wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الخبير في علم الأديان بالجامعات الإيطالية عز الدين عناية: المسيحية الغربية تعيش أزمة معنى
الثلاثاء, June 14, 2011 - 06:30

يعتبر الدكتور التونسي عز الدين عناية من المختصين العرب والمسلمين القلائل في علم الأديان، وقد نال هذه المرتبة بعد جهد مضني منذ تخرجه من جامعة الزيتونة في مجال اليهودية والأديان، والتحاقه بالجامعات الإيطالية. وكان كتابه الأخير "نحن والمسيحية في العالم العربي والإسلامي" والذي صدرت طبعته الأولى بالمغرب عن دار النشر توبقال سنة 2010، فريدا في تناوله للديانة المسيحية ومنهج تعاملنا معها أكاديميا ومعرفيا. ولتقريب القراء والمتتبعين من نشاط الدكتور عناية ومن المسيحيات العربية والغربية والتنصير، أجرى موقع إسلام أون لاين مقابلة معه هذا نصها.

البدايات العلمية

* أنتم من الباحثين القلائل في مجال الأديان ومقارنتها والنظر إليها نظرة موضوعية لا تشوبها الانفعالية،كيف كانت البدايات العلمية؟ وما هي الأجواء التي ارتبطت بعلم الأديان في ذلك الوقت؟
 
- كانت بداية التحصيل العلمي في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي في الجامعة الزيتونية بتونس، في تخصص الأديان والمذاهب، الذي أُلغي بعد سنوات قليلة من بعثه. وكنا ثلة ممن تيسر لهم الترقي إلى المستويات العليا في الدراسة والبحث، في ظلّ أحداث سياسية عاتية ألمت بالجامعة وبالبلاد في تلك الحقبة، سببت تحجيما لكل ما يتعلق بالدين، وهو ما انعكس على الأنشطة العلمية، وذلك بإلغاء العديد من التخصصات والانكفاء على التدريس التقليدي.
في الحقيقة كنا كطلاب دراسات في حقل الأديان في تلك الفترة، نستشعر ضيق العقل الأكاديمي الإسلامي ونعاين عجزه وبؤسه، حيث افتقاد المدرّسين الأكفاء في تدريس علوم الأديان، مثل: علم الاجتماع الديني، والإناسة الدينية، وتاريخ الأديان، وعلم النفس الديني وما شابهها، باستثناء الراحل الأستاذ محسن العابد الذي حرص على بعث ذلك التخصص. ناهيك عن افتقاد أمهات المراجع، فقد كانت نسخة يتيمة للعهدين الجديد والقديم بين يدي الطلاب، مودعة في مكتبة الجامعة، وكان ما بحوزتي من مؤلفات عن اليهودية يفوق ما تختزنه مكتبة الكلية التي كانت تحوي عشرين كتابا فقط.
شاءت الأقدار أن تلتحق الثلة المولعة بالأديان، التي تشكلت في البداية في الزيتونة، بروما لتعميق دراساتها، وأقصد الأردني عامر الحافي، الذي غدا أستاذ علم الأديان في جامعة آل البيت في المفرق، وعدنان المقراني الأستاذ حاليا بالجامعة الغريغورية بروما، والغامبي حسن سعيد جالو الذي استقر به المقام في تونس، وأنا الذي غادرت تونس إلى روما بعد عشر سنوات شداد من العطالة عن الشغل، أحمل في يدي شهادتين: الأستاذية في الأديان ودكتوراه في مجال الدراسات اليهودية.
وشاءت الأقدار أن أُلحق أستاذا بجامعة أورينتالي بنابولي، وما زلت أذكر اليوم الذي كانت قدّمتني فيه البروفيسورة إيزابيلا كاميرا دافليتو إلى هيئة الأساتذة والمستشرقين والمستعربين، مرددة كلمة ملؤها التقدير والإعجاب: إنه من الزيتونة.. إنه من الزيتونة!!.
وبحسب متابعتي لمناهج تدريس الأديان في الجامعات العربية، وبالتحديد كليات الشريعة، يبدو جليا سيطرة المنهج الدعوي وافتقاد المنهج العلمي في المقاربة، فلا يزال أسلوب منهج المفاضلة هو السائد في التدريس، ولم توفّق تلك الجامعات في انتقاد المناهج القديمة، ومن ثمة تطويرها والبناء عليها، وذلك مع أن التراث الإسلامي في مجال الأديان يحوي مادة قيّمة ورائدة في مجال الإناسة الدينية ومقارنة الأديان وتاريخها ونقد الكتب المقدسة، وردت متناثرة في أعمال عدة، ومع علماء أفذاذ، مثل ابن ربن الطبري، والسموأل بن يحيى المغربي، وأبي الريحان البيروني وغيرهم.

