كلمة الدكتور محمد تركي بني سلامة في "دور المصالحات الوطنية في التنمية والإعمار".
دور مؤسسات المجتمع المدني في عملية الإصلاح الوطني
* د. محمد تركي بني سلامة
يكثر الحديث عن الإصلاح بأنواعه الدستوري والسياسي و الاقتصادي والاجتماعي والإداري ... والقائمة طويلة، وكذلك المجتمع المدني باعتباره اليوم محط الاهتمام العام ويعتبره البعض منبع الديمقراطية، لذلك تعقد الندوات والمؤتمرات وتقام والمحاضرات واللقاءات وغيرها من الأنشطة الثقافية والفكرية والإعلامية للحديث عن الإصلاح ووجوب تطبيقه فورا في العالم العربي باعتباره ضرورة ملحة ومصلحة وطنية لتلافي بديل الخراب والدمار والانهيار الذي حل بالعالم العربي، وكذلك للحديث عن المجتمع المدني نظرا للدور الحاسم الذي يلعبه في عملية الانتقال أو التحول الديمقراطي وذلك على النحو الذي تؤيده السوابق والشواهد التاريخية مثل دول أوروبا الشرقية أو بعض الدول الإفريقية أو دول أمريكا اللاتينية.
وبكلمات أخرى نقول أن مسألتي الإصلاح الوطني والمجتمع المدني دخلتا ميدان الفكر السياسي العربي المعاصر في العقدين الماضيين، ولا سيما بعد كارثة 11 أيلول عام 2001، بقدر هائل من القوة الكثافة بحيث استطيع القول انه لا تمر دقيقة من الزمن دون أن يكون هناك نشاط اوحراك شعبي على الصعيد المحلي أو العربي له علاقة بمسألتي الإصلاح الوطني والمجتمع المدني، نحن نجيد الحديث والتنظير عن هذه الموضوعات على الصعيد النظري ولكن لو تحولت الأقوال إلى أفعال وغلبت الجدة وصدقت النوايا وتعمق الإيمان بفضائل الإصلاح والديمقراطية لتحقق الإصلاح ولتجنبنا حالة الفوضى التي تطغى على عدد غير قليل من دول العالم العربي وربما انضممنا إلى نادي الدول الديمقراطية في العالم بشكل سلس وطبيعي ودون صدمات أو عقبات، فتقرير التنمية الإنسانية اعتبر الدول العربية عصية على التحول الديمقراطي الحقيقي وتمثل الاستثناء ضمن موجة التحول الديمقراطي التي اجتاحت العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر القرن الماضي.
إزاء هذا الوضع، وفي هذه العجالة سنكون مدعوين بداية إلى تحديد المصطلحات والمفاهيم لنتعرف إلى معاني الإصلاح والمجتمع المدني وما ينطوي عليه من دلالات، مثلما سنكون مدعوين إلى الحديث عن الدوافع والأسباب التي تبرر القول بضرورة الإصلاح وتحقيق الشراكة بين المجتمع المدني والدولة لانجاز مشروع الاصلاح الوطني والانتقال الديمقراطي، ثم تعيين آليات الإصلاح، وأخيرا العوائق والتحديات التي تقف في وجه تحقيق الإصلاح المنشود وبناء وتعزيز المجتمع المدني النشط والفاعل.
أولا: في معنى الإصلاح والمجتمع المدني :
إن كلمة الإصلاح ليست جديدة على الفكر السياسي العربي، وقد ورد ذكرها في القران الكريم في أكثر من صورة : " والله يعلم المصلح من المفسد" سورة البقرة : الآية 22، وقوله تعالى مخاطبا فرعون : " أن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين " سورة القصص الآية 19، وبالتالي فان مفهوم الإصلاح مفهوم قديم جدا في الفكر العربي، وهكذا فان دعوات الإصلاح بدأت في الوطن العربي منذ زمن طويل وقبل نشوء الدول العربية الحديثة، مثل دعوات ابن تيمية ، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي وعلي عبد الرازق وغيرهم من الرموز الإصلاحية، اللذين صاغوا أيديولوجيات، أو خطاب إصلاحي مناسب لواقع المجتمع العربي في تلك الفترة من تاريخ العالم العربي التي تميزت بالانقسام والضعف والتخلف والانهيار على كافة المستويات.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ونشوء الدول العربية الحديثة استمرت عملية المطالبة بالإصلاح فقد كان مطلبا دائما للشعوب العربية التي رزحت تحت حكم أنظمة تسلطية اتخذت أشكالا ومسميات مختلفة، عملت على إجهاض المحاولات ودعوات الإصلاح في الوطن العربي، فلم تتكلل بالنجاح جهود أي مجتمع عربي بالوصول إلى توافق مع أي نظام حكم عربي لتحقيق الإصلاح المنشود، وإنما عملت الأنظمة التسلطية باستخدام الحل الأمني وأساليب الترغيب والترهيب على تعطيل وإجهاض محاولات الإصلاح حتى الوقت الحاضر .
