wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التقريب بين المذاهب الإسلامية:محطات في الذاكرة
السبت, September 25, 2010

لفت نظري اثناء انعقاد ندوة التقريب بين المذاهب الاسلامية، في دمشق (1210/4/1999) بدعوة من مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية، السلوك والكلام الودود، من المرجع الأعلى لاحد المذاهب الاسلامية سماحة الشيخ الخليلي مفتي عمان الإباضي ، تجاه المذاهب الاخرى وعلمائها وخصوصاً الشيعة الامامية... وعندما سألت عن تاريخ هذه المودة، التي فاجأتني! وسوف نبقى نفاجئ بعضنا بعضا كلما ازداد تعارفنا وامتد حوارنا . وروى لي الراوي الشاهد انه في اللقاء الاول مع هذا المرجع سأل ضيفه ومحاوره الشيعي إن كان بامكانه ان يزوده بنسخة من قرآن الشيعة او مصحف فاطمة! ، ثم ابدى غضبه الشديد على الصورة المأخوذة عن مذهبه، من قبل المذاهب الاسلامية عموما ومن قبل أهل التشيع خصوصاً. واكد ان المذهب الاباضي لا علاقة له بالملابسات العقائدية والسياسية والفقهية التي رافقت نشأة المذهب الخارجي، وان الاباضية وان تكن قد نشأت تحت ظل الشجرة الخارجية، إلا انها نمت وتبلورت على نهج توكيد وتوسيع الشراكة المنهجية الفقهية مع المذاهب الاخرى. وهكذا احتل فقيه كبير كالشوكاني مثلا مركزا متقدما في مرجعية المذهب، وهو الزيدي تعريفا الحنفي فقها، استطاع او استطاعت مذاهب ثلاثة ان تلتقي في مرجعيته الفقهية... اما في ما يخص العلاقة والموقف المؤصل من التشيع، والامامي منه على وجه الخصوص، وبصرف النظر عن نقص المعلومات او تداخل الصحيح مع الخطأ والخطل، فإن التركة الخارجية مخففة الى أبعد الحدود... فعلاقة المحبة والولاء لاهل البيت راسخة، وان كان هناك من خلاف فهو لا يتعدى عدم الاتفاق مع الإمامية في القول بعصمة الأئمة من أهل البيت (ع)، هذا في حين ان الزخم السلبي من العهد الاموي مستمر.
ومن جو الندوة وجو المودة والمصارحة والمكاشفة الذي سادها، وجعل فقهاء وعلماء من سائر الاقطار والمذاهب يقدمون الدليل تلو الدليل على قناعتهم بضرورة التقارب ورفعها الى مستوى الواجب الشرعي، واعتبارها الاحتياط الاخير ضد المخاطر التي تهدد المسلمين والعرب جميعا.. ومن جو الجدل الحار والباحث عن الاتفاق، من دون مجاملة او إساءة ظن او كلام، بين علماء من الشيعة وعلماء من المملكة العربية السعودية.. من هذا الجو عادت بي الذاكرة الى انجازات جميلة وكبيرة على طريق التقريب، قُطعت عن سياقها لاسباب سياسية اولا، ولو انها استمرت لانتجت وجنبتنا كثيرا مما تبادلناه من جهل اضافي، لدى كل منا بالآخر، مما اضفناه الى تراث من الجهل والتجاهل لا يتصل تاريخه بتاريخ القرون الاولى التي تداخل فيها علماؤنا وعلومنا بحيث اصبح كل مذهب أساسا من أسس تكوين المذهب الآخر، معرفيا واخلاقيا... وإن كانت هذه القرون لم تكن تخلو من فتن بين العامة، فإنها ظلت محصورة فيها، ولكن الفتنة في القرون المتأخرة وبفعل السياسة وتوجهات التجزئة ومقتضياتها وضرورات تسويغها وقبولها، امتدت الفتنة لتصبح قطيعة بين العلماء والحاضرات العلمية(*) من الأزهر الى قم الى النجف الى الزيتونة الى القيروان وغيرها.. إذاً، لو استمرت المبادرات التقريبية الجادة، أقلها ما تبلور في الثلث الثاني من القرن العشرين ، على مفصل التجزئة بعد الحرب الاولى واعادة الارتهان للاقطار المستقلة تحت وطأة الحرب الثانية ونتائجها المعروفة، لو استمرت لتلافينا كثيرا من خسائرنا وحققنا الكثير من الارباح المتبادلة، ولما كنا وصلنا الى هذه الحال المزرية في افغانستان والمتوقعة في باكستان واقطار اخرى والعياذ بالله... ولما بتنا في انتظار ان يتحول الصراع بين مذهب ومذهب الى صراع داخل المذهب الواحد، المرشح لان يصبح مذاهب، ذلك ان استقطاب التجزئة وجاذبيتها الى تفاقم إذا لم يترجح ويقوَ استقطاب الوحدة.