تحرير العقل الإسلامي

* لماذا يقل فينظركم وجود باحثين أمثالكم في الجامعات العربية والإسلامية، ألا توجد بعض المحاولاتالنادرة هنا وهناك؟ وهل هذا مؤشر على الكسل في تناول الظواهر الدينية بمنهج علمي؟
- نظرا لكون العلوم الإسلامية المقدَّمة في الجامعات العربية على صلة وثيقة بالتراث، فقد بقيت محكومة لدى البعض باستدعاء التجربة التاريخية الماضية، واستصعب القيّمون عليها النفاذ إلى الواقع، جرّاء تمنّع خضوع المعيش للمقاسات والمفاهيم السالفة. وضمن هذين الحدّين: القديم وما دار فيه من سجال وجدل وفتوى، والحاضر المشرَّع على المستقبل، وما يفتقر إليه من إمكانات الإلمام والاستشراف، اختلطت القضايا على الفقيه المعاصر، فتجده ينظر إلى النوازل من خلال مشابهاتها في الماضي لا من خلال متطلّباتها ومقتضياتها في الحاضر، حتى عدت الدّراسات لديه تاريخ أفكار لا إبداع أفكار، تساهم في الحفاظ على السائد بتردّيه وتخلّفه، وتتضارب مع التطلّع لتغييره وما يبشّر به من سعة ويسر.
فتحرير العقل الإسلامي من الخرافية الساذجة، والأسطورية المقيتة، والعاطفية البلهاء، إحدى المحطّات اللازمة لتشييد الفكر الإسلامي الأصيل، والتي لن تتيسّر لها الفرصة دون تنشئة الوعي بالتشكّل التاريخي للعلوم الإسلامية، الذي لن يتم بلوغه دون تطعيم ما يُقدَّم بعلوم العصر: الألسنية، والسيميائية، والبنيوية، والتأويلية وما شابهها. فقد كانت الأذهان –ونحن ندرُس العلوم الإسلامية في الزيتونة- مع الزّركشي والباقلاّني وابن الصّلاح والإيجي وسحنون والبرزلي وابن عاشور، ولاءً وإدراكاً، وأما الأبدان والأنفس فقد كانت ملقاة تائهة، بين متطلّبات أواخر الألفية الثانية، التي لم تتحقّق، وتحدّيات الألفية الثالثة التي لم تطرح.
وفي هذا السياق نلاحظ تضخّماً لبعض التخصصات في العلوم الدينية الإسلامية، ونعني بذلك تدريس علوم القرآن والحديث والأصول والفقه والتفسير وغيرها، وفي المقابل غياب تدريس العلوم الحديثة التي تتناول الظاهرة الدينية عموما مثل: علم الاجتماع الديني والإناسة الدينية ومقارنة الأديان وتاريخ الأديان وحاضر الأديان في المجتمعات الأخرى، والأمر متأتٍّ بالأساس من ندرة المختصين العرب في هذه المجالات ومن النفور من المقاربات الحديثة، باعتبارها مناهج مبتدعة في دراسة الدين، خصوصًا أن الدين في العقلية الإسلامية لا يزال محصورا بالإسلام، ولا يزال رهين أدوات النظر الكلاسيكية.
لذلك يمكن القول إنه حتى الوقت الراهن لا تزال الجامعات العربية والإسلامية تفتقر إلى تدريس الظواهر الدينية بمنهج علمي، وإن تواجدت مبادرات لدى بعض المؤسسات اللاهوتية اللبنانية، فإنها تبقى محدودة ومحصورة.
* ذكرتم فيكتابكم "نحن والمسيحية في العالم العربي والعالم" أنه لا يخلو بلد غربي من وجود مراكز متخصصة في دراسة الظاهرة الدينية وبخاصةالإسلامية، على حين أن بلداننا العربية والإسلامية تخلو من مثل هذه المراكز، ما أسباب ذلك؟
 
