العلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية في الإسلام
(أسسها وضوابطها)
د. مريم آيت أحمد
أستاذة العقائد والأديان المقارنة & رئيسة وحدة حوار الحضارات في كلية الآداب والعلوم الإنسانية -جامعة بن طفيل ـ القنيطرة / المغرب
تمهيد :
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أفضل المرسلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
إن تحديد جوهر علاقة الآنا بالآخر لا ينفك عن رصد واقع المجتمع العربي الإسلامي، الذي أدخل ومنذ القرن التاسع عشر في تاريخ غير تاريخه من خلال جريمة الاستعمار الغربي، ومن خلال تجميد تاريخ شعوبه الإسلامية، وتشويه ثقافته وحضارته التي تُعبر عن روحه التاريخية من جهة، ومن جهة أخرى نتيجة معاناته من تحديات تأكيد الذات وسط عالم تسارعت فيه الاكتشافات والاقتراعات العلمية، وتنافست فيه المراكز الكبرى للاقتصاد والمال والتكنولوجيا لاكتساح أكبر مساحة من التأثير والإنزال والهيمنة.
ولذلك ولأسباب موضوعية وجد مجتمعنا العربي والإسلامي نفسه أمام معطيات جاهزة تكنولوجيا وتكتلات اقتصادية ضخمة مؤثرة إلى حد بعيد في صنع القرار السياسي، وهي عقبات لا بدّ من الوقوف عندها والتعامل مع معطياتها وإفرازاتها ونتائجها المستقبلية بعقلانية وجدية، لأنها تلامس عمق البنيان النفسي والفكري لمجتمعنا، وتؤثر بشكل سلبي على مصداقية واستمرارية تواصل علاقات أجيالنا مع الآخر ثقافياً وحضارياً واقتصادياً وإعلامياً وتقنياً ....
لقد باتت مقولات التفاهم والتعايش بين الشعوب في إطار مفهوم (الإعتراف بالآخر) موضوعاً جديداً بالنسبة للغرب الذي أثبت أن واقعه الثقافي والتاريخي والحضاري لم يتشكل في (إثبات ذاته) إلا من خلال نفي وإقصاء وتشويه صورة الآخر كما عبّرت أطروحة العولمة ونهاية التاريخ.
أما الإسلام فإنه يتجاوز هذا المنطلق الذي فرضته الثقافة الغربية في التعايش مع الآخر وعياً وممارسة، لأن الإعتراف بالآخر ليس إشكالاً اقتضته تحديات المرحلة الراهنة وإنما هو جزء من عقيدة المسلم، وأساس من أسس دينه التي علمته أن الإنسانية واحدة لا تتجزأ، وأن الله تعالى أراد للناس أن يكونوا قبائل وشعوباً متنوعة ليتعارفوا، وليحققوا التفاعل المتحضر والعيش الآمن داخل مساحات شاسعة وبيئات مختلفة تضم أسرة إنسانية واحدة.
إن الأمة الإسلامية من حيث هي أمة الوسطية، شاهدة وكونية، لا تنفي عطاء ونتاج الحضارات، وعلاقتها مع الحضارات ليس علاقة صراع ونفي الآخر، بل لاستيعابه في إطار مبدأ التعارف والتكامل في أفق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كقيم إلهية توجّه البشرية إلى المُثل العليا الحقيقية.
وتاريخنا لم ينتج الوحدة التي صنعها العرب والمسلمون بعلاقاتهم الودية مع الآخر، عن عنف التوحيد السري أو الانصهار التام في كل شيء، وإنما أسسوا لوحدة قائمة على احترام حقائق التاريخ والمجتمع، لأنها حقائق طيبة متناغمة مع نواميس الوجود الإنساني. إلا أن استحضار واقع المجتمع العربي الإسلامي في ظل التحديات العالمية المعاصرة يُوحي بارتباك العلاقة بين الذات والآخر(الداخلي). وتتضخم الإشكالية أكثر في علاقتنا بالآخر /الغير(الخارجي) الذي يغيب شعورياً ولا يحضر إلا في لحظات التجيير لتحقيق وصولية اجتماعية أو دبلوماسية سياسية، غير مقررة بإيمان عميق بمبدئية القيم الإسلامية في ضرورة استحضار الآخر، تطبيقاً وممارسة، وسلوكاً كما طبقها رسولنا الكريم وشهدت بها صفحات تاريخنا المجيد.
1 ـ ماهية العلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية الإسلامية
مفهوم الآخر:
المعنى العام لمفهوم الآخر هو الغير، أي المختلف وكانوا يطلقونه على الأشياء، وأيضاً الحالات المعنوية. إن الآخر هو السوي المغاير الذي يقابل الذاتي والمشابه.( )
والغير هو أحد تصورات الفكر الأساسية، ويراد به ما سوى الشيء مما هو مختلف أو متغير عنه، ويقابل الانا ومعرفة الغير تعين على معرفة النفس.( )
إن إشكالية العلاقة مع الآخر يجب أن تقرأ في ضوء تحديد إشكالية الذات، بمعنى أن السؤال عمن هو الآخر؟ ينطوي أولاً على السؤال من نحن؟ إن الحديث عن ماهية العلاقة مع الآخر يفرض علينا تحديد معنى الغيرية ومستوياتها كما حددها الإسلام، وهي تعني ضمنياً التعايش والتعارف مع احترام الفروق بالنسبة للأفراد شعوباً وقبائل وجنسيات ولغات وأديان على حد سواء.
فالنظرة الإسلامية للعالم لا تعتبر التعدد والتنوع البشريين من قبل الحوادث التاريخية أو الانحرافات الشخصية أو العيوب الإنسانية، بل تعدهما مظهراً من تدبير الله تعالى للعالم، وسنة من سنن الله تعالى في الكون، ولو شاء الله تعالى لخلق الناس على نمط موحد من الأفكار والمشارب، والأهواء والأذواق، ولكن حكمته سبحانه اقتضت اختلاف البشر وتعددهم في الكون إزاء سموه ووحدانيته، وهو ما أكدّته مجموعة من آيات الكتاب الحكيم. {{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم }}( )
وفي هذا التأصيل لمبدأ الغيرية والتعددية يتجلى تكريم الله تعالى للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وهذه هي أخص خصائص حقوق الإنسان وأقوم منهج للمجتمع الإنساني، فالغيرية في الإسلام تعني في جوهرها التسليم بالإختلاف، التسليم به وفقاً لا يسع عاقلاً إنكاره والتسليم به حقاً للمختلفين لا يملك أحد أو سلطة حرمانهم منه.
إن حدود العلاقة مع الآخر تعني ضمنياً، التعايش مع احترام الفروق بالنسبة إلى الأفراد والجماعات على حد سواء، فإذا فهمنا حدود هذه العلاقة والسائرة كلها نحو التكامل، والتعاقب والمداومة والاستخلاف والترقي فإننا سنفهم بشكل أفضل مكانتنا ودورنا في العالم المعاصر، بل سندرك بشكل جدي أفضل المناهج والسبل اللازمة للمواجهة والتصدي.
