
بقلم: د .هايل داود
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد
فهذه ورقة تتناول بعض الأحكام المتعلقة بالتعامل مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي مقدمة في ورشة العمل " شرح مضامين رسالة عمان سائلا من الله عز وجل التوفيق والسداد
طبيعة العلاقة مع غير المسلمين في التشريع الإسلامي
من القضايا التي شغلت العلماء قضية طبيعة العلاقة مع غير المسلمين وهل الأصل في هذه العلاقة السلم أم الحرب وانقسم العلماء إلى فريقين فريق يرى أن الأصل في العلاقة هو الحرب ، وأن السلم حالة طارئة ، وأن على المسلمين أن يستمروا في حرب غير المسلمين ما داموا قادرين على ذلك ولا يصح لهم مهادنتهم إلا لفترة مؤقتة أختلفوا في مدتها وجعلها أغلبهم لا تزيد على عشر سنين ، ولا تنتهي حالة الحرب نهائيا إلا بإسلامهم أو دفعهم الجزية ،ويستدل هذا الفريق لقوله بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية ومن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه مع المشركين ، وكذلك فعل الصحابة ومن بعدهم وهذا هو قول جمهور العلماء المتقدمين ، وفريق آخر يرى أن الأصل في العلاقة هو السلم لا الحرب ، وأن الحرب هي حالة طارئة ، ويستدل على قوله بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية ومن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه مع المشركين ، وكذلك فعل الصحابة ومن بعدهم وهذا هو قول جمهور العلماء المتأخرين أو المعاصرين
وإن من القضايا والمسائل ذات الصلة بهذا الموضوع والتي أدت إلى هذا الإختلاف ما يلي :
1 – عدم أخذ النصوص التي بحثت موضوع الجهاد جملة واحدة ، حتى نستطيع أن نفهم مقاصدها ، بل نأخذ منها نصوصا متفرقة بحسب ما يخدم الفكرة التي نريد
2 – القول بفكرة نسخ الآيات القرآنية التي جاءت بمنع الإعتداء على غير المسلمين وعدم مقاتلة إلا من يقاتلنا كقوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقد قال بعض العلماء أن هذه الآيات منسوخة بآية السيف "قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة " فرد عليهم ابن تيمية بأنه لا يعقل أن تكون أية واحدة أسموها آية السيف ناسخة لبضع وثمانين آية تدعو إلى الكف عن المشركين والإعراض عنهم وعدم الإعتداء عليهم
وقد أكد سيد قطب فكرة المرحلية في آيات الجهاد لا النسخ ، بمعنى أن لكل حالة أو وقت أو طائفة من غير المسلمين ما يناسبها من أحكام ، ولا يوجد في آيات الجهاد ناسخ ومنسوخ
3 – أن كثيرا مما قاله الفقهاء السابقون في هذا الموضوع له علاقة بطبيعة البيئة والمرحلة التي عاشوها وطبيعة العلاقات الدولية التي كانت سائدة بين الدول حينها ، وليس شرطا أن يكون صالحا لكل زمان ، فقد تغيرت اليوم المفاهيم الدولية ، وأصبحت تدعو إلى سيادة الدول وعدم الإعتداء فلا يعقل أن نبقى نردد مصطلحات دار الإسلام ودار الحرب ولا ثالث لهما .
4 – مع الإقرار والإيمان أن السنة مصدر ثابت من مصادر التشريع ، لا يصح الإيمان دونه " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ولكن لا بد من فهم تصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين وهل هي أحكام نهائية ليس لنا الإجتهاد فيها ، أم لا بد من التفرقة بين تصرفاته التي تدخل في باب السياسة الشرعية ومراعاة الواقع والتعامل معه بصفته قائدا وأميرا ، أو التصرفات الوقتية ، وبين القواعد الدائمة ، فإن من السنة ما يعد تشريعا دائما ، ومنها ما يعد تشريعا وقتيا ، ومن أمثلة ذلك مسألة الأسرى ، تحديد مدة المعاهدة مع قريش بعشر سنين ، النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ، النهي عن زيارة القبور وهي مسألة انتبه لها العلماء السابقون مثل القرافي.