- ينبغي أن نقرّ أن التكوين الذي تمنحه الجامعات الإسلامية للطالب والباحث والأستاذ، بشكله الحالي غير قادر على إكساب المرء الأدوات الملائمة للإلمام بالظواهر الدينية بشكل معرفي وموضوعي؛ إذ تغلب على القائمين بمقدّرات المؤسّسات العلمية الدينية التكوين وفق منهج الشّحن والتعبئة، في حين أن ما يعوز الدّارسين الجدد هو التفكيك والتركيب والاستناد إلى الفكر العقلاني والعلمي، بحسب تحديات أطوارهم الجديدة. وبالمقابل ثمة كتلة هامة من علماء الاجتماع العرب والمشتغلين بالحقل السياسي، ولكن يفتقر سوادها الأعظم إلى التكوين الديني أو الإلمام بالإشكاليات الدينية؛ لذلك غالبا ما تأتي أحكامهم ومواقفهم بشأن الدين مجحفة وإيديولوجية ومفتقدة إلى الرصانة العلمية.
وبشكل عام، ثمة خشية ورهبة في النظر الإسلامي الأكاديمي من العلوم الحديثة في تناول الظاهرة الدينية، وهذا الأمر نتاج هيمنة العقل الخامل، على حد تعبير الفيلسوف الإيطالي جاني فاتيموGianni Vattimo ، إذ لا يزال تدريس العلوم الدينية الإسلامية في مجملها تدريسا كلاسيكيا، ولم يبلغ بعد تدريس العوامل الاجتماعية والتاريخية التي أنشأت العلوم الدينية، كالتفسير وعلوم القرآن وعلوم الحديث وما شابهها.
فنجد الإحداثيات المستجدّة، الباحثة في وعي الإنسان ولاوعيه، النفسية والمعرفية والإناسية، وما تستدعيه من إلمام بالأطر التاريخية التي تشكّلت فيها الآراء والمدارس الفقهية، لا تزال نوافذها موصدة. وما برح تدريس العلوم الإسلامية يحتكم إلى رؤية المدرّس المتشكّل تشكّلا تقليديا، والذي يعيش قطيعة تامة مع العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي لا يعترف بها علوما، باعتبارها -حسب منظوره- غير مؤسلَمة، وفي حاجة إلى مراجعة لا ندري متى ستتم.
* هل تصعب دراسة الآخر الديني في ظل ما ذكرتموه في كتابكم عن المسيحية من وجود مسيحيات عديدة وليس مسيحية واحدة؟
- ليست هناك صعوبة في تناول الإشكاليات الفكرية أو الاجتماعية أو التاريخية المتعلقة بالآخر إذا ما عضدها تقليد علمي، وإذا ما توفر وعي لدى الأطر المشرفة بالحاجة إلى متابعة الآخر وتفهم واقعه ورؤاه وفلسفاته. فقد كان لزاما على الجامعات العربية أن تربي مقدرات الاهتمام بالآخر بين طلابها وباحثيها ولا تكتفي بالدراسات المحلية أو بترديد السابق.
وسأضرب مثلا لافتا على تفوق منهج التدريس في الغرب على منهج التدريس في الجامعات العربية، خلال إقامتي الصيفية هذه الأيام في تونس، زرت الجامعة الزيتونية، وكانت لي أحاديث مع بعض الطلاب والباحثين عن بحوثهم ودراساتهم، فتنبهت إلى غربتها واغترابها التام عن العصر: كانت إحدى الباحثات تقوم ببحث حول "الطمأنينة"، والأخرى عن "إبليس"، وباحث آخر يجهد نفسه في حلّ مسألة "القضاء والقدر"، وآخر "مفهوم الإيمان".
وعندما أقارن هذه الموضوعات بموضوعات يدرسها طلبتي في إيطاليا يتبين لي الفارق بين واقعية الدراسات الغربية، واغتراب الدراسات الدينية في البلاد العربية، أذكر من بين البحوث التي أشرفت عليها خلال العام الجاري بحثا حول "دور العوامل الدينية في عرقلة ضم تركيا إلى المجموعة الأوروبية"، ورسالة جامعية أعدت بشأن "الحجاب من منظور الصحافة العربية والصحافة الغربية"، وثالثة تناولت بالتحليل برنامج "الشريعة والحياة" الذي يبث على قناة الجزيرة، الذي يشارك فيه الشيخ يوسف القرضاوي، وغيرها من البحوث والرسائل الراهنة والحية.