إن العلاقة مع الآخر لا يمكن أن تؤدي دورها المنشود، إلا إذا تأسست على قاعدة احترام متبادل بين الأطراف المتحاورة، واحترام كل جانب لوجهة نظر الجانب الآخر وإن لم يقبل به، لأن الهدف ليس هو السعي وراء الاتفاق الكلي وإنما ربط العلاقات مع الآخر لإثراء الفكر، وتمهيد طرق التعاون المثمر في شتى مجالات الحياة، وترسيخ قيم التسامح واحترام إنسانية الإنسان، بالبحث الجاد عن القواسم المشتركة التي تشكل الركيزة الأساس للتعاون الفعال بين الأمم والشعوب.
هذا هو موقع التدافع الوسطي المزكي لحق الإختلاف والتمايز والتعدد في الرؤية الإسلامية للكون والحياة والعلاقات بين البشر والأفكار في إطار الجوامع الخمس المكونة لمقومات الأمة ( العقيدة - الشريعة - الحضارة - دار الإسلام - الانتماء الوطني).
إن الإسلام لا يقبل مبدأ احترام خصوصيات الآخرين فحسب، بل إنه يطالب المسلم شرعاً بالوقوف والحرص على حماية تلك الخصوصيات على تنوع انتمائها، وذلك من أجل تحقيق قيم الإنسانية المشتركة بين البشر، وإيجاد حالة من التعارف الذي يقوم على التآلف، ومن التآلف إلى التعاون على ما عرفه الإسلام بالبر والمعروف، وإسكات صوت ما عرفه بالمنكر والإثم والعدوان. وهذا مشترك تتبناه الفطرة الإنسانية لجميع الشعوب على اختلاف ألوانها ومشاربها وتوجهاتها، لأن فيه حفاظاً على دوام وحدة الأصل البشري، وحماية لوحدة المصير المشترك بين أبناء الأسرة الإنسانية.
2 ـ مستويات التأصيل القرآني لأسس وضوابط العلاقة مع الآخر
نظرياً وتطبيقياً
أ ـ المستوى التنظيري :
ظهر الإسلام الذي اعتبر في كل تشريعاته وتنظيماته ومواقفه الفكرية الإنسانية أساساً لدراسته كل المواقف والنزاعات والخلافات، في زمن الإعتراف بحق الآخر دينياً وحضارياً، وقد سجل التاريخ البشري هذا الإشكال المتبادل للآخر في الفكر والواقع والممارسة والتطبيق.
فمفهوم الآخر في الحضارة الفرعونية كان قائماً على أساس التفاوت الطبقي بين الحكام والعبيد، وكانت العلاقة بين فرعون ورعيته قائمة على تكريس نظام عبودية الآخر ونفيه وإبادته. وفي الحضارتين الإغريقية والرومانية وبقدر ما أنتجتا من علوم ومعارف ذات قيم إنسانية، (تؤكد على ضرورة أن يعيش الإنسان وسط أقرانه وكفاحه من أجل الشعور بحب الآخرين والإحساس بقيمة الحياة في وسط جماعة)( )، بقدر ما ركزتا في المجال الاجتماعي على الاحتفاظ بمبادئ الاستعباد التي حكمت على الآخر /الغير بالدونية والاحتقار وسلب إرادته.
وبعد مجيء الديانة اليهودية تمّ تجديد العلاقة مع الآخر المغاير، من خلال تطويع النص الديني وإغنائه بمعايير أثبتوا بموجبها أنهم شعب الله المقدس: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك"( ) فغذت تلك النصوص نمو الوعي العرقي بفكرة الشعب المختار، الجنس المتفوق على الآخر. وتحول هذا الوعي العنصري إلى درجة بات ظنهم يوحي لهم بأنهم خلقوا من عنصر الله، أما بقية الشعوب/ ( الآخر ) فمخلوقات حيوانية سخرها الله تعالى لخدمتهم، وعلى ضوء ذلك أمر عزرا بتطبيق الاصطفاء العرقي وفصل الآخر/ الغريب. "وكل أولئك الذين اتخذوا زوجات أجنبيات طلقوهن مع أولاًدهن".( ) فهذا الرفض المطلق للآخر تجاوز البعد العرقي لجهة رفض دم الآخر بالزواج، لتشمل أيضاً رفض ديانته وثقافته وصور سلوكه( ).
وبالنسبة للديانة المسيحية فإنها قربت المؤمنين بها إلى الزهد والانقطاع عن الحياة الدنيا وشؤونها، وتركت (الآخر/الغير) منضوياً تحت لواء الرهبانية والزهد، بعيداً عن مملكة الرب ولا يستحق الدخول فيها، وبالتالي فهو محروم من غفران الكنيسة، ومطرود من مملكة الرب، فتعاليم السيد المسيح تقول: " ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله"( ). وبذلك ثم تقعيد المقولة التاريخية المسيحية [اترك ما لله لله ، وما لقيصر لقيصر] على أساس أن الآخر/الداخلي الذات الخارج عن سلطة الكنيسة، والآخر/ الخارجي هو من ينتمي لديانات أخرى، وبالأخص الدين الإسلامي الذي يبسط نفوذه إلى الفضاء المسيحي نفسه، فتوجت العلاقة به (بالحروب الصليبية ) حروب الفرنجة( ).
كان هذا هو واقع حدود التعامل مع المخالف قي العالم وموقف أصحاب الديانات والحضارات مع الآخر، قبل مجيء الإسلام، إقصاء، وإلغاء، وإبادة، واضطهاداً.
فما هي اللبنات العالمية الجديدة التي قدمها الإسلام نموذجاً للارتقاء بكرامة الإنسانية؟؟ لقد تميزت رؤية الإسلام في مسألة النظر إلى الشرائع والملل والنحل الدينية غير الإسلامية، والتعامل مع المنتمين لها والمعتنقين لعقائدها بالموقف الوسطي، التكريمي للإنسان الذي قرر وحدة النفس البشرية، وأن دين الله تعالى واحد من آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإن الشرائع السماوية متعددة بتعدد أزمنة أمم النبوات والرسالات.
وبهذه الرؤية الإسلامية تحققت آية التنوع والإختلاف والتمايز، والتعدد في إطار وحدة الدين ووحدة العقيدة الإلهية. وتأسس لأول مرة في تاريخ الفكر الديني البشري أول ميثاق لحقوق الإنسان في العالم، وهو الميثاق الذي تجاوز بكثير حدود الإعتراف النظري بالآخر المخالف، إلى ضرورة تفعيل هذا الإعتراف من خلال القبول به، ومحاورته والتمكين له، وتأمينه إلى حيث جعله في الشريعة الإسلامية جزءاً من الذات الدينية الواحدة.
إن الإسلام في تعامله مع الآخر قد أضاف إلى تقريره وحدة الألوهية والربوبية لكل العالمين، عقيدة الإيمان بكل الكتب السماوية التي نزلت، وجميع النبوات والرسالات التي سبقت وسائر الشرائع الإلهية التي توالت منذ آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وقد أصَّل القرآن الكريم لأسس الحوار والإعتراف بالآخر نظرياً من خلال العديد من الآيات نورد منها:
قوله تعالى: {{إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}}( ). {{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}}( )
ب ـ المستوى التطبيقي / التأصيل القرآني :
إن منهج الحوار المؤسس على مفهوم الحرية التي يعتبرها الإسلام قيمة كبرى، لاتصالها بغريزة الإنسان وطبيعته وفطرته، فهي حق أساسي من حقوق الإنسان يلامس عقيدته، وانتماءه وفكره وشعوره وطقوسه وتراثه، بها تتشكل شخصيه وكرامته، وتتحدد مسؤوليته في بناء مجتمعه، والحفاظ عليه من النزاع القائم على رفض سنة الإختلاف.