إن جزء كبيرا من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل العلاقة مع الغير ، أو العلاقات الدولية يدخل في باب السياسة الشرعية التي تعني تدبير ولي الأمر لمصالح المسلمين بما يؤدي إلى دفع الضرر وتحقيق المصالح ، والموازنة بين المصالح والمفاسد ، ولا يشترط أن تكون أحكاما نهائية ملزمة ، وقد وصفها ابن عقيل كما ذكر إبن القيم في الطرق الحكمية بأنها ما يكون الناس بها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم ينطق بها رسول أو ينزل بها وحي .
5 – تقديم النصوص الجزئية على القواعد العامة ، مع أن القواعد العامة هي الحاكمة على النصوص لإنها قطعية حيث هي مأخوذة من جملة كبيرة من النصوص ، بينما معظم النصوص ظنية ، إما ظنية الثبوت كمعظم السنةن النبوية ، أو ظنية الدلالة ككثير من نصوص القرآن الكريم ، ولذلك نرىموقف السيدة عائشة من حديث تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ، حيث تحفظت عليه لإنه يتعارض مع القاعدة القطعية بعدم المسؤولية عن عمل الغير .
أصناف غير المسلمين:
في ضوء ما سبق من تحديد طبيعة العلاقة مع غير المسلمين ، يمكن تصنيف غير المسلمين إمّا أهل حربٍ، وإمّا أهل سلم . وأهل السلم أربعة أصناف: أهل ذمّة، وأهل عهد ، وأهل هُدنة، وأهل أمانٍ
ومن هذا فغير المسلمين خمسة أصناف:
1- المحاربون.
2- أهل الذمة.
3- أهل العهد.
4 – أهل الهدنة
5- أهل الأمان.
1- أهل الحرب:
هم الذي بينهم وبين المسلمين حالة حربٍ،
2- أهل الذمة:
غير المسلمين المقيمون تحت ذمَّة المسلمين .والذمة من الأمان والعهد " أحفظوني في أهل ذمتي " وشرعت الجزية بعد تبوك في سورة التوبة " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " التوبة 29
وأهل الذمة يعدون من رعايا الدولة ومواطنيها .
3- أهل العهد:
وهم غير المسلمين من غير دار الإسلام الذين بينهم وبين المسلمين عهد.
4 – أهل الهدنة
وهم غير المسلمين من غير دار الإسلام الذين بينهم وبين المسلمين هدنة مؤقتة ، أي ايقاف مؤقت للعمليات العسكرية أثناء القتال
5- أهل الأمان:
وهم غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام إقامة مؤقتة . " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه "التوبة 6 وعقد الأمان يشبه اليوم تأشيرة المرور
والفرق بين أمان الذمِّي وبين المستأمن هو أنّ أمان الذمِّي مؤبد، وأمان المعاهد والمستأمن مؤقت بمدة إقامته
مبادئ وقواعد عامة في التعامل مع غير المسلمين
أ – لا إكراه في الدين وإنما الدعوة بالكلمة الطيبة والحكمة الحسنى " ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " ، " لا إكراه في الدين " البقرة ، 256 ، " لست عليهم بمسيطر " الغاشية 22 ، " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " العنكبوت 46
ب – الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هي السلم لا الحرب ،
ج - إن التعامل مع غير المسلمين جائز من حيث الأصل إلا إذا ورد ما يحرمه ويمنعه ومن وحوه التعامل معهم :التجارة معهم ، ودخولهم المساجد ، واستئجار المسلم غير المسلم ، واستئجار غير المسلم المسلم ، والزواج من نسائهم ، والسفر إلى ديارهم ، ودخولهم ديار المسلمين
د – العلاقات مع الآخر في الإسلام تقوم على مبادئ العدل " ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا " المائدة 8 ، " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء 58 ، ويذكر في هذا الصدد كيف نزلت الأيات معاتبة رسول الله في قصة طعمة بن ابيرق لما اتعم اليهودي بسرقة الدرع مع أنه هو الذي سرقه فنزل قوله تعالى " إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما " النساء 105 – 107 ثم تقول الآيات بعد ذلك " ومن يكس خطيءة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " النساء 112 إلى آخر الآيات
