
"الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبل"
تمنحنا ذكرى مولد المسيح عليه السلام فرصة للنظر والاستماع. وبتقديري، فإن الإسلام والمسيحية في فكرتهما الأساسية يكملان بعضهما على نحو يقترب من العبقرية؛ فالمسيحية تقوم على العطاء والسلام، أو هي ثقافة الزراعة والمكان وحضارتهما، والإسلام يقوم على الفكرة والعقل. ولو نظرنا إلى التقدم الإنساني والحضارات المبدعة، نجدها تقوم على هاتين الركيزتين: الزراعة والثقافة، أو المكان والفكرة.
في الزراعة، تتشكل المدن والبلدات والقوانين والطرق والتبادل التجاري والمهارات وقيم العطاء والثقة والإتقان؛ وفي الفكرة والعقل تنشأ العلوم والتقنيات والفلسفة والابتكار. وفي الزراعة، ينشئ الإنسان علاقة روحية وإبداعية مع المكان، وبالعقل يجعل الإنسان هذه العلاقة مصدرا للتقدم وزيادة الموارد وإدامتها وتجديدها. والمكان وما حوله من سلام وعطاء، يهذب العقل ويمنحه ثراء روحيا، ويحمي الإبداع العقلي من التدمير، ويجعله في خدمة الإنسان والعطاء. والعقل يُنضج العطاء ويكتشف شخصية المكان وعبقريته.
ليس المطلوب أن يصبح المسيحيون مسلمين، ولا أن يتحول المسلمون إلى المسيحية، فالإسلام يطلب الإيمان بكل الكتب والأنبياء "لا نفرق بين أحد من رسله"، والقرآن يؤشر في مدحه للنصارى بأنهم يؤمنون بالقرآن من دون أن يسلموا، ولكن المطلوب هو الاستيعاب الشامل للرسالات؛ أن يكون المسيحيون دينا مسلمين حضارة وثقافة، وأن يكون المسلمون دينا مسيحيين حضارة وثقافة من دون أن يتخلى أحد عن دينه ومعتقداته وما يطمئن له من علاقة وأسلوب عبادة. فالقرآن وصف جميع بيوت العبادة على اختلافها بأنها يُذكر فيها اسم الله كثيرا. وأعتقد أنه من العبث الكبير والإساءة أن ينشغل أتباع كل دين بجذب الناس إليهم اعتقادا وعبادة، فقد انتشر الإسلام والمسيحية بين معظم أتباعهما ضمن منظومة حضارية وفكرية وثقافية أكثر مما هي تبشير وقتال ودفاع. صحيح أن التاريخ الإسلامي والمسيحي يقدم نماذج كثيرة عن التبشير والقتال الديني، ولكن لننظر إلى الأمة الإسلامية القائمة اليوم وعدد أبنائها حوالي ألف وثلاثمائة مليون مسلم، سنجد أن 80 بالمئة على الأقل منهم دخلوا الإسلام ضمن مسار حضاري وثقافي سلمي يخلو من القوة والدعوة والإكراه. والمسيحيون أيضا وهم حوالي ألفين وخمسمائة مليون مسيحي دخل معظمهم المسيحية من خلال منظومة الثقافة والحضارة، وهذا ليس موضوع المقالة على أي حال.
ولكن الفكرة الأساسية أن المسلمين بحاجة إلى فهم واستيعاب مقاصد الكتب السماوية السابقة، وتطبيقها في بناء حضارتهم ودولهم، وبغير ذلك فإن الإيمان الإسلامي يكون ناقصا، والحضارة أيضا ستفقد العطاء والسلام المنشئ للإبداع والتقدم والذي يحميه أيضا.
الغد: 4/1/2012
أ.ابراهيم الغرايبة
ابحث
أضف تعليقاً