لهذا السبب انتقل بنا القرآن الكريم من المستوى النظري في الإعتراف بالآخر إلى المستوى التطبيقي العملي، ليعلمنا أن مفهوم الحوار في الإسلام له معايير وضوابط وأصول ينبغي الالتزام بقواعدها للتحاور مع المخالف وفتح العلاقة معه. وقد وردت صور متعددة لهذا التوجيه الرباني عبر قصص الانبياء وفي تاريخ الدعوة الإسلامية، كما وردت في السنة النبوية العديد من التوجيهات والتعاليم النبوية التي ركزت مبادئ الحرية وأسست للمنهج التربوي الأخلاقي الذي سار عليه الصحابة الكرام.
يقول المولى عز وجل: {{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقل اشهدوا بأننا مسلمون}}، فنص الآية واضح في أمر المسلمين بالمبادرة إلى دعوة الآخر المخالف عقدياً إلى مائدة الحوار للبحث والمدارسة. كما علّم أنبيائه وأرشدهم إلى أفضل السبل وأنجح الطرق لإدارة الحوار النافع المثمر، الذي يرتفع بمستوى التفكير إلى نور المعرفة واليقين، فيتبين الحق ويتضح الرشد. قال تعالى: {{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}}( ). ومثاله ما أمر الله تعالى به موسى وهارون عليهما السلام في مخاطبة فرعون وهو جبار طاغية بقوله تعالى: {{اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}}( ).
إن الحوار كما أصّل لضوابطه القرآن الكريم في المستوى التطبيقي، هو استعداد نفسي لقبول الآخر ومعرفة ما عنده، والسماع له والقدرة على إقناعه بالتي هي أحسن، لذلك ركز على الدعوة لتجنب الانفعال، والتعالي والتعصب والغلو، مراعاة للخصوصيات النفسية والمميزات الذاتية لكل طرف، وفي ذلك قال تعالى: {{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}}( ) وقوله تعالى: {{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم}}( ). قال العلماء في هذه الآية: حكمها باق في هذه الأمة، ولذلك قالوا: لا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم، ولا كنائسهم ولا رهبانهم، وعلى ألا يتعرض لما يؤدي إلى ذلك. وبذلك يتضح كما ذكر القرطبي أن في هذه الآية ضرباً من ضروب الموادعة والملاينة، وأن فيها دليلاً على وجوب الحكم بسد الذرائع، ودليل على أن المحق يكون على حق ما لم يؤد موقفه إلى ضرر في الدين.
هكذا سنَّ الله تعالى لعباده أصول وآداب التعامل مع المخالف، ولم ينكر عليه حق التعامل بالأسلوب الأمثل في محاورته أو دعوته أو مناظرته وجداله، ولذلك لا يمكن الحديث اليوم عن حوار مثمر وفعال مع الآخر بمعناه الإسلامي في غياب الالتزام بآداب الدعوة الوسطية الإسلامية التي أسسها القرآن الكريم على قاعدة منهج الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالحسنى.
لقد بلغ الإسلام على درب العدالة الموضوعية والانصاف الحد الذي جعله يقبل بمحاورة الآخر الذي ينكر الإسلام ويجحده ويكفر بمقوماته. وفي هذا السياق يمكن القول أن اعتراف الإسلام غير المسبوق وغير الملحوق بالآخر لم يكن مجرد اعتراف نظري، وإنما تحول هذا الإعتراف النظري إلى تفعيل واقعي ضبطت شروطه وحددت آدابه في القرآن الكريم، واعتمدها رسولنا الكريم في سلوكه العملي مع المخالفين، وجسدتها صفحات تاريخنا الحضاري.
الأسس الإسلامية للعلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية الإسلامية
أ ـ الكرامــة الإنسانيــة :
إذا كان احترام الآخر لوناً وعرقاً، وجنساً، ولغة وثقافة، يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام، فإن احترامه كما هو عقيدة وإيماناً هو احترام لمبدأ حرية الاختيار التي تعتبر منحة إلهية، فضّل الله تعالى بها الإنسان الذي خلقه من طين على الملائكة الذين خلقهم من نور، إذ قال تعالى {{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون* وعلم آدم الأسماء كلها ..}}( )
فهذا تكريم عظيم من الله تعالى لآدم امتن به على ذريته، حيث فضله على الملائكة بالمعرفة والعقل، فكان العقل محل الشرط ومناط التكليف. فالإنسان هو المخلوق المكرم الحر المسؤول المختار، حيث لا مسؤولية بدون حرية، المؤهل لحمل الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال، فهو سيد الكون خلقه الله تعالى في أحسن صورة {{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}}( )، ونفخ فيه من روحه، وسخر له ما في الكون لينهض بالأمانة والمسؤولية التي أناطها الله تعالى به، ليقوم بأعباء الاستخلاف الإنساني في عمارة الأرض، وفقاً للمنهج القرآني، وبذلك استحق الإنسان مركز السيادة في الأرض.
مما تقدم يتضح أن المفهوم الإسلامي للكرامة الإنسانية، يتسم بخاصتي الشمولية والتعميم بحيث لا يستثني عنصر دون آخر، ولا يختص جنس دون جنس، وبذلك يتساوى الإنسان في الحقوق مع أي إنسان آخر بقطع النظر عن اختلافه في اللون الجنس أو العقيدة أو الانتماء أو الثقافة. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن الكرامة الإنسانية المكفولة بحق الحرية الفكرية الحرية الدينية، لا يكمن أن تسموا وترتقي مجتمعياً وعالمياً بين بني الجنس البشري، من دون اعتماد لغة الحوار، وإشاعة قيم العدالة والمساواة والحقوق، لضمان استمرارية الحفاظ على مستوى التكريم الإنساني بنفس القيمة المعيارية التي أقرها القرآن الكريم بعشرات القرون، قبل تقريرها من قبل مواثيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
إن احترام التكريم الإسلامي للإنسان القائم على مراعاة تعدديات المجتمع، وتنوعه الفكري والثقافي والديني والسياسي، هو الذي يؤدي إلى نضوج خيار التمازج والتداخل والتواصل والحوار المتبادل بين مجموع انتماءات المجتمع والأمة.
ب ـ وحــدة العنصـر البشـري :
إن الإسلام وخلافاً للديانات السماوية التي سبقته، جعل العنصر البشري واحداً، فالناس في ظل النظام الإسلامي وحدة متماسكة عبر العالم، مهما اختلفت ألوانهم وأجناسهم وأعراقهم، أصلهم واحد يلتقون على أرضية مساواة النفس الواحدة، تذوب فيها فوارق الحدود الجغرافية، وصراع القوميات والأجناس والنعرات، وتتوحد قيمتهم على كلمة التقوى التي جعلها القرآن الكريم ميزان التفاضل بين الناس وهذا معنى قوله تعالى: {{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء .... }}( ).
