
لكل نظام شعار خاص به، فشعار النظام الإسلامي العدالة النسبية في هذا الكون المنظور، وقد كان عنوان دعوة الإسلام العدل والإحسان، عبر عن هذا جواب الرسول صلى الله عليه وسلم عن سؤال سائله بكلمة جامعة لمعاني الإسلام» إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون»، والقسط شعار الديانات السماوية كلها، علاوة على ترغيب الناس بالوحدانية والعبادة الخالصة لله، ودعوتهم إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق وبيان ما يصلح أحوالهم في الدنيا، فقد قال الله تعالى:» لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط».
ومن المعلوم أن العدالة تتنوع، وهي أساس في كل تنظيم أحادي أو جماعي، أو دولي، فهي توزيع القوى والطاقات الإنسانية في هذا الكون، بحيث تسير كل قوة في مسارها ومنهجها الصحيح الآمن، حتى تلتقي الجهود والقوى الخيرة المختلفة في نهايتها في نقطة واحدة هي مركز القوة في الأمة، فيحقق الإنسان الصالح عندها خلافته الراشدة في هذه الأرض على أفضل وأشمل وجه، على وجه يغلب فيه الخير المنتج بدل الشر المفسد.
العدالة القانونية والقضائية في الإسلام أن يطبق القانون على الجميع على سواء، لا فرق بين جنس وجنس، ولا غني وفقير، ولا دين ودين، ولا جاهل ومتعلم، بل الجميع أمام القانون سواء، فلا تفاضل بين الناس في التطبيق القانوني العادل، وإنما التفاضل بالإخلاص في العمل، والقيام بالفضائل الإنسانية، والالتزام بالأوامر التي دعت إليها الشريعة الغراء « إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، ولقد صرح الرسول الكريم بالمساواة المطلقة استناداً إلى الأحكام الشرعية الضابطة لتحركات الإنسان بقوله:» كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى «.
وقد سار الصحابة والخلفاء الكرام على سيرة الرسول الكريم القدوة في القول والعمل في تطبيق هذا النوع من العدالة، حتى أن عمر رضي الله عنه يصيح في وسط الصحابة رضي الله عنهم والناس قائلاً:» القوي منكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف قوي، حتى آخذ الحق له»، وقد نفذ ذلك القول تنفيذاً دقيقاً، فكان إذا أمر أمراً، أو نهى عن أمر، أحضر بنية وخاصة أهله وقال لهم:» لقد أمرت الناس اليوم بكذا، والله لا أوتى بمخالف منكم إلا ضاعفت له العقاب» خشية أن يستطيل بنوه وقرابته على الناس لصلتهم به، توج هذه العدالة برسالته القضائية الموجهة لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه عندما ولاه القضاء:» سوّ بين الخصمين في مجلسك وإشارتك وإقبالك».
والإسلام في عدالته القانونية لم يتجه إلى تصغير جرائم الكبراء، وتكبير جرائم الضعاف، ولم يخلع على الزعماء والقادة القداسة التي لا تمس، كما كانت تفعل ولا تزال القوانين الوضعية، ولقد بريء الإسلام من كل مظاهر التقديس البشري، فإن علماء الأمة الإسلامية سلفاً وخلفاً أجمعوا على أن الولاة مؤاخذون في الأقضية كسائر الناس، لا فرق بينهم وبين أحد من الناس، هذا عدالة الإسلام القانونية والقضائية لا تفرق بين الطوائف الدينية، فغير المسلم الذي يعيش مع المسلمين تطبق عليه الأحكام التي تطبق على المسلمين إلا ما يتعلق بأحوالهم الشخصية فإنه يطبق عليهم فيها أحكام دينهم الذي ارتضوا، فتوزيع مكاسب العدالة لا يحرم منها أحد، وقد عاش الناس في ظل دولة العدالة والقانون والإحسان بسعادة غامرة شعروا بالأمن والأمان والاستقرار تفرغوا للأعمال المنتجة التي تخدم آفاق التنمية الشمولية وتنعكس إيجاباً على كل مواطن، بحيث أصبحت الثقة الإيجابية بين الحاكم والمحكوم، وتنادي الناس جميعاً لحماية مكتسبات الدين والوطن والأمة وكانوا حصناً لا يخترق لأن حمل المسؤولية جزء من العقيدة والعبادة والأخلاق والفضائل العامة.
29/4/2011
ابحث
أضف تعليقاً