وقوله صلى الله عليه وسلم " من ظلم معاهدا فأنا حجيجه "
وذكر أحمد أمين في ظهر الإسلام أن المعتضد العباسي أمر برد تركة من لا وارث له من أهل الذمة على أهل ملته
وروى البخاري أن أحد المسلمين وجد مقتولا في خيبر فأنكر اليهود قتله مع أنه وجد ملقى في أحد آبارهم فما كان من رسول الله إلا أن قام بدفع ديته من بيت مال المسلمين مائة ناقة
والمساواة " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " الحجرات 13 ، " يا أيا الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " النساء 1 ، وف خطب الوداع " كلكم لأدم وأدم من تراب "
والكرامة الإنسانية " ولقد كرمنا بني آدم " الإسراء 105 ،
والتعاون بين الناس في الخير " وتعاونوا على البر والتقوى " المائدة 2
وتستطيع أن تقارن هذه المبادئ مع ما عند اليهود مثلا الذين تقوم فلسفتهم على نظرية شعب الله المختار الذي سخر لهم البشرية لخدمتهم وأباح لهم أموالهم وأعراضهم وبالتالي لا نستغرب فظائعهم وهمجيتهم
والوفاء بالعهود والمواثيق قوله تعالى ، " أوفوا بالعقود " وقوله " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا " وقصة أبي بصير
أحكام بعض التعاملات مع غير المسلمين
1 - التجارة:
يجوز الاتجار مع غير المسلمين سواء أكانوا يقيمون في دار الإسلام من أهل الذمة أو كانوا يقيمون في غير دار الإسلام من الحربيين، سواء أكانون معاهدين أو غير معاهدين ، فللمسلم دخول دار الحرب بأمان التجارة، وللحربي دخول دار الإسلام للتجارة.
قال المرغينانِي: "وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرًا؛ فلا يحل له أن يتعرض لشيءٍ من أموالهم، ولا من دمائهم".
وقد أذن عمر رضي الله عنهم دخول الحجاز للتجارة
وقال ابن تيميّة: "وإذا سافر الرَّجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا، كما دلّ عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، وهي حينذاك دار حرب، وغير ذلك من الأحاديث".
وسئل ابن باز عن حكم الشراكة والمتاجرة مع غير المسلم فقال أن الأصل الجواز
ويجوز البيع والشراء مع غير المسلمين،
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله صلى الله
وعن عبد الرحمن بن أبِي بكر رضي الله عنهما، قال: كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((هل مع أحد منكم طعام؟)). فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثم جاء رجل مشركٌ بغنم يسوقها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((بيعًا أم عطيةً؟))، قال: لا، بل بيع. فاشترى منه شاة، فصنعت، وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين والمائة إلاَّ قد حزَّ النبي صلى الله عليه وسلم له حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاها إياه، وإن كان غائبًا خبأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا ففضلت القصعتان، فحملناه على البعير، أو كما قال.
قال ابن بطال: "معاملة الكفَّار جائزة، إلاّ بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين".
وسئل ابن باز عن حكم تعامل المسلم مع أصحاب المهن كالحلاقة والخياطة وعمال في المطاعم أو غير ذلك وهم غير مسلمين؛ إما مسيحيون أو لا دينيون، فأجاب "ما داموا في البلاد يتعاطون هذه الأمور فلا مانع من الشراء منهم، وقضاء الحاجة، والبيع عليهم، فقد اشترى الرسول صلى الله عليه وسلم من اليهود، واشترى من بعض المشركين، فلا بأس،
قال السرخسي: "ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم إلا الكراع والسلاح والحديد؛ لأنّهم أهل حرب، فإنّهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين، فيمنعون من حمله إليهم،)".