وعدت الى تجربة التقريب الايرانية العثمانية التي سعى إليها وبها السيد جمال الدين الافغاني بتشجيع من نادرشاه، وحصلت خلالها اتصالات ولقاءات بين علماء من طهران والاستانة، وامتدت آفاق الطموح فيها الى آسيا الوسطى كما جاء في تصريحات نقلت عن السلطان عبد الحميد، الذي اكد ضرورة الوحدة التي رأى فيها جمال الدين الافغاني، بعد رحلته الى الغرب، واكتشافه عن كثب للتواطؤ الغربي على المتحقق من وحدة بين المسلمين من اجل زعزعتها او منعها من التعاظم، فشدّ رحاله الى الاستانة مقتربا من السلطان عبد الحميد، معطلا لتحفظاته عليه وعلى نهجه، أمام التوجهات الغربية واستهدافاتها. وكاد يصل الى مبتغاه بتحسين الاداء الحميدي، لولا ان تنبه اليهود والماسونيون وعملوا على القطيعة بين الرجلين، وتشجيع عبد الحميد بشكل غير مباشر على التمادي في الخطأ حتى يكتمل ضعفه وتحين ساعة عزله السهل عقابا على ما ارتكبه في حق تيودور هرتزل ومشروعه في جعل السلطنة غطاء للهجرة اليهودية الى فلسطين بعد مؤتمر بال، وفشله في ذلك برغم الاغراءات المالية الضخمة لعبد الحميد الذي وجد في ذلك خيانة عظمى رغم الديون الضخمة على السلطنة... ولكن هرتزل وقتها لم يسكت، وعقد احد مؤتمراته سرا في زمن سلطة عبد الحميد، واطلق شعاره المعروف، بأن الهجرة لن تتم ما ظل عبد الحميد على رأس السلطة، واستطاع الوسيط بينه وبين عبد الحميد، والذي فشلت مرامية ومساعيه، ان يدخل على عبد الحميد ليأخذ منه توقيعه على قرار الاتحاديين بعزله عن العرش »ايمانويل قراصو« الذي كان نائبا عن سالونيك ثم اقتضت المصلحة الصهيونية ان يكون نائبا عن اسلامبول، قريبا من موقع القرار وفاعلا فيه ، الى تجربة التقريب المصرية الايرانية التي اصبحت لبنانية وسورية وباكستانية وافغانية ويمنية خلال سنوات من عمرها، وانتجت مؤتمرات وقراءات مشتركة وتبادلا علميا ومكاشفات واكتشافات مشتركة، احتضنتها القاهرة في عهديها الملكي والجمهوري ثم عطلتها تطورات اوائل السبعينيات السياسية، وترافقت مع مظهر تقريبي عبر مؤتمر القدس وبروز شخصية الإمام محمد حسين كاشف الغطاء علامة من علامات الوحدة والتوحيد، لم يعتم زعماء العرب والمسلمين وعلماؤهم ان وضعوها في مقام الإمامة في الصلاة والقدوة في الموقف من مخاطر الاستعمار والصهيونية. وفي الثلاثينيات عينها حصلت الرحلة التقريبية للإمام الشيخ عبد الكريم الزنجاني من العراق الى الشام ولبنان والقدس ومصر المحروسة، والتي تعاطى معها ومع الافكار التي حملتها، علماء المسلمين وزعماؤهم من سعد الله الجابري الى رياض الصلح الى الحاج امين الحسيني الى طه حسين. الخ بحنان وحب واحترام ووعي توحيدي وحدوي. وتذكرت رحلة السيد عبد الحسين شرف الدين الى مصر عبر فلسطين لاجئا من مطاردة سلطات الانتداب الفرنسي، عائدا الى لبنان محملا باحترام الكبار من علماء مصر وادبائها، محتضنا للاجئين الفلسطينيين في صور مفتيا للمسلمين على المذاهب الخمسة مستعيدا في ذلك تجربة الشهيد الثاني والشهيد الاول... والى تجربة السيد محسن الامين في دمشق التى وضعته في موقع المرجعية فكان عند حسن ظنها، في الفقه والتاريخ والتربية والادب والسياسة الوطنية، وتذكرت ما شاركت فيه من مؤتمرات وحدة وتقريب في ايران بعد الثورة، التي تعرفت من خلال الاعداد لها، وشجاعة كثير من العلماء الكبار في الافصاح عن دواخلهم وتصوراتهم الوحدوية، الى صدقية علمائها الوحدوية من الداخل، وعاينت موقع الوحدة في وعي الاكثرية من قيادة الثورة، في العلم والسياسة، معادلا اسلاميا للتوحيد وخيارا نهائيا في مقابل الحلف المعادي والملتف حول الصهيونية.