بشكل عام أصبح مفهوم الإصلاح شائع ومتداول في الأدبيات السياسية وان كانت أبعاده ومضامينه السياسية والاقتصادية الاجتماعي متضمنة في الكثير من المفاهيم الأخرى في الأدبيات السياسية الحديثة مثل التنمية السياسية ، التحديث، التغيير السياسي، وجميع هذه المفاهيم مرتبطة بالديمقراطية، إن مفهوم الإصلاح لا زال يكتنفه الغموض أحيانا وذلك لتداخله مع العديد من المفاهيم السابقة ، الأمر الذي يجعل وضع تعريف دقيق له أمرا ليس سهلا إلا انه في هذه العجالة يمكن تقديم التعريف التالي لمفهوم ا لإصلاح :
التغيير والتعديل نحو الافضل لوضع شاذ أو سيء، ولا سيما في ممارسات وسلوكيات أفراد أو جماعات أو مؤسسات فاسدة أو متسلطة أو يمكن اعتبار الإصلاح بأنه إزالة ظلم أو تصحيح خطا أو تصويب اعوجاج اذا ما توفرت الشروط أو الظروف التالية :
أما بخصوص مفهوم المجتمع المدني فهو أيضا مفهوم مثير للجدل ويكتنفه الغموض أحيانا شانه في ذلك شان الكثير من المفاهيم والمصطلحات في العلوم الإنسانية، فتاريخيا ظهرت فكرة المجتمع المدني في كتابات أرسطو الفيلسوف اليوناني الشهير حيث تحدث عن مجتمع سياسي يتألف من مجموعة من الأفراد الأحرار المتساوون في نظام سياسي "الدولة" . إلا أن المفهوم الحديث للمجتمع المدني قد ظهر في القرن السابع عشر في كتابات عدد من الفلاسفة الغربيين ولا سيما لوك ومونتسكيو وهيجل وجرامشي.
ما هو المجتمع المدني ؟
خلال المأتي عام الماضية ظهرت الكثير من التعريفات والمعاني لمفهوم المجتمع المدني، وقد كان للفيلسوف الألماني هيجل دورا بارزا في بلورة هذا المفهوم حيث اعتبر هيجل المجتمع المدني كل فئة من المجتمع منفصلة وظيفيا عن الدولة، فقد أدرك هيجل الطبيعية التسلطية للدولة ورأى المجتمع المدني كتيار قوي يقف أمام تسلط الدولة وتدخلها السافر والمستمر في شؤون والمجتمع لكن هذه الرؤية للمجتمع المدني تعرضت للنقد لظهور الأفكار الرأسمالية والماركسية وغزوها للفكر المجتمع الغربيين حيث قدم كل من التيارين الرأسمالي الليبرالي والماركسي رؤية جديدة للمفهوم، وإذا كان المجال لا يتيح للوقوف على رؤية كل من التيارين إلا أنهما اتفقا على أن المجتمع المدني يشكل تيار أو جزء من المجتمع أو اتجاه يختلف عن أو يعارض الدولة وكذلك اتفقا على الطبيعة التطوعية لافرادها . وأجمعت التعاريف المتباينة للمجتمع المدني على أهميته كمظهر من مظاهر التعبير الحر عن الرأي العام وباختصار يمكن تعريف المجتمع المدني بأنه المشاركة الجماعية الطوعية المنظمة في المجال العام بين الأفراد والدولة ويتكون من عناصر ومؤسسات غير حكومية كالأحزاب السياسية والنقابات المهنية والاتحادات العمالية والجمعيات الخيرية .