2- دخول غير المسلم المسجد:
يجوز لغير المسلم أن يدخل المسجد، وقصة ثمامة تدل على ذلك وكذلك وفد نجران
وسئل ابن باز عن حكم دخول غير المسلم المساجد فأجاب: "أمّا المسجد الحرام؛ فلا يجوز دخوله لغير المسلمين لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" [التوبة: 28]، وأمَّا بقية المساجد فلا بأس من دخولهم للحاجة والمصلحة، ومن ذلك المدينة، وإن كانت المدينة لها خصوصية، لكنها في هذه المسألة كغيرها من المساجد، لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ربط فيها الكافر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرَّ وفد ثقيف حين دخلوا المسجد قبل أن يسلموا، وهكذا وفد النصارى دخلوا مسجده عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على أنه يجوز دخول المسجد النبوي للمشرك, وهكذا بقية المساجد من باب أولى إذا كان لحاجة، إما لسؤال، أو لحاجة أخرى، أو لسماع درس ليستفيد، أو ليسلم ويعلن إسلامه، أو ما أشبه ذلك.
والحاصل: أنَّه يجوز دخوله إذا كان هناك مصلحة، أمَّا إذا لم يكن هناك مصلحة؛ فلا حاجة إلى دخوله المسجد، أو أن يخشى من دخوله العبث في أثاث المسجد، أو النجاسة فيمنع".
3- استئجار المسلم لغير المسلم :
استأجر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عامر بن فهيرة وكان مشركا دليلا أثناء الهجرة
قال ابن حجر: "وفي الحديث: استئجارُ المسلمِ الكافرَ إذا أمن إليه".
قال ابن بطال: "عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها
4- استئجار غير المسلم المسلم:
قال المهلب: "كره أهل العلم ذلك إلاّ بشرطين: أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين".
وقال ابن المنيّر: "استقرت المذاهب على أنّ الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمَّة، ولا يعد ذلك من الذلة
وقال الشربيني: "يصح من الكافر استئجار المسلم إجارة ذمة"
وكان بعض الصحابة يعمل في بساتين اليهود في المدينة.
أصول في التعامل مع غير المسلمين عموما:.
1- العدل:
قال تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبيرٌ بما تعملون? (المائدة: 8).
قال البيضاويُّ: "لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيًا مما في قلوبكم. بل يجب التعامل معهم بالعدل
وقال ابن كثير: "ومن هذا - أي ومن العمل بِهذه الآية - قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بِهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبِّي إيّاه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بِهذا قامت السموات والأرض".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة)).
وقال " من آذى ذميا فأنا خصمه "
ودخل ذمِّيٌّ على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله. قال عمر: ما ذاك؟ قال: العبّاس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. وكان عددٌ من وجوه النّاس، وفيهم العباس بمجلس عمر، فسأله: يا عبّاس ما تقول؟ قال: نعم، أقطعنيها أبِي أمير المؤمنين، وكتب لي بِها سجلاً. فقال عمر: ما تقول يا ذمّيّ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: نعم، كتاب الله أحقّ أن يتبع من كتاب الوليد. قم؛ فاردد عليه ضيعته يا عبّاس.
2 - الإحسان إلى المحتاج منهم بالصدقة والصلة:
قال الله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين" (الممتحنة: 8).
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قدمت عليَّ أمي، وهي مشركة في عهد قريشٍ إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومُدتِهم مع أبيها، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إنّ أمي قدمت عليَّ وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: ((نعم، صليها)).
قال ابن عيينة: "فأنزل الله تعالى فيها: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين"".
