
كتب مأمون فندي وهو من دعاة العلمانية والليبرالية قبل أيام في الشرق الوسط " كنت في ورشة عمل منذ أيام مع مجموعة من العقول الاستراتيجية الغربية، وكنت العربي الوحيد في الجلسة، وبالتدريج وجدت نفسي حانقا على ما أسمع، فكان سؤالي للمجتمعين يتلخص في الآتي: إما أن عقولكم بسيطة ولا تستطيع الإلمام بالمشاكل المعقدة مثل العراق وفلسطين وأفغانستان واليمن، أو أن لديكم سوء نية تجاه القضية الفلسطينية تحديدا؟ قلت لهم إن الكثيرين في الشرق الأوسط يتمنون لكم الفشل في أفغانستان وفي العراق حتى تتعلموا الدرس، لأنه ليس من المقبول تلك العجرفة الفكرية التي تحاول أن تدخل العرب في العملية (process) في موضوع "عملية السلام"، وتبعدوننا عن الحل، بينما تريدوننا أن نساعدكم في حل المعضلات التي تؤرقكم في أفغانستان، سنترككم "شويه تجربوا البروسس (العملية) في موضوع أفغانستان حتى تعرفوا ما نعاني منه".
لقد جرب العرب الغرب ولأكثر من اثني عشر عاما منذ انطلاق عملية السلام، وهم حتى الآن في وهم "العملية"، ولم يصلوا للسلام،جربوا أنتم العملية لعشر سنوات قادمة في موضوع إيران، وأفغانستان والعراق وغيرها. قلت لهم إنني أشك في أن عقولكم محدودة ولا تستطيع الإلمام بقضايا الاستقرار الإقليمي مجتمعة، ولكن لديكم سوء نية في موضوع القضية الفلسطينية، وأنتم لا تريدون الحل…. كان الأمربالنسبة لي تعليما، أي إنني تعلمت شيئا جديدا، فغرور المفكر الغربي أحيانا لا يطاق،وعرفت لماذا لا تطيق جماعتنا هذه الغطرسة الفكرية الجاهلة، فرغم جهل المتحدثين بمعطيات المنطقة وجهلهم بلغاتها فإنهم لا يتحرجون من إبداء آراء، ليست مدفوعةبالمعرفة ولكن بغرور القوة، وهذا أمر مخيف…. بدأت أقتنع بمسألة سوء النية الغربية التي نراها في أحاديث من يسمون أنفسهم بعقول الغرب الاستراتيجية". أ.هـ
وهذا الكلام صحيح، فالغربيين حريصون جداً على مصالحهم – رغم تعارضها فيما بينهم أحياناً - وليس على مصالحنا، فهم لا يعنيهم حرب التطرف والإرهاب بحد ذاته بقدر ما يعنيهم توجيه هذا التطرف والغلو للبعد عن الإضرار بمصالحهم أولاً، ومحاولة استخدام هذا التطرف بما يضعف الأمة الإسلامية ويحقق لهم بعض ما عجزوا عنه من عقود طويلة.
فرموز التطرف يرعاهم الغرب ويصرف لهم رواتب وضمان اجتماعي من أموال دافعي الضرائب!! وسيرفرات منتديات التطرف تستضيفها شركات الولايات المتحدة الأمريكية !!
من ما يحتاج مزيد دراسة وبحث أن ما نعيشه اليوم من التلاعب بالقاعدة وكثير من المجموعات والأفراد الذين اختطوا منهج العنف، بدء أواخر ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان فرغم أن الغرب دعم حركات الجهاد الأفغانية والمجاهدين العرب بالسلاح والعتاد، إلا أن الروس الشيوعيين استطاعوا تأليب المجاهدين العرب على الغرب، ودق إسفين كبير بينهم، فاصبح من الملاحظ في مجلات الجهاد الأفغاني مهاجمة التبشير النصراني في أفغانستان رغم انعدامه تقريباً، ومهاجمة الجمعيات الطبية والإغاثية الغربية بدعوى أنها تعمل على تعقيم الأفغانيات وهكذا، ليغيب الصراع الإسلامي الشيوعي عن الساحة ويبرز بديلاً عنه الصراع الإسلامي الغربي، برغم استمرار احتلال الشيوعية و ما تلاها من كيانات لمساحات شاسعة من أراضي المسلمين في جمهوريات روسيا والصين والتي يقطنها مئات الملايين من المسلمين والذين لا يزالون يعانون القمع والاضطهاد والإبادة لليوم كما شاهد العالم أجمع ما يحدث لمسلمي الصين!!
ويكفي التوقف عند مأساة الشيشان النازفة من سنوات طويلة ولا تجد أي اهتمام من الحركات الإسلامية المعتدلة أو المتطرفة، ولا من الإعلام العربي القومي الذي يحفل ويهتم ببؤر الصراع الإسلامي الغربي فقط!! ولاحتى من العالم الدولي !! والعجيب أن الشيخ أبوعمر السيف رئيس المحاكم الشرعية في الشيشان في كتابه "السياسة الشرعية" يهاجم عدوانية وإجرام أمريكا في أكثر من موضع في حين لم ينتقد الروس الذين يحاربهم من سنوات وقاموا بتدميرو كروزنى كاملة فوق رؤوس أهلها وارتكبوا من الفضائع ما يفوق الوصف!!