لقد أكّد القرآن الكريم على مبدأ تساوي كافة النوع الإنساني في الخلق، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون أو الأصل، وجعل التعارف سبيلاً للتقارب الإنساني في إطار وحدة الأصل، والتعارف غايته التقارب لا التباعد، الحوار لا التنافر، الاختيار لا الإكراه، التعاون على البر والتقوى لا الصراع والتصادم، فهذا الخلق والجعل والتعارف كلها تكوينية، قائمة بحقيقتها على التقوى والتقرب من الله سبحانه.
ج ـ الحــرية والعـدالــة:
إذا توفرت الحرية والعدالة توفرت عناصر الاجتماع البشري على قاعدة التعارف الذي يحافظ على الاستقرار، ويعمق أسباب التواصل والتعاون، فلا تعارف ولا حوار بدون حرية وعدالة. وهذه القيم والمبادئ هي التي تخلق عند الإنسان القابلية والاستعداد للاعتراف بوجود أوجه التنوع المختلفة بين الأفراد والجماعات والشعوب والأمم.
ولنا في التجربة النبوية خير مثال ونموذج على ذلك، إذ أن المواطنة التي شكلها رسولنا الكريم في مجتمع المدينة، اعتمدت بالأساس مبدأ الحرية والعدالة، ولم تلغ التعدديات والتنوعات، وإنما صاغ دستوراً وقانوناً يوضّح نظام الحقوق والواجبات واحترام الخصوصيات، ويحدد وظائف كل شريحة وفئة، ويؤكد على نظام التضامن والعيش المشترك. فبلور صلى الله عليه وسلم بذلك استراتيجية تقوم على قاعدة مأسسة الحريات في إطار القوة الوحدوية، للاستفادة من كل الإمكانات والقدرات والطاقات، بعيداً عن أجواء الاضطهاد، ومصادرة الحقوق والحريات، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن المجتمع الاستعبادي والمغلق، لا يمكن أن تنمو في محيطه قيم الحرية والعدالة والتسامح والانفتاح والتواصل.
فباحترام مبدأي الحرية والعدالة تعاد صياغة علاقة الإنسان بالمفاهيم والتصورات، إذ تتحول من علاقة جامدة سكونية منغلقة إلى علاقة تفاعلية، تواصلية تنسجم والمثل العليا للوجدان الإنساني. فالإنسان محتاج إلى غيره ليقيم صرح العمران والحضارة والتمدن، فهو يستلزم قدراً من الحرية الواعية والمسؤولة والمنظمة، وأن خراب الأمم ودروس الحضارات وانحسار الثقافات يرجع إلى تدهور الفكر الحر، وإلى شيوع التغلب والاستبداد وضياع الحرية.( )
وبذلك يكون المسلم مطالب بالالتزام منهج الوسطية والاعتدال في الأخلاق والسلوك، والعمل على التوفيق والموازنة بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة، بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية، وحتى في أحرج حالات الخصومة والبغضاء يأمر المسلم بالحفاظ على أسباب الود في النفوس، وسماحة الخلق، واستمرارية عدالة المعاملة وحسن السلوك. يقول المولى عز وجل: {{ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}} . {{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}}.
إن هذه المبادئ والقواعد التي أسس لها القرآن الكريم، وجعلها الإسلام أصولاً لمعاملة المخالفين، هي أرقى وأسمى وأعدل القواعد التي تتفق مع إنسانية الإنسان، وتوفر الأرضية الملائمة والمناخ السليم للعيش المشترك بين جميع شعوب العالم على اختلاف ألوانهم ومشاربهم وأعراقهم واتجاهاتهم.
الضوابط المنهجية للعلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية الإسلامية
لقد دعا الإسلام إلى نبذ الخلاف بين الناس، وأمرهم بالتواصي بالحق والصبر والمعروف، دفعاً لأسباب الصراع والنزاع والغلو، وتأليفاً للقلوب وتلطفاً في النظر الموقوف على الحق الذي لا يختلف فيه. والمقصود بالتواصي بالحق والصبر عند الإختلاف، هو تبادل الحوار من خلال جهد مشترك بين المتواصين، مع اعتماد الصبر في حدود ما تفرضه المعرفة وآداب التخاطب، لذلك أثنى الله تعالى على نبيه الكريم الذي استمد توجيهه المنهجي الراقي من القرآن الكريم ووصفه باللين في خطاب قومه {{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم ....}}( ).
ومن هذا المنطلق ارتأينا وجوب تقديم العناصر الضابطة لأجواء الحوار الملائم لربط العلاقات الهادفة والمتمرة، والوصول بها إلى مستوى القناعات المختلفة، والمنفتحة على بعضها البعض التي تعمق إيمان الناس، وترسخ المفاهيم القرآنية الناظمة لمبادئ الحرية والعدالة، ومسؤولية الاستخلاف في نفوسهم سلوكاً ومنهجاً وعملاً.
أولاً : العنـاصر الذاتيـــة :
أ ـ مؤهلات أطراف الحوار المعرفية :
ويقصد بها جملة المعارف والعلوم المحصلة من قبل الأطراف المتحاورة، والتي ينبغي أن تكون ضابطة لماهية الأفكار والمعارف الخاصة بموضوع ومحل الحوار. ومعلوم أنه إذا كان من الحق ألا يمنع صاحب الحق عن حقه، فمن الحق ألا يعطى هذا الحق لمن لا يستحقه، كما أن من الحكمة والعقل والأدب في الرجل ألا يعترض على ما ليس له أهلاً، ولا يدخل فيما ليس هو كفؤاً، لأن الجاهل بالشيء ليس كفؤاً للعالم به، وقد قرر هذه الحقيقة سيدنا إبراهيم عليه السلام في مقام محاجته لأبيه حين قال: {{ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً }}( )
كما أكدّها موسى عليه السلام حين قال للعبد الصالح {{هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً}}( )، فلا بدّ إذن من التأهيل العلمي المتخصص لمن يريد الدخول في دائرة الحوار، وذلك بمراعاة امتلاك كل أطراف الحوار ثقافة دينية، فكرية وسياسية عامة، منفتحة على كل قضايا وشؤون الإنسان والحياة، وأن يتزود كل طرف من المحاورين بالمعارف الدينية والفكرية والتاريخية، متعددة المشارب والاتجاهات كي يكون على صلة بواقع الحوار وبطبيعته واتجاهاته وسياقاته المختلفة، ويتمكن من مواصلة الحوار بتقديم الحجج الدامغة، والأدلة اليقينية أمام الأطراف المخالفة.