المسيحية العربية

* تحدثتم عن المسيحية العربية والمسيحية التي تأوربت، وميزتم بينهما، فما الفرق؟ وهل المسيحيةالعربية أقرب إلينا من المسيحية الغربية؟
- نعم هناك مسيحيتان في البلاد العربية: مسيحية لا تزال على ارتباط بتراثها وإشكالياتها المحلية وتسعى لتطوير لاهوت عربي، وهي في الوقت نفسه على اتصال بالتراث الإسلامي باعتباره تراثها، وهي تؤمن بالإرث الحضاري والديني الذي تقف عليه، وهناك مسيحية مشرئبة نحو الغرب، وبالتحديد نحو الفاتيكان، تبحث عن الوصاية والحماية، لا همّ لها إلا اقتلاع ما تبقى من جذور عربية للمسيحية واللحاق بالغرب لاهوتا وولاء وتوجها، وهي زعزعة رهيبة لحقت بشق من المسيحية العربية خلال القرنين الأخيرين، حتى باتت تميزها علاقة عصابية مع الاجتماع العربي ومع التراث الإسلامي، فصار الوسواس المهيمن عليها في حديثها مع المسيحية الغربية الشكوى من مظالم الواقع العربي المسلم، والخشية من تطبيق الشريعة الإسلامية ومن التيارات الإسلامية، وضرورة العمل على تحريرها منه ومناصرتها، وكأن العربي المسلم ينعم بالحرية والديمقراطية والحكم الرشيد دون العربي المسيحي.
وفي المقابل، فإن اللاهوت العربي الأصيل مؤمن بتراثه ومدرك للإشكاليات السياسية والعراقيل الاجتماعية التي تشق البلاد العربية طولا وعرضا، تنعكس على المسلم كما تنعكس على المسيحي. وأن إشكالية المسيحية العربية ليست مع المسلم ولكن مع الغازي الوافد من وراء البحار، فلم يكن صدّام حسين هو من شرّد نصف مليون مسيحي عراقي بل بوش الابن الذي يزعم مناصرة إخوة الدين من أتباع المسيح.
إن تدهور المسيحية العربية وتشرذمها نابع بالأساس من ضعف الحاضنة الحضارية العربية الإسلامية، وربما بدأت العقود الأخيرة تشهد عودة الثقة لهذا الإطار الحضاري وهو ما انعكس على عودة الصحو للمسيحية العربية، وبدأت تباشيره تلوح في الأفق.
المسيحية الغربية وأزمة المعنى
* قلتم إن المسيحيةأو الكنائس المسيحية الكاثوليكية تعيش أزمة معنى، ما مظاهر هذه الأزمة؟ وأين تتجلى؟
 
