wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الحروف والمقاصد في الرعاية
الجمعة, January 20, 2012 - 03:00

 في ساعة الصباح الأولى التي نجتمع فيها لصلاة الفجر لذّة خاصة، فهي وئام خالص، وتفاعل وثّاب، وتآزر هادف. لهذا الاجتماع الأسري ترتيبات يومية روتينية تهيء كل فرد فيها للانطلاق اليومي للسعي والانجاز؛ فكلنا نعمل بما يسّرنا وسخّرنا لرب الكون له. في هذه الساعة الصباحيّة الأولى في حياتي يشغلني اعداد شطائر المدرسة، وكأس الحليب لكل أطفالي، وفنجان القهوة الذي يجمعني وزوجي في دقائق سريعة وسعيدة تضج بحراك ابنائنا الأربعة؛ بل بأحلامنا، وأفراحنا، وتردد النبض في قلوبنا، الذي يحركه وثب هؤلاء الأربعة! ما أسعدني بهذا “الماراثون” اليومي، وما أطيب ما يجمعني مع فنجان القهوة!
   أخبرني كيف تضيق الحياة اذن في عين انسان تضمّه أسرة اذا كان عطاؤه جاريا صافيا لا يكدّره جحود أو نكران؟ تضيق الدنيا فقط اذا تحوّل عطاؤه عبءا شائكا يؤرق ليله ويعبث بلحظات نهاره؛ يكون هذا المصير البائس النكد اذا لم يقابل بعطاء مثله، أو بشكر وعرفان وتقدير. حينها ستتمزق الأسرة تحت وطأة سؤال غاضب: “أين حقي”؟ وراية حرب تؤزه أزّا: القتال من أجل الحقوق الضائعة...فأين ستصير الأسرة بعدها؟ وقل لي بربك: ماذا سيبقى من نسيجنا الاجتماعي، وآصرة المودة والرحمة، والميثاق الغليظ الذي أنشأ أسرة أشهدنا عليها رب الخلق لتكون حاضنة السكينة الجامعة، التي تحمي نفوسنا البشرية وتحفظ لها سمو الأخلاق في الاجتماع الانساني؛ فكان اجتماع الزوجين سر الحياة المعجزة التي منّ الله سبحانه به علينا: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون”.
   العلاقة الزوجية تعني التشارك بين الزوجين بالقيام بأعباء ومسؤولية اللقاء الزوجي، كما يعني تماما المشاركة في التلذذ والاستمتاع بهذا اللقاء. فالقاعدة الأصولية في الشريعة: “الغرم بالغنم” هنا فاعلة ونافذة، فلا يكون مقبولا لأي من الزوجين التمسك بحق بالاستمتاع من هذا التعاقد الشرعي الاجتماعي ثم الانسحاب وترك الشريك يكابد الارهاق من حمل مسؤولية هي مقسمة بتكاملية منسجمة على شريكين اثنين؛ فهذا خلاف العلاقة التراحمية التي يدعو اليها الاسلام. وجود الرجل والمرأة في بدء الخلق في الجنة بارادة الله-عزوجل- انتهى بازلال الشيطان لهما كليهما ولم ينفرد بوزره أحد الزوجين المرأة أو الرجل، بل النص القرآني صرح بأنهما كليهما استحقا النزول لذات الزلل الذي تشاركا فيه. فالمرأة والرجل شريكان منذ بدء الخليقة في تحمل أعباء الحياة ومسؤولياتها كما كانا شريكين في التلذذ بنعمها. 
  الميثاق الغليظ هو العهد الأشد التزاما والزاما في شريعتنا مع الله سبحانه، وقد ورد في القرآن الكريم في العهود الايمانية التي أخذها الله سبحانه على الأنبياء واليهود والنصارى، وكذلك استخدمها القرآن في تأكيده على الالتزام مع غير المسلمين في العهود السياسية بالولاء، ولم يستخدم للنص على الاهتمام بالعلاقة بين فردين الا في هذا الموضع لما للمؤسسة الزوجية من مكانة عند الله سبحانه الذي هو “ثالث الشريكين”... في هذه الشراكة من أثر في الاجتماع الانساني، وعلى التأكيد على التزام الرجل فيها بالوفاء للمرأة التي أفضى اليها، وهذا الافضاء كناية عن العلاقة الحميمية بينهما. والذي يعني أن لا تشعر الزوجة يوما بخيانة أو تنالها اساءة بسبب هذا الافضاء. فلا يجب أن يكون قبول المرأة بهذه العلاقة وسيلة الى اضطهادها واستغلالها بما قد نسميه “الابتزاز العاطفي”. هذه الممارسة المرفوضة شرعا نبه اليها القرآن صراحة بأن ذكر الممارسة الذكورية التي كانت سابقا في تاريخ العرب وما زالت تمارس في كثير من البيئات الاجتماعية ضد المرأة حتى اليوم: “وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم الى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا”؟ 
  وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: “فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله”. 
   فالزوجة ترغم على التنازل عن حقها المادي في المهر وكل ما تملك للزوج اما استحياء أو اكراها، وعندنا في التشريع الاسلامي: ان “ما أخذ استحياء فهو حرام”، وما أخذ حيلة أو اكراها فهو قطعة من النار يحمل لواءها كل “صاحب غدرة “يوم القيامة ينادى بها على رؤوس الأشهاد. 
   المودة والسكينة والرحمة لها استحقاقاتها الطبيعية التي سيقدمها كلا الزوجين من باعث التقوى والالتزام بشريعة الله سبحانه المنظمة لهذا اللقاء. الاّ ان الشريعة لا تقدم حروفا فقط وانما تجتمع حروف الشريعة بكلياتها لتشكل مقاصد عليا تنضوي تحتها كل النصوص القانونية للحقوق والواجبات. رعاية الزوجين لبعضهما البعض مطلب اجرائي من استحقاقات هذا اللقاء المعجز، وهو التزام تبادلي تكافلي يسقط بسببه مقصد السكينة اذا تحّول في الاجتماع الأسريّ لجدولة محاسبات قانونية مادية! يبدأ عنها اعصار المساءلة عن الحقوق والواجبات الزوجية والمكتسبات القانونية الماديّة ليتحوّل الزوجان بعدها وحشين متكالبين على قصعة بلا مشاعر انسانية راقية؛ ليضيع كل شيء تستحق الحياة لأجله العناء!
   الرعاية الماديّة تبادلية تكافلية، قاعدة تأسيسية في العلاقة الزوجية، ولا تعني اغفالنا لنصوص تشريعية واضحة، فالرجل ملزم بالانفاق الماديّ على زوجه فخدمة الأزواج لبعضهم هي صدقة ترغّب بها الشريعة وتحث عليها. فاللقمة التي يضعها الزوج في فم زوجته صدقة مفروضة؛ لأنه ملزم بالانفاق عليها. واللقمة التي تقدمها الزوجة اعانة لزوجها هي صدقة أيضا -قضى بذلك نبيّنا الحبيب-عليه السلام- بل ان الزوج هو أولى النّاس بها. 
  ان الأعراف الاجتماعية ليست جامدة وثابتة فالبيئات تتغير والأزمنة كذلك، فليس عيبا أن يعين الزوج زوجه؛ بل ان الأنموذج النبوي على خلاف ذلك؛ فالاعانة والبذل والعطاء سنة النبي الزوج-عليه السلام- يضاف الى ذلك أن هذا التعاون يزيد من رصيد المحبة والمودة ويحقق التكافل والرعاية في الأسرة. أسرة سيد الخلق محمد-عليه السلام- وخديجة انموذج، كانت تواسيه بنفسها ومالها؛ ولم يقل: أن مال خديجة-رضي الله عنها- صار يوما -تحت عنوان الزوجية مالا لمحمد “النبي والزوج”! وما كان مال أم المؤمنين زينب بنت جحش-رضي الله عنها- التي كانت تنفق على نفسها وتتصدق من مال عملها في الدباغة سبّة أو زعم تقصير في جنب الزوج الحبيب محمد!
   سنجد في الفتاوى قديما وحديثا صيغا قانونية صمّاء بشعة المآلات لأنها تسقط على رؤوس العباد ضائعة عن مقاصدها: فعند بعضهم “للمرأة أن تطلق نفسها اذا اعسر الزوج”! وكأن استمرار آصرة الزوجية مرتبط برصيد الزوج وكفايته المادية!
   وسينقل آخر: “أن ليس على الزوج الاّ اطعام الزوجة وكسوتها وما زاد على ذلك فهو مندوب اليه” التزاما بحروف الحديث الصحيح: “ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا اليهن في كسوتهن وطعامهن” لأنهن عوان (أسيرات) –وهو محض تشبيه نبوي- عندكم أيها الرجال. ليثب من يفتي للزوجة “بالأخذ من مال الزوج وولدها بالمعروف”-علم ذلك أو لم يعلم- وأيضا استنادا الى حروف حديث صحيح!
   وستصرخ الزوجات اعتراضا على كل خدمة لأن الآراء الفقهية المعتبرة قديما ما كانت تلزم الزوجة بخدمة زوجها! وسيصرخ الأزواج أيضا استنادا الى آراء فقهية أخرى وقديمة كذلك: أن للزوج أن يضربها ان قصّرت في هذه الخدمة!
   كل ما سبق سيتم شحذه لحراب طاعنة بكل ما لاجتماع الزوجية من سمو وغاية ومقصد في الأسرة، “فمن النصوص يدخل اللصوص”، ومن حروف الشريعة لكل مسيء من داخلنا أوخارجنا مطمع أوغاية، يوظّف فيها النصوص القطعية الصحيحة كيفما شاء؛ ويضرب بعضها ببعض كيفما شاء؛ فمن يحمي النصوص الصحيحة من عبث المغرضين أو المغالين؛ ومن للأسرة المسلمة بكل مقاصد اجتماعها...فهي آخر الحصون.

الدستور: 20/1/2012

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.