وعن ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها للناس يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّما يلبس هذه مَن لا خلاق له في الآخرة))، ثم جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حللٌ، فأعطى عمر منها حلة. فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها، وقد قلتَ في حلة عطارد ما قلت؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّي لم أكسكها لتلبسها)) فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة.
قال النوويّ: "وفيه: صلة الأقارب والمعارف، وإن كانوا كفارًا"، والمشركون بمكة كانوا أهل حربٍ.
ومن الإحسان: الإحسان إلى الحربِي الأسير:
قال تعالى: "ويطعمون الطعام على حبّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا. إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا" (الإنسان: 8-9).
قال قتادة: "لقد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك".
وقال الطبريّ: "هو الحربي من أهل دار الحرب يؤخذ قهرًا بالغلبة،
ذكر أبو يوسف في الخراج أن عمر وجد شيخا يهوديا يسأل الناس فقال لخازن بيت المال أنظر هذا وأمثاله من أهل الكتاب فضع عنهم الجزية بل ويعطيه من بيت المال
ومن ذلك إحسان الرسول صلى الله عليه وسلم لمشركي قريش أثناء القحط والمجاعة ، وكذلك نهيه لثمامة أن يمنع عنهم الميرة
التعامل مع غير المسلمين :
أ - الحربيون غير المعاهدين
- عدم الغدر والخيانة بِهم إذا وقع الصلح والهدنة معهم:
الوفاء بالعهود والمواثيق وتحريم الغدر والخيانة في الظاهر والباطن من أحكام الإسلام القطعيّة النافذة على الأفراد والجماعات، وليس مجرد مبدأ خلقي يستعمل حينًا، ويهمل حينًا آخر.
قال تعالى: "وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ" (الأنفال:72).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به، يقال: هذه غدرة فلان)).
وقد ردّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بصير للمشركين، وأبَى أن يقبله بعد أن عاد إليه وفاءً بالعهد الذي بينه وبين المشركين.
وإذا خشي المسلمون من المشركين نقضًا للعهد فعليهم أن يردوا إليهم عهدهم: "وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين" (الأنفال: 58).
قال الطبريّ: "يقول تعالى: وإمّا تخافنّ من عدو بينك وبينه عهد أن ينكث عهده ويغدر بك، فانبذ إليهم على سواء ، أي فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إيّاهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور آثار الغدر والخيانة ؛ حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر.
وكان بين معاوية وبين الروم عهد، فأراد أن يسير في بلادهم؛ حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا بعمرو بن عبسة يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر. سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلنَّ عهدًا، ولا يشدنَّه؛ حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء)). فرجع معاوية بالناس.
قال البغويُّ: كره عمرو بن عبسة ذلك؛ لأنّه إذا هادنَهم إلى مدة، وهو مقيم في وطنه، فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة ، كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا صار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه، فعدَّ ذلك غدرًا
وإن نقض أهل الهدنة عهدهم له أن يسير إليهم على غفلة منهم، كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأهل مكة. وإن ظهرت منهم خيانة بأهل الإسلام نبذ إليهم العهد، قال تعالى: "وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانة فانبذ إليهم على سواء" (الأنفال: 58).
ومن دخل إلينا رسولاً؛ فله الأمان حتى يؤدي الرسالة، ويرجع إلى مأمنه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لابن النواحة: ((لولا أنّك رسولٌ لضربتُ عنقك))".
قال ابن القيّم: "ولمّا أسرت قريش حذيفة وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خارجين إلى بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم))".
عدم قتل من لا يقاتل غالبًا منهم، كالمرأة والصبي والشيخ الكبير والأجير والعباد في المعابد:
وقد وُجِدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم إمرأة مقتولة فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)). وبعث رجلاً، فقال له: ((قل لخالد: لا يقتلنَّ امرأةً ولا عسيفًا)).
