليل من التداعيات على أميركا الواقعية، كما يفترض. ولم تفعل فظاعات حركة طالبان ضد الأفغان شيئاً يُذكر لتغيير ذلك التقييم. لكن ناتجاً واحداً مخصوصاً -11 أيلول (سبتمبر) و3000 قتيل أميركي- غير ذلك كله.
غير أن الهجمات على مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع كانت الناتج الوحيد الممكن لدولة أفغانية إرهابية. وقد حذرت العديد من اللجان القومية من كلا الحزبين في التسعينيات من أن أميركا يمكن أن تواجه هجمات إرهابية أكثر كارثية باستخدام الأسلحة البيولوجية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وسوف يتجاوز حجم الخسائر الناجمة عن يوم واحد من مثل هذه الهجمات عشرات الآلاف من الضحايا، كما حذر الحكماء.
في حقيقة الأمر، أصبحنا نعرف الآن أن الإرهابيين الإسلامويين في التسعينيات كانوا يسعون إلى امتلاك مثل هذه الأسلحة. ويبرر الخطاب المتطرف وبعض الأحكام الشرعية الإسلامية شن مثل هذه الهجمات. وهناك، لم يكن ثمة خطر لا يمكن التنبؤ به، وإنما واحد منطقي وتمكن ملاحظته جيداً.
القلق من مثل هذا الهجوم، سواء كان ذلك صواباً أو خطأ، أثر على تقييم الرئيس جورج دبليو بوش فيما بعد 11 أيلول (سبتمبر) لعراق صدام حسين. ولم يكن بوش يخشى خطط العراق الراهنة، وإنما، كما قال، ذلك "التهديد المتجمع" الذي يشكله نظام عدواني قاتل، والذي أثبت امتلاكه قدرات أسلحة الدمار الشامل. هل كان صدام، لو بقي في السلطة، سيزيد من فوضى المنطقة، ويسلح الإرهابيين، أو يطلق خلسة هجوماً بأسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة وحلفائها، على نحو يُقزِّم خسائر 11 أيلول (سبتمبر)؟ كانت هذه هي الاحتمالات التي قادت خيارات بوش.
عن طريق إسقاط صدام بطريقة استباقية، قبل بوش بحمل عبء عدم معرفة المخاطر التي ربما كنا سنواجهها أبداً.
الآن، مرة أخرى يجب علينا أن نسأل: ما هو الذي على المحك بالنسبة لأميركا في العراق والشرق الأوسط؟ ومرة أخرى يقول الكثيرون: "ليس الكثير"، أو يقدرون على الأقل أن المخاطر تستحق مساعدة محدودة فقط من الدعم الأميركي الجوي والقوات الخاصة. إنها في الأساس معركة شخص آخر، كما تقول تلك الأصوات، ومثل هذه المساعدة يجب أن تمكن القوات المحلية من هزيمة "داعش" أو احتوائه. وعلى أي حال، كما يصرون، سوف يكون أي تدخل أميركي أكبر بلا طائل في نهاية المطاف، وسوف يجعل الأمور أسوأ. فبعد كل شيء، كانت المغامرات الأميركية سيئة الحسابات هي التي جلبت لنا "داعش" كما هو اليوم. ووفق هذا الرأي، كان تقسيم عراق ما بعد صدام شيئاً حتمياً لا مفر منه، وليس النتيجة المباشرة لانسحاب أميركا في العام 2011. وبخلاف ذلك، فإنهم يتنبأون بأن السنة العراقيين لا يستطيعون صد سيطرة الأصوليين لوقت طويل، فلماذا نبدأ؟ حتى أن قطع إمدادات البترول لن يؤثر بشكل كبير على ولايات متحدة مكتفية ذاتياً بالطاقة إلى حد كبير. وبالنظر أبعد إلى الأفق، يستشرف الرئيس باراك أوباما أن المنطقة سوف تصل عند نقطة ما إلى توازن حميد، أو حميد خارجياً على الأقل.
ربما ستفعل، لكن الحماس لهذه الآراء التي ستكون قابلة للنقاش بغير ذلك، يبدو مفصلاً بشكل ملائم لمسار غير مفضل لخيار القيام بعمل. وحتى الآن، لا يزعم حتى أكثر الأنصار تفاؤلاً بأن المسار الحالي سوف يفضي إلى طرد "داعش" في أقل من خمس سنوات.
إذا حكم تنظيم "الدولة الإسلامية" لسنوات، أي ثمن ربما تتكبده أميركا نفسها جراء ذلك، وليس العراق وجيرانه فحسب؟ وإذا ما تمكن "داعش" الذي تم الغض من شأنه في وقت قريب فقط باعتباره مجرد فريق ناشئ، من السيطرة لسنوات على تعليم وأنشطة مئات الآلاف من الصغار العراقيين والسوريين والمتطرفين الأجانب، فما الذي قد يفعله هؤلاء ذات يوم؟ هل يقوم رجال شريرون داخل "داعش" بتوزيع -أو يقوم آخرون يستلهمونهم- بتطوير أسلحة الدمار الشامل ليتداولوها سراً أو يستخدموها خلسة ضد الولايات المتحدة أو حلفائنا؟ ما الذي ربما يفلت من عقاله في حال انشق "داعش" عندئذٍ أو فشل، كما نأمل الآن ونتكهن بحزن؟
دعونا نقيم هذه المخاطر بصراحة: إننا لا نعرف الآن ما قد يأتي. ونحن ندرك أن من المحتمل نشوء تداعيات مرعبة عن أي قرار يمكن اتخاذه الآن.
بينما كان ينظر في الوضع المتدهور لأوروبا الشرقية في العام 1938، تنبأ ونستون تشرشل: "لا تفترضوا أن تكون هذه هي النهاية. إنها مجرد بداية الحساب. إنها الرشفة الأولى فحسب، وأول النذر لكأس مرة سيتم تقديمها لنا سنة بعد أخرى...".
هل نقبل بالتداعيات التي يمكن توقعها، أو نقرر على الأقل أننا غير راغبين في دفع ثمن غير أكيد اليوم من أجل فرصة غير أكيدة في تجنب دفعه غداً؟ أم أننا ربما نقرر أن أفق الخسائر المروعة يستحق تحمل المخاطر والكلف الأعلى قصيرة المدى، مهما كان ذلك مثيراً للاشمئزاز؟
سواء كان ذلك عادلاً أم لا، فإننا ربما نعاني إذا ما تعثر الشرق الأوسط. وهذه كلها مخاطر غير مرغوب فيها. ويجب أن نقول بصراحة إننا نختار أن ندير هذه المخاطر، ولا نؤكد يقيننا بأن المسار الحالي هو الأمثل لتفاديها. أو أنه يجب علينا أن نواجه علناً -وأن لا نتجاهله استباقياً بوصفه غير مقبول- ذلك السؤال عما إذا كان يمكن لعمل أقوى أن يوفر منطقياً ما هو أكثر في السنوات المقبلة مما تتم المغامرة به بشكل خطير اليوم.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.