واستعدت المشهد الوحدوي الكاشف عن عمق التوحيد، في سفري الى القاهرة صحبة الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، التي ثبتت انطباعي عن موقع أهل البيت (ع) في نسيج الذات المصرية والعربية والاسلامية عموما، وان كانت مصر بحجمها ورسوخها وموقعها ومسؤوليتها تمتاز بأنها لا تسمح للغيوم الصغيرة وللهنات الخلافية، ان تغطي سماء الايمان وتلبدها وتحجب الرؤية. وكشفت هذه الرحلة بمفعول الكلام الشفاف الباحث عن الحق والحقيقة، والمنهج العلمي الذي يوسع للرأي الآخر مكانا كبيرا في نصابه ليكمله ويكتمل به، وبفعل القلوب والعقول المصرية المفتوحة على المعرفة والتعارف والبريئة من الحساسيات والتوترات النابذة، كشفت ان شأن اهل البيت (ع) وشأننا معهم وشأن الله فيهم، ليس من شأن عصبياتنا التي تحرم الجميع من ثروات الجميع. ورأيت جمهور مصر وعلماءها ورجالها من مدنيين ودينيين وسياسيين ودعاة واكاديميين، ومن الاتجاهات والمشارب كافة، وموقفهم المرن والمتفهم والمحب، واصغاءهم الى طروحات الشيخ شمس الدين الوحدوية والخالية من الاوهام، حتى لقد كان صفاء الافكار ينعكس في وجوه الحضور واسئلتهم وحواراتهم واشكالاتهم وتحفظاتهم، مما يعود لينعكس في عقل الشيخ وكلامه ووجدانه. وسألت نفسي وأنا خارج من حالة مصرية مكثفة وحارة حول ضريح الحسين، الذي أمسى نقطة ارتكاز في الاجتماع القاهري، منه وإليه، تفيض القاهرة بكل مستوياتها يوميا واسبوعيا وموسميا، من الصلاة اليومية وعقود الزواج وتوزيع الادوية والمساعدات العينية وحل المشاكل العائلية والحلقات الصوفية، الى ليالي رمضان وصلاة العيد وليلة القدر وتوزيع الجوائز على الفتيان الفائزين في حفظ القرآن، الى جمهور الزائرين، الذي خشيت منه ان ابوح بدمعي حتى رأيت دموعه تنهمر حول الضريح حزنا على الحسين... سألت نفسي: أنا شيعي، انعم واكرم، وليس هناك اسلام او عروبة او وطنية تستدعي التنصل من اي مكون من مكوناتي الشيعية، جل ما في الامر هو ان المطلوب اعداد شيعيتي لان تعود كما كانت وكما هو مرجو، عاملا كبيرا من عوامل الحيوية الاسلامية والعربية... وتساءلت: كيف استمر التشيع وعاش؟ ودعوانا بأنه حرم من السلطة الى حد كبير، دعوى صحيحة، في حين ان الكثير من السلطات، التي تذرعت بالإسلام وباسمه ظلمت وقمعت، وأحيانا قليلة او كثيرة، لم تستطع ان تمنع تكامل البناء الحضاري الاسلامي، الذي جاء حصيلة لمشاركة بين ثقافات متعددة ومذاهب اسلامية متعددة، التقت على البناء، واختلفت على هندسة الأسس لا عليها وعلى المنفعة في الدار الواسعة، ولم تختلف على ملكية الأمة لرقبة الارض والعمران.. وقد نال التشيع والشيعة من هذا الظلم حظا اوفى... إذاً، فالاستمرارية الشيعية كانت من مفاعيل سلطة من نوع آخر، سلطة طوعية، هي سلطة الداخل، سلطة القلب والعقل والدين والعلم، التي كانت محكومة بأولويات الإيمان والدعوة، وتغليب المعايير العامة على الغايات والمصالح الخاصة حتى لو كانت مشروعة، لأن هناك نهجا علميا وسلوكيا يضع المصلحة الخاصة المشروعة في نطاق غير مشروع، يضعها في موضع التهمة، ما دامت تتعارض ولو شكلا مع المصلحة العامة، التي هي مجموع مصالح الجماعات، وهي الإطار الذي تتم فيه التسوية والتنازل على أساس إحدى القواعد الذهبية في فقهنا وأصولنا اي تقديم الأهم على المهم.. وعلى أساس الاعتدال بين سائر الجماعات، من أجل ان يسلم الجميع، او تنزل الخسائر الى حدها الأدنى، الذي لا يهدد الوجود وان كان يمس ببعض كمالات هذا الوجود. أهل البيت، والأئمة منهم خاصة، كانوا الأهلة الساطعة التي اهتدى بها الشيعة خصوصا والمسلمون عموما، وتأسى واقتدى بهم علماء الشيعة في سائر الأزمان والأحوال والأقطار. *

هاني فحص

*20/7/1999

 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.