- تتلخص أزمة المعنى في الكنيسة في قلق اللاهوتي العقلاني في زمن الحداثة، ببحثه الدؤوب عن الانسجام مع مجتمعه وعصره، والسعي لتجاوز التصدّع الذي هزّ علاقة الفكر الديني بالإنسان المؤمن، والتطلع لرأب الصدع بين الجانبين.
وأفضل من شخّص هذه الأزمة اللاهوتي السويسري المتمرّد هانس كونغHans Küng بما نبّه إليه من دواعي تفرّق الناس من حول الكنيسة، وما باتت تعانيه المؤسسة من خواء في المعنى، وتحوّلها إلى هيكل إكليروسي متصلّب. حتى غدت حاضرة في المجتمع شكلا لا روحا، الأمر الذي نزع عنها بعدها الإنساني الخيري، وحولها إلى مؤسّسة باحثة عن تدعيم سلطانها ونفوذها على غرار المؤسسات الدنيوية، التي باتت لا تختلف عنها في التراتبية الإدارية وفي دعم مصالحها، حتى صارت الروح الحالية للمسيحية متجلّية في افتقاد الروح.
وبشكل عام تتلخص أزمة المسيحية اليوم في خضوعها لبراديم paradigm"" مسيحية القرون الوسطى، سواء في الممارسة الكهنوتية المتجلّية في الموقف الدوني من المرأة، أو في الإصرار على العزوبية، التي تمثل شرطا لازما لرجال الدين وللراهبات، إضافة إلى الإقرار بعصمة رأس الكنيسة.
وهذه العناصر الثلاثة: دونية المرأة وعزوبة الإكليروس وعصمة البابا، هي المفاتيح الرئيسية التي تميز مسيحية القرون الوسطى، وهي في الحقيقة تمثُّلات نشأت جرّاء ظروف اجتماعية محدّدة، وما فتئت تصرّ بالحضور في الراهن.
* هل يمكن أن تحدثنا ببعض التفصيل عن الطرح اللاهوتي لهانس كونغ؟
- يلخّص كونغ طرحه اللاهوتي للخروج من أزمة المعنى في الفكر الدين المسيحي في كتابه: "الكنيسة الكاثوليكية: تاريخ موجز"The Catholic Church: A Short History المنشور بميلانو سنة 2001، بتحديد أربعة عناصر أساسية لكنيسة الألفية الثالثة حتى تتجاوز إرث العصور الماضية:
- عدم الالتفات إلى القرون الوسطى، وإلى زمن الإصلاح المضاد، بل ينبغي على الكنيسة أن تتوجّه نحو الأصول المسيحية، وتركّز اهتمامها على المستلزمات التي يفرضها الحاضر.
- ضرورة تخلّي الكنيسة عن طابعها البطرياركي الذكوري، وتجاوز الصورة النمطية عن المرأة.
- ينبغي ألا تكون اعترافية، بل منفتحة وتلغي كافة أشكال الحرمان عن المضادين أو السائرين في نهج مغاير، ممن ينعتون عادة بالهراطقة.
- ألا تكون ذات طابع مركزي أوروبي، تشيع نوعية مسيحية خاصة، بل ينبغي أن تصطبغ بصبغة كونية.
فكنيسة المستقبل –بحسب كونغ- هي كنيسة متطهّرة بالأساس من تراث محاكم التفتيش، الذي لازمها عبر القرون، وما انفك يثقل كاهلها حتى الراهن؛ بحثا عن سلطة اهتزّت جرّاء تبدلات تاريخية. فما فتئت الكنيسة تقتفي أثر اللاهوتيين التحرّريين في أصقاع العالم، كحرمانها في البرازيل ليوناردو بوف، وفي هولاندا إدوارد سكيلبيكس، وفي فرنسا جاك بوهيي، وفي الولايات المتحدة شارل كوران، وفي المجر جورجيو لانتي؛ فأزمة السلطة المتفجّرة من أخطر التحدّيات التي تواجه الكنيسة.

زحف العلمانية

* كيف ترى العلاقة بين الكنيسة والعلمانية في الوقت الراهن؟
- عادة ما تتبجّح الكنيسة بأنها منفتحة على العلمانية ومتصالحة مع الحداثة، وألاّ خصومة لها مع المجتمع المدني، في حين لا تزال تصرّ على عدم المصادقة على إعلان حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، والمسألة عائدة أساسا إلى أن العديد من الفصول في القانون الكنسي الروماني قروسطية وتتطلّب مواءمة وتحويرا. فمن ناحية حقوق المرأة، لا تزال الكنيسة تحرّم استعمال موانع الحمل وتنفّر منها هذا مع النساء العلمانيات، أما مع الراهبات فلا تزال تحرِمهن من الترقّي الكهنوتي على غرار الرجال، إضافة إلى حرمانهن من الرّواتب والحصول على منح التقاعد، التي يتمتّع بها الكهنة ورجال الدين الذكور فحسب.
تتجلى أزمة المعنى في تفرق الناس من حول الكنيسة، الذي يلخصه القول السائد "الساحات ملأى والكنائس خاوية"، ولكن في خضم هذه الأزمة تحاول الكنيسة الخروج من ورطتها وذلك بتأجيج المواقف من المهاجر العربي، ومن الاعتراف بالإسلام في الغرب، ومن ضم تركيا إلى المجموعة الأوروبية وغيرها من المسائل. كما تحاول أيضا في ظل أزمتها اختلاق أذرع علمانية بديلة على ارتباط بالكنيسة، فالمتابع لجيش المبشرين والمبشرات التابع للكنيسة يلحظ أنه بات يعتمد اعتمادا كبيرا على العناصر "العلمانية" غير المنتمية لسلك الرهبنة.
كما باتت الكنيسة تستعيض عن تنظيماتها بتنظيمات أخرى ذات طابع علماني، فهي تضغط في البرلمان الأوروبي عبر المجموعة البرلمانية لـ"الحزب الشعبي الأوروبي"، وفي الأوساط الاجتماعية عبر مجموعات ضغط وحركات مثل: "أبوس داي" Opus Deiفي إسبانيا، و"سانت إيجيديو" Sant'Egidio في إيطاليا، وفي الوقت نفسه تكبح التنظيمات التي تبدي امتعاضا من سياسة الفاتيكان أو البابا، عبر سحب الاعتمادات وكفّ التمويل عنها، وهو ما جرى مع تنظيم "اليسوعيين"؛ نظرا لعدم رضاه عن عدد من الخيارات التي اتبعتها الكنيسة.
* قلتم إنالمسيحية تعيش أزمة بين المراكز والأطراف، هل يمكن أن يؤدي هذا إلى انشقاقات مسيحيات جديدة في أفريقيا وآسيا مثلا؟
- ليست الأزمة بين المركز والأطراف في الكنيسة جديدة بل تعود إلى عقود سالفة، ولا أدل على ذلك من صراع الكنيسة الدائم مع "لاهوت التحرير" بأمريكا اللاتينية ومحاصرة "اللاهوت الأسود الإفريقي"..
عانى اللاهوت الأول أيما معاناة من مطاردة الكنيسة ومن تسليط سوط الحرمان على رموزه، ويعاني اللاهوتي الثاني من صنوف المحاصرة والاحتواء والإغراء، فلا يزال المسيحي الأسود يشكل بروليتاريا داخل الكنيسة في حين تبقى طبقات الكرادلة ورؤساء الأساقفة والأساقفة بيضاء في أغلبها. كان إيمانويل ميلينغو، أسقف لوزاكا، الذي تم اعتقاله داخل سجن حاضرة الفاتيكان لمدة أشهر وتطليقه من زوجته عنوة، بسبب ثورته على الطابع الأبيض للقانون الكنسي أحد ملاحم اللاهوت الأسود في التاريخ الكنسي الحديث.