ومما يلفت النظر وجدير بالتساؤل لماذا برغم توفر الضروف الموضوعية لنشاط القاعدة ومثيلاتها في مناطق النفوذ الشيوعي، مثل القرب الجغرافي ووجود الإعتداء والإحتلال ونشر الكفر والإلحاد ين الشعوب الإسلامية وهو أخطر شرعاً من الحرية والديمقراطية التي يسمح بها الغرب للجاليات الإسلامية أو الدول المتحالفة معه، إلا أن هذا النشاط القاعدي منعدم تقريباً ؟ ومثله النشاط القاعدي في إيران التي تصفها الأدبيات القاعدية بالرافضة والتحالف مع أمريكا وهي التي ساعدت أمريكا على تقويض حاضنتهم طالبان ؟
من الإشارات النادرة لهذا الدور الروسي مع الحركات العنف رواية أحمد سلامة المبروك – أحد مساعدي الظواهري- أن الظواهري تم اعتقاله عام 1996 ستة شهور في داغستان دون معرفة هويته!! بتهمة حمل وثائق سفر مزورة، حتى تمكن بن لادن من إرسال من يدفع كفالته ويخرجه من السجن!! (دليل الحركات الإسلامية في العالم، مركز الدراسات بالأهرام، ص 141). ولاحظ أنه في عام 1998 تم إعلان انضمام الظواهري أمير جماعة الجهاد المصرية إلى الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين، دون موافقة قيادة جماعة الجهاد على هذا القرار مما احدث انشقاق في جماعة الجهاد، وأجبر الظواهري بعد عام على التخلي عن قيادة حركة الجهاد!!
وتصاعد هذا التحول ليصبح التعاون الغربي الإسلامي ضد الشيوعية سابقاً عداءاً سافراً يحتل الأولوية في أجندة الطرفين، وأصبح العدو السابق الشيوعية/الروس طرف محايد يسعي الطرفين المتصارعين على كسبه لصفهم!!
وفي مرحلة تالية وجد الغرب أن التطرف ورقة رابحة يمكن استثمارها كفزاعة للتدخل في كثير من الشؤون الداخلية وخاصة الدينية منها للدول الإسلامية لم يكن يمكن الاقتراب منها من قبل، فبدأت حملات لتغيير المناهج المدرسية، والضغط على الجامعات الإسلامية وكليات الشريعة، والتضييق على العمل الخيري الإسلامي.
ومن ثم تم طرح فكرة تقديم إسلام معتدل أو دعم بعض الاتجاهات المنسوبة للإسلام على اعتبار أنها لا تشكل مصدر خطر على الغرب ومصالحه، وحملت راية هذا التوجه مؤسسة راند للدراسات في دراسة "الإسلام المدني" والتي ركزت على ضرورة دعم الإسلام الصوفي السلبي وبعض الحركات الحديثة والمنحرفة كبديل عن الحركات الإسلامية الأخرى المعتدلة والسلمية أو المتطرفة والعنفية، وهذا مما سيدخل أمتنا في دوامة من زعزعة الأمن الداخلي وإثارة النزاعات بسبب طروحات هذه البدائل المصادمة للثوابت الشرعية والمشرعنة للهيمنة الغربية، وهو ما سنتعرض له في مقال قادم .
ومؤخراً أصبحت الإستراتيجية الأمريكية على وجه الخصوص تركز على استغلال الممارسات العبثية والمنحرفة لتنظيم القاعدة أو المنسوبة لها كمبرر للتغاضي عن الجرائم الإسرائيلية وعدم التركيز على القضية الفلسطينية، وأيضاَ مبرر للتدخل العسكري في بعض الدول الإسلامية، كما في باكستان واليمن، وهذا يعمل على زيادة نشر فكر التطرف ويجذره.
وهكذا وقعت الأمة في مأزق مزدوج التطرف والعنف يعيق مسيرة الأمة نحو النهضة، ويجعل الجهود الحكومية الأمنية على رأس الأولويات بدل التنمية والإصلاح، ويشتت كثير من جهود الدعوة الإسلامية عن المسار والدور الحقيقي لها في توعية الجماهير والارتقاء بهم لنيل العزة في الدنيا والفوز بالآخرة، في جهود عاجلة بين محاولة إصلاح ما أفسدته ممارسات وأفكار جماعات العنف، وبين صد محاولات الغرب استغلال هذه الممارسات المنحرفة.
والغرب وجد في التطرف وسيلة وأداة للوصول للكثير من مصالحه والتي لا تتطابق غالباً مع مصالحنا.
ومما يعمق هذا المأزق المزدوج تغييب التعامل الفكري مع التطرف وتغليب التعامل الأمني مع التطرف لدى غالب الدول العربية والإسلامية من جهة، واستغلال غلاة العلمانيين اليساريين التطرف شماعة للتأليب على الإسلام والعمل الإسلامي والسعي لإجتثاثه من جذوره بدعوى أن الإسلام في حقيقته متطرف وغير تقدمى أو متوافق مع الحداثة.
منقول عن صحيفة الغد الأردنية
بتاريخ:29/1/2010
ابحث
أضف تعليقاً