
الحديث عن الحركة الإسلامية -وبخاصة التي نشأت حول قضايا كبرى تستحضر المقدسات والتاريخ والعواطف والتأييد الكبير- يشبه الاقتراب من عشّ الدبابير، وبدلاً من الانشغال بالسؤال نتحوّل إلى السجال والهجاء والصمم الفيزيائي الذي يشغل عن التفكير فيما يجري حولنا، وقد يمضي بالناس والحياة والتاريخ بعيداً عنا، ثم نبقى في مكاننا تحت وطأة الإهمال والعزلة والنسيان، والذكريات المجيدة!
إن الحركات الإسلامية هي أدوات وأوعية للعمل، وليست غاية بحد ذاتها للعمل الإسلامي، ولا هدفاً تسعى إليه الأمة، ولا تختص lدون سواها من الأمة بمعاملة أو فقه أو عذر أو واجب، فالواجبات منوطة بالأمة بأسرها، ومن حقها (الأمة) أن تراقب وتحاسب هذه الجماعات بصفتها من أدواتها التي تملكها، فالعبرة بمصالح الأمة والمجتمعات والدول (بالمفهوم العلمي للدولة وليس السلطة) وغاياتها.
وقد أدّت الحركات الإسلامية دوراً مهماً في مرحلة حرجة كانت الأمة الإسلامية تعاني فيها من الاستلاب والغزو الفكري، وأسهمت في إعادة الثقة بالدين والفكر والتراث، ولكن يجب ألا نخلط بين الظاهرة الأساسية وبين أدواتها وتجلّياتها وأعراضها، فالصحوة الإسلامية هي حالة للأمة والمجتمعات الإسلامية توصّلت إليها الأمة بأسرها عبر مراحل ومخاضات وتطوّرات، والحركة الإسلامية تعبّر عن هذه الظاهرة ولم تصنعها، فالأمة هي التي صنعت الصحوة والحركات والجماعات الإسلامية وليس العكس، لقد جاءت السنوات الأخيرة بتحوّلات كبرى حضارية واجتماعية وسياسية واقتصادية وتقنية، وبأحداث عالمية وإقليمية ومحلية غيّرت كل شيء تقريباً، وكان الخطاب الإسلامي واحداً من مكونات وموضوعات التحوّلات الكبرى التي تجعل فهمها خطوة مهمة وضرورية بل وحتمية لنفهم: أين نحن؟ وأين كنا؟ وإلى أين نمضي؟ وماذا كسبنا؟ وماذا خسرنا؟ وماذا نريد؟ وكيف نوّفق بين أهدافنا وإمكاناتنا ومواردنا، ونخرج من دوّامة التكرار والهدر لنبدأ بالإقلاع في الطريق الصحيح؟
ويصعب الإحاطة بالتحوّلات الجارية في العالم والتي تؤثر في الوقت نفسه على الخطاب الإسلامي، فهذا موضوع يستحق دراسات مستقلة، ولكن ما يعنينا في هذا المقام هو استحضار أهم التحوّلات لربطها بالأفكار والاعتبارات المقترحة لتحديد ملامح ومؤشرات الخطاب الإسلامي المقبل.
فقد تبدت في هذه التحولات أولويات واحتياجات جديدة غيّرت كثيراً من واجبات وطبيعة الجهود الإصلاحية، وظهر أيضاً كثير من الإنجازات والمكاسب التي تحققت والتي يجب إدراكها ومراجعة العمل في مجالها لتوجيه الجهود والموارد نحو ما لم يتحقّق بعد، وبالطبع فإن ثمة تحديات وعيوباً كثيرة رافقت العمل الإصلاحي يجب الالتفات إليها.
ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى مجموعة من التحولات والمشاهد: الصحوة الإسلامية الكبرى والتي عمت العالم الإسلامي، وتحوّلت إلى مكون أساسي من مشهد العالم الإسلامي الذي يجب أخذه بالاعتبار عند التفكير بالإصلاح والعمل، وتصاعد العنف المنتسب إلى الإسلام (جماعات وحركات العنف والتطرف) وما صحب ذلك من أحداث وتداعيات على العالم الإسلامي، كان من أهمها العودة العسكرية الاستعمارية للولايات المتحدة والغرب إلى العالم الإسلامي، واحتلالها لأجزاء من العالم الإسلامي مثل أفغانستان والعراق وتهديدها لدوله وموارده، وقد انعكست هذه الأحداث على العلاقة بين المسلمين والغرب، وفتحت المجال واسعاً وفي جميع المسارات لإعادة الصراع ومحاولة الفهم والحوار والتهديد والاحتلال، وموجة المعلوماتية والاتصال والتي غيرت من وجهة الحضارات والمجتمعات، وبدلت في الموارد والقوة والضعف، وجعلت العالم متداخلاً (العولمة).
منقول عن جريدة الغد الاردنية
10/4/2009
ابحث
أضف تعليقاً