ما يهمنا في هذا السياق التأكيد على العلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية والإصلاح فهناك علاقة تكاملية بين المجتمع المدني والديمقراطية إذ لا ديمقراطية بدون مجتمع مدني ولا يتصور وجود مجتمع مدني في نظام غير ديمقراطي، وهكذا فان المجتمع المدني الذي لا يخضع لسيطرة الدولة ونفوذها هو قوة موازنة للدولة يحد من طغيانها وانفرادها بالمواطن والمجتمع فهو مستوى وسيط بين المواطن والدولة.
أما عل صعيد الإصلاح فان المجتمع المدني يستطيع إذا ما توافرت له الظروف أن يلعب دورا فاعلا في صياغة اجندة الإصلاح، والمشاركة في تفعيل عملية الإصلاح، ومن هنا فانه لا بد من استكمال نواقص المجتمع المدني من حيث النوع والكم وتوفير البيئة الخصبة لنمو وتطور مؤسسات المجتمع المدني بتوفير الإمكانات وقنوات التعبير والتنظيم.
ثانيا : دوافع وأسباب الإصلاح :
ثالثا : آليات وملامح الإصلاح المنشود:
تعتبر إدارة عملية الإصلاح المنشود من قبل النظام السياسي وجماهير المواطنين من الأمور الهامة في هذا السياق لأنها تعكس أولا : مدى جدية النظام السياسي ومدى توفر الإرادة السياسية لديه في تحقيق الإصلاح المنشود ، وثانيا : تعكس حقيقة التوازنات داخل النظام مدى قوة القوى السياسية والاجتماعية المعنية بعملية الإصلاح في الحفاظ على المكتسبات الإصلاحية.
بشكل عام يمكن ملاحظة أهم ملامح واليات الإصلاح في الوطن العربي على النحو التالي :
أولا : إن كافة القوى والتيارات الإصلاحية في الوطن العربي كانت حتى عام 2010 تطالب بإصلاح النظم السياسية القائمة لا بتغيرها ، وهذه الظاهرة تمثل عنصر ايجابي ومهم استطاعت بعض الأنظمة السياسية العربية مثل المغرب والأردن والكويت على سبيل المثال أن تستغلها بذكاء وتخلق توافقات جنبت تلك النظم نذر الحرب الأهلية التي كانت تلوح في سماء أنظمة أخرى مثل تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها.
ثانيا : إن الطابع السلمي الذي عادة ما يرافق المطالب الإصلاحية قد يتحول إلى أعمال احتجاج وعنف سياسي وإرهاب وحرب أهلية دموية من اجل تحقيق المطالب الإصلاحية السلمية، إن تجاوب السلطات الحاكمة مع القوى والتيارات السياسية المنادية بالإصلاح وعدم اللجوء إلى الحلول الأمنية، والانفتاح على المعارضة والقوى الإصلاحية وفتح قنوات الحوار معها ضمن مشروع وطني للإصلاح يعبر عن نضج و وعي النظام السياسي وقدرته على التكيف مع الظروف والمستجدات .
ثالثا : إن التدرج في الإصلاح هو وسيلة وليس غاية في حد ذاته، فإذا كان التدرج يهدف إلى ضبط مسارات الإصلاح وعدم سلق المراحل والقفزات الغير محسوبة التي قد تفضي إلى نوع من الفوضى وعدم الاستقرار، فان هذا أمرا مبررا أما إذا كان البطء والتدرج يعني خطوة إلى الأمام وخطوة أو أكثر إلى الخلف مما يعني الركود وتجميد الحياة السياسية ، وإجراء إصلاحات شكلية تعكس وجهة نظر النخبة الحاكمة، فان هذه الإستراتيجية تدفع بالقوى الإصلاحية إلى العنف نظرا لتنامي الاخفقات والتوتر بين هذه القوى والنظام السياسي ومن يسانده من الطابور التسلطي المنتفع من بقاء الأوضاع على ما هي عليه، وقد يكون من سؤ التقدير أن يركن الحاكم إلى هذا الطابور الذي يعاند إرادة الشعب والتاريخ ، والأمثلة كثيرة على هذا النوع من الحكام!