إضافة إلى ضرورة خبرته بعلم النفس ومراعاة الحس والوجدان ونحو ذلك مما لا بدّ له من معرفة مداخل الباطل إلى القلوب، ومعرفة طريق التوفيق بين العقل والحق ووسائل استمالة النفوس من جانب الشر إلى جانب الخير، وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد عبده: " لو قضى الزمان بأن يكون من وسائل التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإشغال الناس بالحق عن الباطل، وبالطيب عن الخبيث أن يضرب الإنسان في الأرض ويمسحها في الطول والعرض، وأن يتعلم اللغات الأجنبية ليقف على ما فيها مما ينفعه فيستعمله، أو ما يخشى ضرره على قومه فيدفعه لوجب على أهل العلم أن يأخذوا من ذلك ما يستطيعون "( )
وكلام الشيخ محمد عبده واضح في أن المسؤولية الإيمانية والفكرية تقتضي منا معالجة مشكلاتنا الحضارية وأزماتنا الفكرية والثقافية والسياسية والمذهبية بالحوار، وقبول دعوة الآخر في إطارها الشرعي للخروج من الواقع المأزوم بالنزاعات والصراعات، والانقسامات إلى واقع إيجابي، مثمر المنطلقات والأهداف. وليس يلزم كما قال ابن رشد: " من أنه إن غوى غاوٍ بالنظر في كتب القدماء، وزل زال إما من قبل نقص فطرته، وإما من قبل سوء ترتيب نظره فيها، أو من قبل غلبة شهواته عليه، أو أنه لم يجد معلماً يرشده إلى فهم ما فيها .... أن نمنعها عن الذي هو أهل للنظر فيها "( )
وقد نرى في واقعنا الكثير ممن يمارسون هذا الدور العكسي، ويحركون بعض المفاهيم الفكرية المغلوطة، والتي تعبر عن ضعف عام في بنيتهم المعرفية، وجهل واضح في فهم واستيعاب مضامين الفكرة الأساسية للحوار.
ب ـ مؤهلات أطراف الحوار النفسية والسلوكية
إن تمهيد الأجواء الملائمة لتفعيل مشاريع الحوار عملياً على أرض الواقع، ليس بالأمر السهل كما يتوقع البعض، وذلك لما يتطلبه الدخول في التجربة من متطلبات منهجية، وضوابط سلوكية وقيم أخلاقية، تتحكم بشكل مباشر في المؤثرات الداخلية النفسية والاجتماعية لمن يرشح للقيام بهذا الدور.
فنحن مدعوون من قبل ديننا الإسلامي إلى إيجاد وتوفير أرضية نفسية واجتماعية، لإفساح المجال لحرية التعبير، وتفهم وجهات نظر المخالفين، لكن نحن بحاجة إلى استقراء الذات قبل الحديث عن إطار للحوار مع الآخر. وذلك لأن إشاعة مفاهيم الحرية، وقيم العدالة والوسطية كما أقرها المنهج القرآني الكريم لا تتحقق بتنظير الكُتّاب والمؤلفين، ولا تُـفعل بتوصيات الندوات والمؤتمرات، ولا تستثمر بحوارات المفكرين والحقوقيين والأدباء. وإنما تحتاج للانطلاق بوعي منفتح على الحياة كلها والإنسان، إلى إعادة الوقوف مع الذات، ومسائلتها عن مدى سعة قدرتها وطاقاتها لاستيعاب وجود الآخرين، لأن المشكلة ليست مشكلة العربي والمسلم في التسامح مع غيره، بقدر ما هي مشكلته أولاً وقبل كل شيء في التسامح مع نفسه وأبناء جلدته وقومه ودينه.
فقد يصاب الإنسان بمرض (تضخم الذات) وتقديسها، الأمر الذي يولد عنه إحساس عميق بقداسة الفكرة التي يؤمن بها، ويتحاور فيها فيُحدث ارتباطاً نفسياً بين الذات المحاورة والفكرة (موضوع بحث الحوار)، بحيث تصبح الذات هي الفكر، وهذا ما يؤدي حتماً إلى تعكير جو الحوار، وزعزعة هدوءه واستقراره النفسي، وبالتالي عرقلة الوصول إلى نتائج حاسمة وموضوعية في محل الحوار.
إن بعض الخلافات يكون منشؤوها الأساسي هو ما يحتويه ويتضمنه الظاهر اللفظي، من السخرية والسب، والشتم والاستهزاء لذلك فالعفة اللفظية وإن كانت من الأمور الظاهرة، فإن القرآن الكريم قد ربطها بأخلاقيات وضوابط محددة لما لدلالتها النفسية على المحتوى الداخلي للإنسان {{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}}( ).
إن هذه الدعوة المنفتحة والمنطلقة نحو أهدافها العالية والطموحة،هي التزامات واعية، وسلوك هادف يدعو إلى نبذ العنف في الحوار، وقد ذم الغزالي العنف ولو لطلب الحق قائلاً: "إن التعصب من آفات علماء السوء، فإنهم يبالغون في التعصب للحق، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى قرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاؤوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة، لا في معرض التعصب والتحقير لنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والتهم للخصوم، اتخذوا التعصب عاداتهم وآلهتهم "( )
لذلك ينبغي على المحاور اللبيب طالب الحق أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والسخرية، وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز، لأن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف، فقد يقحم المحاور ذا السلوك الانفعالي العصبي خصمه بالحجة والدليل الدامغ، لكنه لا يقنعه بأسلوبه الفظ. فأسلوب التحدي بالإيذاء النفسي لا يولد إلا المزيد من الغيظ والحقد والحنق، ويمنع التسليم والإذعان ولو وجدت القناعة العقلية. لقد رسّخ القرآن الكريم قضية التفكير المستقل في الجو المعتدل والهادئ، ودعا الجميع إلى ممارسة ذلك والانفصال عن الفعل الحماسي والانفعالي، وربط ذلك بهدوء العقل وسلامة الفكرة الحقيقية من خلال ضرورة عقلنة العاطفة، وإلباسها رداء العقل والتفكير الواعي الناضج.
ثانياً ـ العنــاصر الموضــوعية :
أ ـ تحرير مضامين الحوار وموضوعاته :
إن تحرير محل النزاع، وتشخيص أبعاده هو أهم شرط ينبغي اعتماده قبل الدخول في أي شكل من أشكال الحوار، إذ من المفروض أن تكون جميع الأطراف المتحاورة على علم بماهية الموضوع مدار الحوار، مع وجوب تحديد سياق وإطار محور الفكرة ومحدداتها العامة، التي يريد إثباتها أو نفيها، لأن الجهل بطبيعتها يحوّل مسار الحوار إلى أجواء مشحونة تعمها انفعالات نفسية تترجم بأساليب السب والشتم والقدح، والإهانة مما يعقد مناخ الحوار، ويغير وجهته الحقيقية في تحقيق الغاية المرجوة منه إلى مجرد ترف فكري.
وقد أوضح لنا القرآن الكريم بعض النماذج البشرية التي وقفت ضد الرسول والرسالة، من غير أن يكون لها أدنى معرفة أو إحاطة فيما تطرح وتدعي، كما في قوله تعالى: {{ ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تُحاجّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}}( ) وهذه الآيات تبين بجلاء المنهج القرآني في التأصيل لعناصر شروط الحوار، وتآخذ كل من يدخل دائرته من دون التمكن من آليات المعرفة بسياقه والإحاطة بموضوعه.
إن تحديد موضوع الحوار يتطلب جهداً فكرياً راشداً، والتزاماً استشراقياً واعياً، يضبط المسار الطبيعي للفكرة محل الحوار والمدارسة.
إن المثقف وبالتحديد في وقتنا المعاصر مع اتساع شبكة الاتصال والتواصل، لا بدّ له من مواجهة الحياة الاجتماعية التي تستبطن الآراء المختلفة، وتزخر بالأفكار والرؤى المتنوعة.