والمراد بالعسيف هو من يكون عمله بعيد الصلة بالأعمال القتالية،
ب أهل الذمّة:
أن وثيقة المدينة المنورة تعد أساسا لطبيعة العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة ووما جاء فيها " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم " " وأن بين المسلمين واليهود النصر على من اعتدى عليهم "
دفع الجزية:
الجزية: المال الذي يلتزم أهل الذمّة بأدائه إلى الدولة الإسلاميّة.
- وجوب حمايتهم:
قال الماورديّ: "ويلتزم لهم - أي الإمام - ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين".
وقال النوويّ: "ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالاً، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم".
حرمة دمائهم وأموالهم:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا)).
قال ابن حجر: "المراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم".
قال القرطبيُّ: "الذمي محقون الدم على التأبيد والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه".
وفي عهده صلى الله عليه وسلم لنجران قال "ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وأنفسهم وملتهم وبيعهم وما تحت أيديهم من قليل أو كثير ،لا يغر أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته "
وجاء في كتابه لواليه على اليمن عمرو بن حزم " من كان على يهوديته أو نصرانيته فلا يرد عنها "
النكاح بأهل الكتاب منهم:
يحل نكاح الكتابية صراحةً، ويدخل في ذلك الذمِّيات منهن، كما تدخل الحربيات الكتابيات لا فرق بين الصنفين، قال تعالى: "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ? (المائدة: 5).
قال البيضاويُّ: "وإن كنَّ حربيات".
قال الجصاص: "لم يفرق فيه بين الحربيات والذميات وغير جائز تخصيصه بغير دلالة، وقوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" لا تعلق له بجواز النكاح ولا فساده، ولو كان وجوب القتال علة لفساد النكاح لوجب أن لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل البغي؛ لقوله تعالى: "فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله". فبان بما وصفنا أنّه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد النكاح، وإنما كرهه أصحابنا لقوله تعالى: "لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانَهم أو عشيرتَهم"، والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى: "وجعل بينكم مودة ورحمة"، فلما أخبر أنّ النكاح سبب المودة والرحمة، ونَهانا عن موادّة أهل الحرب؛ كرهوا ذلك".
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز عن حكم نكاح نساء أهل الكتاب، فأجاب: "حكم ذلك الحل والإباحة عند جمهور أهل العلم
قال ابن كثير لما نزلت الآية " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ" امتنع الناس عن نكاح غير المسلمات حتى نزلت الآية التي بعدها "وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ"، فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة "وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ"، إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع كقوله تعالى: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ"
وقال ابن قدامة في المغني : (ليس بين أهل العلم اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب، وممن روي عنه ذلك عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وسلمان وجابر وغيرهم، قال ابن المنذر ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وروى الخلال بإسناده أن حذيفة وطلحة والجارود بن المعلى وأذينة العبدي تزوجوا نساء من أهل الكتاب وبه قال سائر أهل العلم،
وحرم الإمامية زواج غير المسلمة بقوله تعالى: "وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ"، "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ"،
ويرد عليهم بقوله تعالى: "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ"، إلى قوله: "وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ "، وإجماع الصحابة،
فأما قوله تعالى: "وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ" فروي عن ابن عباس أنها نسخت بالآية التي في سورة المائدة وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى؛ لأنهما متقدمتان والآية التي في المائدة متأخرة عنهما، وقال آخرون ليس هذا نسخا فإن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب بدليل قوله سبحانه: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ"، وقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ"، وقوله عز وجل: " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا"، وقوله تعالى: "مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ"، وسائر آي القرآن يفصل بينهما، فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب، وهذا معنى قول سعيد بن جبير وقتادة؛ ولأن ما احتجوا به عام في كل كافرة، وأيتنا خاصة في حل نساء أهل الكتاب والخاص يجب تقديمه،
إلا أن الأولى أن لا يتزوج المسلم كتابية؛ لأن عمر رضي الله عنه قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: طلِّقوهن
و – حرية العبادة فلا يمنعون من إقامة شعائرهم بل وأكثر من ذلك يقول أبو عبيد في الأموال " أن دماء أهل الذمة لا تحل بتكذيبهم رسول الله فإنهم على تكذيبه صولحوا أنهم به مكذبون "
ز – حق العمل إلا في بعض الوظائف الحدودة التي تقتضيها طبيعة الدولة المسلمة مثل الإمامة العظمى والقيادة العامة للجيش ، وبعض الوظائف ذات الصبغة الدينية
أهل العهد:
حرمة أموالهم ودمائهم حال العهد:
قال المرغينانِي: "وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرًا؛ فلا يحل له أن يتعرض لشيءٍ من أموالهم، ولا من دمائهم؛ لأنّه ضمن أن لا يتعرض لهم بالاستئمان، فالتعرض بعد ذلك يكون غدرًا، والغدر حرام، إلاَّ إذا غدر بِه ملكهم، فأخذ أمواله أو حبسه، أو فعل ذلك غيرُه بعلم الملك ولم يمنعه؛ لأنّهم هم الذين نقضوا العهد، بخلاف الأسير؛ لأنّه غير مستأمن، فيباح له التعرض للمال والدم، وإن أطلقوه طوعًا".