رابعا : عوائق وتحديات الإصلاح والمجتمع المدني :
لقد كان الإصلاح على جدول الأعمال السياسي والفكري للقادة والمفكرون العرب منذ ما يزيد عن 200عام إلا انه بقي يراوح مكانه في بعض الدول العربية، ويعيش مخاضا عسيرا في دول أخرى، لذلك فان استعراض عوائقة بشكل عام في العالم العربي أمرا ليس سهلا، ولكن في هذه العجالة يمكن وضع ما يشبه عناوين عامة لهذه العوائق والتحديات.
أولا : عدم اكتمال بناء الدولة الوطنية : لا تزال الكثير من الدول العربية في مرحلة التشكيل أو بناء الدولة ، وخاصة مع استمرار قوة وتأثير الولاءات الفرعية حيث تتفوق على الولاء للدولة ، مما يسهم في تكريس حالة من الشد والجذب بين الدولة والمجتمع، و يعيق عملية الإصلاح وتطور مؤسسات المجتمع المدني .
ثانيا: عدم تبلور مفهوم المواطنة كأساس للعلاقة بين المواطن والدولة ،لا شك أن مسالة المواطنة هي حجر الأساس في بناء الدولة الوطنية الحديثة، وهي جوهر الرابطة السياسية بين الحاكم والمحكوم، ولما كانت الدول العربية تعاني من الانقسامات العرقية واللغوية والدينية مما جعل هذه الانقسامات وسيلة او أساس لتعزيز الانتماءات الفرعية ، وبالتالي ضعفت فرص تكريس وتبلور مفهوم المواطنة.
ثالثا : الثقافة أولا والثقافة دائما : إن الثقافة تلعب دورا يفوق دور السياسة في التأثير على الأفكار والسلوك الإنساني، وبالتالي فانه من الصعوبة بمكان تحقيق إصلاح سياسي أو إقامة مجتمع مدني فاعل بدون ثقافة ديمقراطية في الأسرة والمؤسسة والنادي والبرلمان والحكومة وغيرها من المؤسسات، تجسد قيم التعددية والحوار والتسامح، ونبذ الاستبداد بالرأي والقرار، والعنف والتطرف والإرهاب.
رابعا : ضرورة تقوية ودعم المجتمع المدني والأحزاب السياسية، ذكرنا سابقا أن المجتمع المدني منبع الديمقراطية ، وبالتالي هو ركيزة أساسية من ركائز الإصلاح، ومن هنا فانه لا يمكن تصور نجاح مشروع إصلاحي في ظل مجتمع مدني متخوف أو ضعيف وهش، ومن هنا لا بد من أن ترفع النظم السياسية قبضتها عن المجتمع المدني وتوفر الظروف المناسبة لتقوية منظمات المجتمع المدني وتحقيق استقلاليتها عن الدولة ، وإلا فإنها تصبح امتدادا للدولة فتقد مبررات وجودها.
أما بخصوص الأحزاب السياسة فإنها أيضا عماد الديمقراطية ولا يمكن تصور قيام ديمقراطية حقيقة وفاعلة في ظل غياب أحزاب سياسية فاعلة مؤثرة في الدولة والمجتمع.
أخيرا أقول إن الدولة التسلطية في العالم العربي قد ابتلعت المجتمع ، و وأدت كل محاولات الإصلاح ، وأنها ليست في وارد الوعي بالحاجة التاريخية إلى فتح المجال السياسي ، وعقد هدنة أو صفقة تاريخية مع المجتمع لتحقيق الإصلاح والتنمية ، وهي سلطة أكثر من مطلقة تواجه مجتمع عاجز وصامت ومسلوب فيما الطابور الانتهازي غير الوطني من المسفيدين من الوضع القائم ولا سيما مثقفوا السلطان يتغنون بالحرية والديمقراطية والامن والاستقرار، وهكذا تغلف سماء المنطقة العربية حالة من الاحتباس السياسي، ويتسائل البعض كيف ولماذا داعش وهم يرعونها صباحا مساء.

ابحث
أضف تعليقاً