بيد أن هذه المواجهة إذا لم يلتزم فيها المثقف منا اعتماد أصول ضوابط وشروط آداب الحوار، فقد يتحول توضيح الأفكار وعرضها على المخالف إن كان محلياً أم عالمياً إلى إثارة أجواء مشحونة بالتوتر الفكري والنفسي والكلامي. وتنأى الجهود المبذولة لتعزيز القيم والمبادئ الدينية المشرقة عن بعدها الشهودي الحضاري لتتحول إلى مجرد مهاترات إقصائية وإلغائية، تلبي رغبة الاستعلاء الذاتي من موقع الغلبة والتعصب للرأي، وشكل من أشكال الترف الذهني، وتنمية الشعور بالغرور والاستعلاء الذاتي على الآخر.
ب ـ تحديد أسلوب الحـوار مع الآخر :
يُبدي الإسلام اهتماماً بالغاً بأسلوب الحوار لضبط العلاقة مع الآخر، أي اعتماد الطريقة المنهجية لإدارة موائد الحوار، حيث تحصل النتائج المرجوة في تمتين روابط الأخوة ووشائج المحبة بين بني البشر، وقد قدم الماوردي معالجة أخلاقية واسعة لتحديد أسلوب الحوار فربط فضيلة التسامح في الحوار بالمروءة (التي هي حيلة النفوس وزينة الهمم، فالمروءة مراعاة الأحوال إلى أن تكون على أفضلها حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق)( )، ويقسم الماوردي هذا التسامح أو المباشرة إلى قسمين: العفو عن الهفوات، والمسامحة في الحقوق:
1 ـ العفو عن الهفوات : إذ ينبغي في مجلس الحوار التأكيد على الاحترام المتبادل بين الأطراف، وإعطاء كل ذي حق حقه، بالمخاطبة بالعبارات اللائقة والألقاب المستحقة، والأساليب المهذبة والعفو عن الهفوات التي قد تقع من الآخرين.
وفي هذا السياق يقول الماوردي: " فأما العفو عن الهفوات فلأنه لا مبرر من سهو وزلل، ولا سليم من نقص أو خلل، ومن رام سليماً من هفوة فقد تعدى على الدهر بشططه، وخادع نفسه بغلطه، وكان من وجود بغيطة بعيداً، وصار باقتراحه فرداً وحيداً"( )
إن أسلوب العفو عن الهفوات يقود حسب ما يرى الماوردي إلى قبول الحق، والبعد عن الهوى، والانتصار للنفس، وما قيل من ضرورة التقيد بمبدأ العفو عن الأخطاء لا ينافي النصح، وتصحيح الأخطاء بالأساليب الرفيعة والطرق الراقية، التي تتحكم في ضبط خط الحوار في الاتجاه المنشود، عوض تحويله إلى مناقشات الأخطاء والتصرفات، وهفوات السير الذاتية للأطراف المتحاورة.
2 ـ المسامحة في الحقوق : وهو الأسلوب الثاني من أساليب الحوار عند الماوردي -المباشرة والمسامحة- ، إذ يقول "وأما المسامحة في الحقوق فلأن الاستيفاء موحش والاستقصاء منفر، ومن أراد كل حقه من النفوس المستصعبة بشح أو طمع، لم يصل إليه إلا بالمنافرة والمشاقة، ولم يقدر عليه إلا بالمخاشنة والمشاحنة، ولما استقر في الطباع من مقت من شاقها ونافرها، وبغض من شاحنها ونازعها، كما استقر حب من ياسرها وسامحها، أليق الأمر استلطاف النفوس بالمياسرة والمسامحة وتألفها بالمقاربة والمساهلة"( )
ومما يتعلق بهذه الخصلة الأدبية –المياسرة- أن يتوجه النظر وينصرف الفكر إلى القضية المطروحة، ليتم تناولها بالبحث والتحليل والنقد والإثبات، بعيداً عن منافرة صاحبها أو قائلها. فالمياسرة تدفع عن صاحبها حب الظهور والتميز، والتعالي على النظراء، وتعم عنده السلوك العقلاني، والانفتاح الروحي والتجدد المفاهيمي، بحيث يمكن بالتسامح توفير أجواء التعاون، وحسن التفاهم، والتحليل المتزن، بعيداً عن المشاحنات الحماسية السلبية، التي تثير الفوضى واللامبالاة والاضطراب النفسي، مما يعوق الوصول إلى قناعات فكرية مشتركة.
وهذه المبادئ التي تبناها الإسلام في تحديده لأساليب الحوار -( بالتي هي أحسن) ، (وبالحكمة والموعظة الحسنة) ، (ادفع بالتي هي أحسن)- اعتمدها علماء الإسلام والفلاسفة أمثال الفارابي وابن رشد الكندي والعامري والماوردي وغيرهم، من علماء الكلام وبخاصة في منهج المناظرة الذي طوروه، ولقد حكمت هذه المبادئ جل خطابات العلماء وفلاسفة الأخلاق في الإسلام.
فهؤلاء جميعهم استوعبوا حقيقة الإسلام، باعتباره صاحب أطروحة الكمال الإنساني، وأدركوا أنه هو المؤهل بشك كبير لإدارة الحوار والمبادرة إليه، مما جعلهم يهتمون بالتأصيل لشروط وأساليب ومناهج الحوار، سعياً لإشراك الآخرين بسعادة السلوك والرقي نحو الكمال، خلافاً للعديد من الدعوات العنصرية والعصبية، التي اعتمدت فلسفة الإقصاء والاستكبار على مرِّ التاريخ الإنساني.
وسأركز على أبي الحسن العامري كنموذج من بين من ذكرناهم، لأنه من الذين تبنوا قضية التأصيل لعناصر وضوابط الحوار مع الآخر، لدرجة أنه أفرد كتاباً خاصاً في الموضوع سماه (الإعلام بمناقب الإسلام) إذ تعرض لمعالجة أهم القضايا التي تولد الصراع والنزاع بين الرؤى والاتجاهات، وتقود إلى المماراة والجدل، وهي ظاهرة الإختلاف، فيقول: " إن الحق لا ينقلب باطلاً لاختلاف الناس فيه، ولا الباطل يصير حقاً لاتفاق الناس عليه، وليس في وسع الحق قهر الانفاس على الإقرار به وتسخيرها للاعتراف بصدقه، لكنه شيء محقق بنور العقل بعد الروية والبحث، فيظهر به المحق ويمتاز به عن المبطل"( )
ويؤكد العامري على أن الإختلاف يؤدي إلى الجدل، والجدل يقود إلى التعادي، وهذا التعادي هو سلم العصبية، والعصبية هي الداء العضال، وبحسب العامري هناك أربعة أسباب تؤدي إلى الإختلافات في كل الأديان، وإن كانت موافقة للحق وهي:
أولاً : أن يٌعجب المتدين بعقله، ويغتر بذكائه، فيُركّب نوعاً من المقاييس الفاسدة.... فينتج نتيجة كاذبة، وهو يخالها صادقة، فيعقدها ديناً، ويدعو الناس إليها جهلاً، فتعم البلوى وتغوى بمكانة الخليقة.
ثانياً : أن يولع الإنسان من نفسه بالإغراب والتعمق، ويستهتر. وقلما يبالي تنكب الجادة شغفاً بأن يسلك طريقه يصير فيها قدوة.