د- أهل الأمان:
ردّ العدوان عليهم وعلى أموالهم، وحرمة أموالهم ودمائهم مثل ردّه عن أهل الذمّة:
يعامل المستأمِنون ما داموا في أرض الإسلام معاملة أهل الذمّة في وجوب الدفاع عنهم، لأنّهم وهم في دار الإسلام يكونون تحت ولاية الإمام، فعليه الدفاع عن جميع من كان تحت ولايته.
جاء في السير الكبير وشرحه: "الأصل أنّه يجب على إمام المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في دارنا؛ لأنّهم تحت ولايته، ما داموا في دار الإسلام، فكان حكمهم كحكم أهل الذمّة".
1- حكم إقامة المسلم في بلاد غير المسلمين:
الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام يختلف حكمها باختلاف حالات المقيمين بديار الكفر:
فهي واجبة على من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه أو إقامة واجبات دينه في ديار الكفر، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً} [النساء:97]. لأن القيام بواجبات دينه واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وتسقط عمن يعجز عنها لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف كالنساء والولدان لقوله تعالى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاء وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:98-99].
وتستحب في حق من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامة واجباته في دار الكفر، فهذا تستحب في حقه ولا تجب عليه لإمكانه إقامة واجبات دينه
وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مقيما بمكة قبل فتحها مع إسلامه.
فإن قيل: ما ضابط إظهار الدين؟
فالجواب: ما قاله الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "إظهاره دينَه ليس مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا وغير ذلك، إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أنواع الكفر والضلال".
ويرى بعض العلماء أنه قد يستحب للمسلم أن يقيم في دار الكفر وذلك إذا كان يرجو ظهور الإسلام بإقامته أو إذا ترتب على بقائه بدار الكفر مصلحة للمسلمين، فقد نقل صاحب مغني المحتاج أن إسلام العباس رضي الله عنه كان قبل بدر وكان يكتمه وكان المسلمون يتقوون به بمكة، وكان يحب القدوم على النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه صلى الله عليه وسلم: ((إن مقامك بمكة خير))،
2- النكاح بأهل الكتاب اليوم في ديارهم:
يترتب في الوقت الراهن من الزواج بالكتابية في ديارها وإن لم تكن دار حربٍ مفاسد شتى، من أعظمها أنّ الولد يتبع أمّه في دينها، ولا سلطة للأب المسلم على ذلك.
ولأجل ذلك كره من كره من أهل العلم الزواج بالحربيّة؛ لخشية ضياع الولد، قال القرطبيُّ: "وكره مالك تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في الخمر والخنزير".
وقال ابن مفلح: "وعلل الإمام المنع في دار الحرب من أجل الولد لئلا يستعبد الرجعة على دينهم".
ابحث
أضف تعليقاً