الحصانة من التبشير

* كلما ذكر التنصيروالتبشير تهيجت المشاعر الإسلامية هنا وهناك، في نظركم ما المنهج الأمثل في معالجةهذا الموضوع خاصة لدى عموم المسلمين والحكومات والمنظمات الإسلامية.
- رغم ما يثار من ضجيج ومبالغة حول مسألة التبشير، فما زال الفكر العربي يفتقد الدراسات العلمية في هذا الشأن. وربما من الجائز أن نقول إن التبشير قد لعب دورا إيجابيا من حيث المساهمة في إخراج العقل الإسلامي من شروده وذهوله، فانبرت منظمات إسلامية تنشط في إفريقيا وفي آسيا لتقلد أنشطة الكنيسة، ولا نقول لتزاحمها، فما زال فرْق النشاط بينهما جليا.
وبالمثل في بلاد المغرب الإسلامي بتنا بفضل التبشير نسعى لترجمة بعض النصوص الدينية الأساسية إلى اللغات المحلية، أقصد إلى اللغات الأمازيغية، تقليدا لما فعلته الكنيسة منذ عقود خلت، بعد أن كنا لا نولي الأمر عناية، ظنا أن الساحة ساحتنا والفضاء فضاؤنا.
وعموما بشأن مسألة التبشير، ما دام العقل الإسلامي يخشى التبشير فهو دليل على ما انحدر إليه من مستويات وهن العظم. ففي ظل تردي وعي العقل الإسلامي الراهن بالآخر الديني، يبقى الفكر المسيحي مهما اعترته من أزمات مهددا للفضاء الإسلامي، لا لشيء إلا لأنه يرد من فضاءات وأوساط متفوقة حضاريا.
وفي خضم تشعبات مسألة التبشير، نقول إن معارك بعض الدول العربية المدعاة ضد التبشير هي معارك دون كيشوتية، فكيف لبلدان يروّج فكرها الديني السلطوي الخرافة والأسطورة والكرامة أن تدعي أنها تصدّ التبشير؟ وكيف للفكر الديني المغترب أن يصد ما يفوقه عدة وعتادا؟ وكيف لعقل ديني مستقيل أن يناطح علماء وخبراء ومؤسسات تدعمها الكنيسة؟ أنصح المؤسسات العلمية العربية والإسلامية أن تطور الفكر العقلاني والعلمي داخلها، حينها ستتراجع كافة التهديدات والمخاطر وستعلو مقدرات الحصانة الداخلية.

أجرى الحوار: الحسن سرات
إسلام اون لاين:14/6/2011

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.