ثالثاً : أن يكون قصد الإنسان عناد جميع ما يسمع من الأقوال الصادقة والمذاهب الحقيقية، وأن يتبع أبداً الآراء المسترذلة التي تنخدع بها طبقات العامة، إذ ليس عند الدهماء أروج من المذهب المستضعف والرأي المدخول.
رابعاً: أن يعتمد تزييف الدين، وتوهين أساسه، إما لتعصب ملكي أو لتعصب نبي، أو لإيثار طريق المجانة، فهو يجتهد في إلصاق المعيب به بأخبار مزورة وينسبها إلى أئمة أصحاب الحديث، أو أحد رؤساء العامة، فيوهم الضعف من أهله أنها أساس الملة احتيالاً منه للنكاية فيما أبغضه، وأحب الانتقام منه.
ويؤكد العامري أن هذه الطرق الأربعة ليست حكراً على الإسلام، بل هي شاملة لكل الأديان، إذ يقول: " فهذه هي الطرق للآفات المتواترة على الأديان والملل، وليست هي المقصورة على الإسلام، بل هي مشتملة على جميعها"( ) فالمبادئ التي أقرها المنهج القرآني وتبناها علماء وفلاسفة الإسلام، بما أسسوه لها على الصعيد النظري فلسفياً وكلامياً، توضّح أن الإسقاط هو الحاكم على الموقف من الآخر.
إذن هناك إشكالية منهجية، إشكالية فهم الآخر، وتمثله ومماهاته ومحاكاته، وبالتالي إسقاط الذات في عملية الحوار مع الآخر، وهي إشكاليات أرقت جل علماء الإسلام بما تحمله من حواجز وصعوبات، تحول دون تحقيق المنهج القرآني في الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
4ـ الممارسة العملية لأسس وضوابط العلاقة مع الآخر
في المجتمع الإسلامي
لقد كفل الإسلام لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي حقوقاً تمتعوا بها طوال التاريخ الإسلامي، وهي حقوق شملت صيانة وحماية أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، كما ضمنت لهم حرية العقيدة وممارسة الشعائر والشرائع في مجال الأحوال الشخصية.
(الزواج الطلاق النفقة الميراث ..) وقد أباح الإسلام لهم حق مصاهرة المسلمين بالتزوج من نسائهم، وأكل ذبيحتهم {{ اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنين والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ...}}( )
وهي إباحة تأسس لشرعنة علاقة الاندماج الكلي في المجتمع الإسلامي، بروابطه الاجتماعية الواسعة، وعلى قاعدة المنهج القرآني في رسم حدود العلاقة مع غير المسلمين {{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }}( )، ووضع فقهاء الشريعة الإسلامية، قاعدتهم الفقهية في التعامل مع الآخر وفق بند ( لهم ما لنا، وعليهم ما علينا )( ).
وذلك لأن أصل العلاقة مع الآخر إستراتيجياً في الإسلام، هي علاقة الدعوة إلى الإسلام والعيش المشترك مع الشعوب التي أمر المولى عز وجل بالتعارف عليها، في إطار احترام مبدأ الكرامة الإنسانية الذي يقوم على نبذ الممارسات التعسفية ضد حقوق الإنسان، ومن أشدها ظلماً قتاله في الدين وإخراجه من بيته.
وباستثناء هذا الخرق المعرقل لتوفير المناخ اللازم للحياة المشتركة بين جميع مواطني الأمة على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية واللغوية والمذهبية، فإن الإسلام يجعل من واجب المسلمين ليس فقط حمايتهم وصيانة حقوقهم، بل ربط علاقات ودية معهم عمادها العدل والبر وأساسها القسط، ومن هنا جاء التركيز القرآني على محبة المقسطين تحفزاً ودعماً وتنويهاً. وعلى هذا الأساس تعامل فقهاء الإسلام مع أهل الذمة، وأصّل الحدود الالتزام بالمنهج القرآني في الدعوة إلى البر والقسط من خلال الأسس التالية:
1 ـ تأمين الحماية من العدوان الخارجي :
وذلك بتوفير الحماية اللازمة لكل من يعيش داخل المجتمع الإسلامي، ومنع أي جهة تتعرض لأذيتهم، وفك أسرهم، ودفع الظلم عنهم، وفي هذا الصدد يقول ابن حزم الاندلسي: "إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالسلاح ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله وذمة رسوله، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة"( ) .
وقبل أن أسوق بعض الأمثلة من الممارسة العملية لحدود العلاقة مع الآخر أود أن أوضح مفهوم أهل الذمة الذي يثار حوله الكثير من الجدل، على أساس أن البعض يرى في المصطلح تنقيصاً من قدر غير المسلمين. لقد جرى العرف الإسلامي على تسمية المواطنين من غير المسلمين باسم أهل الذمة، والذمة كلمة معناها العهد والضمان والأمان، وسموا بذلك لأن لهم عهد الله تعالى وعهد رسوله، وعهد المسلمين، للعيش في حماية الإسلام، وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين. فهم في أمان وصون بناء على عقد الذمة.
وهو عقد مشابه لما يسمى في زماننا بالجنسية السياسية التي تعطيها الدولة للمواطن، لضمان حقوق مواطنته والالتزام بواجبات اتجاه الدولة المانحة، والجزية هي ضريبة سنوية، تفرض على المعفي من الجهاد، أي بدل الجندية، وليس بدل المخالفة العقدية، لأنه لو كان الأمر كذلك لما عفي منها رجال الدين، وقد أسقطها الصحابة رضوان الله عليهم عمن قبل مشاركة المسلمين في الدفاع عن الوطن، وبذلك يكون معناها بدل الجهاد، أو بدل الجندية.
2 ـ تأمين الحماية الداخليـــــة :
أ ـ حماية أبدانهم وأعراضهم :
وقد تضافرت الأحاديث النبوية، وتميزت سلوكيات الصحابة رضوان الله عليهم، بمنع إلحاق الأذى والظلم بغير المسلمين، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة)( ). وقوله صلى الله عليه وسلم: (من آذى لي ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)( ).
وهذا علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، يرافق ذمياً في طريق سفره، فيسأله الذمي أين تريد؟ فيجيبه الإمام: أريد الكوفة، وعند مفترق الطريق إلى الكوفة، ولم يسلك الإمام طريق الكوفة، وإنما سار مع الذمي في طريقه، فالتفت الذمي أين تريد؟ الكوفة؟ قال: بلى، فسأله الذمي، فلمإذا تجاوزت طريق الكوفة إذن؟ قال الإمام علي رضي الله عنه: هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيهة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا.
ب ـ الكفالة وحماية الأموال :
وقد تكفلت معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد نصارى نجران، بحفظ وصيانة ممتلكاتهم (ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم، نوكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير)( )
والتاريخ الإسلامي مليء بشهادات أثبتت ضمان الممتلكات والتكفل برعاية المرضى والعجزة في إطار الضمان الاجتماعي، نقتصر منها على ما جاء في كتاب الخراج، أن خالد بن الوليد كتب في عهد الذمة لآهل الحيرة بالعراق: (وجعلت
لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصـار
أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله)( )
وعلى هذا الأساس تعامل الفقهاء مع مفهوم أهل الذمة، وأصّلوا من خلاله للعديد من الأحكام الشرعية في حقهم، بحيث رسموا باجتهادهم عملياً خطاً لتحقيق التوازن والتعادل في نفس الإنسان المسلم بين ثقته الطلقة بأحقية دينه، وصوابيته من جهة، وبين احترام سائر مكونات المجتمع الفكرية والدينة والعرقية من جهة أخرى.
وهذا شهاب الدين القرافي من فقهاء المالكية، يشرح ما يجب على المسلمين للمعاهدين انطلاقاً من المنهج النبوي قائلاً : " إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا وذمتنا وذمة الله تعالى، وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة فقد ضيع ذمة الله تعالى، وذمة رسوله وذمة دين الإسلام"( )
وقفة مع رسالة الوسطية والشهادة الكونية
إن الرسالة الإسلامية رسالة العدالة والوسطية، تتسم على مستوى النظرية والتطبيق بإلزام معتنقيها بالتعامل مع أبناء البشرية كافة مهما كان جنسهم أو لونهم أو دينهم أو قوميتهم، على أنهم أعضاء في المكون الاجتماعي المطلوب إقراره والحفظ عليه، وقد زخر القرآن الكريم والسنة المطهرة بأروع الصور النظرية والتطبيقية التي جسدت تلك المفاهيم.
وهذا يعني أن المسلم الذي يرفض الحوار وعدم الإعتراف بالآخر، سواء داخل الذات الإسلامية بمكوناتها المذهبية والسياسية والفكرية المختلفة، أو خارجها مع الآخر المغاير فكرياً ودينياً وحضارياً ..، فإنه يكون قد حوّل الفكر إلى مرتبة المقدس، وأفتى في محرابه الخاص بتداول مظاهر وممارسات تغيب النزعة الإنسانية التي دعم أسسها الإسلام، وما تنامت لغة التعصب الأعمى، وترعرعت الأحقاد النفسية الداعية للإلغاء والإقصاء إلا بعدما تحولت الآراء والأفكار إلى معتقدات مقدسة. وما شاعت حالة الفوضى في الآراء والمواقف والاتجاهات بين الذات والذات، والذات/ والآخر إلا عندما غيبت مشاريع إرساء الحوار المتواصل مع كافة مكونات الأمة، وتم توظيف قيم العدالة والتسامح والوسطية لخدمة مصالح إيديولوجية موسمية مجردة عن وظيفتها التاريخية والحضارية.
إن الاعتزاز بالذات الثقافية والحضارية ليس تعصباً كما تظنّه بعض الجهات، لأن الانا الثقافية بمثابة الإطار أو الوعاء الذي يستوعب المنجزات الإنسانية، فالاعتزاز لا يعني إغلاق الأبواب ورصد كل علاقة مع الآخر باسم التوظيف السلبي للدين، وإنما يعني أن نفهم بعضنا ونستوعب خلافاتنا على أساس التسابق للخيرات لا التنافس على الإلغاء والإقصاء والنفي.
كل هذا يبعث المسلمين الملتزمين بتعاليم ديننا الحنيف على التمتع بمميزات النظرة الحضارية، التي تؤهلهم للتفاعل الإنساني مع كل من يدخل في دائرة تعاملهم، وكما سبقت الإشارة فإنه لم يخلو مقطع من مقاطع التاريخ دون أن تتجلى تلك الصور المشرقة للإسلام في التعامل التكريمي للإنسان، سواء أكان التعامل في إطار الدولة التي احتضنت رعاياها من غير المسلمين وجعلتهم ينعمون بكامل الحرية، أم في في ظل نفس الدولة الإسلامية التي امتدت إلى بعض البلدان الغربية، فحفظت لأهلها حماية وصوناً لمنظوماتهم العقدية والفكرية والشعائرية والاقتصادية والفنية والمعمارية.
إن الدولة الإسلامية لم يكن لها أن تحقق ما أنتجته من قيم التفاعل الحضاري، لو لم تتوافر لها آليات محددة، قائمة على قاعدة أخلاقية مستمدة من رؤية كونية تعبأ المسلم فكراً، وتبعثه وتضبط حركته سلوكاً، كي يتفاعل إنسانياً مع الآخر، ويساهم على هدي الدين الإسلامي في بناء الصرح الحضاري الإنساني المنفتح، الذي يقوم على العدل والوسطية، والمعرفة، والاحترام، والتعايش، والتعاون.
الإسلام والعلاقة مع الآخر
قراءة في الأبعاد واستشراف المستقبل
إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد، في ظل التحديات التي تواجهها أمتنا العربية والإسلامية عالمياً، يتمحور حول صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الغربي، فما الذي غير صورة العالم الإسلامي، من عالم كان ملاذاً حقيقياً للخائفين، الهاربين من بطش وجبروت، وتنكيل وإرهاب الغزاة، وقضاة محاكم التفسيق، إلى أن أصبح اليوم وكراً ومخبأ وحضناً للإرهاب، ومفرخة للعناصر الإرهابية؟
من المؤكد أن هناك إلتباساً في المفاهيم والمعايير المزدوجة الجديدة، التي غيبت حقيقة التاريخ، وموهت معطياته التي لا زالت شاهدة بديناميكية الإسلام الفاعلة في أكبر توفير حماية وأمن للآخر (أهل الكتاب)، وشاهدة على أن حماية الأنفس والأعراض والأموال والعقائد، ودور العبادة من كنائس وأديرة، وبقع كانت جزءاً من نظام التشريع الدولة الإسلامية.
إن الحقائق اليوم تتغير بالنسبة للآخر، وللتذكير بأن عرب إسبانيا كانوا متسامحين مع المسيحيين واليهود، بحمونهم تحت سقف دولتهم في متوهات اختاروها لأنفسهم عندما نكّل بهم من قبل أبناء ملتهم. أو بأن صلاح الدين عندما فتح القدس كان أكثر رحمة بالمسيحيين منهم بالمسلمين عند ما فتحوها، ولا عن المعاهدة العمرية في حق أهل القدس، أو معاهدات وفد نجران، أو دستور الصحيفة الذي أسس لأول ميثاق تعاقدي يضم جميع مكونات المجتمع بمختلف انتماءاته العقدية وتشكيلاته المذهبية والعرقية، فكل هذه الأمور حقيقة جسدت على الأرض الواقع عملياً، لكن في العالم الإسلامي اليوم توجد أنظمة أصولية ودينية لا يتسامح معها الغرب.
أعتقد أن المعركة ضد الإسلام في الغرب قائمة ولها أنصارها من المتطرفين، الذين جعلوا من الإسلام حالة مرضية فوبيائية (إسلاموفوبيا) غير أنها معركة لا يتبناها الغرب كله، فكما يوجد لنا أعداء يوجد أيضاً دعاة حوار، معتدلون متعاطفون مع قضايانا الإنسانية.
وعلى هذا الأساس لا يمكن تحديد مفهوم علاقتنا بالآخر (الغرب بمكوناته الفكرية والثقافية ومنظومته السياسية، والاقتصادية، والدينية) في ظل تغيب المفاهيم التي تعكس الصورة الأساسية لثقافة علاقة الغرب/ بالآخر.
وفي هذا الإطار يمكن القول أن أطروحة نهاية التاريخ المعبرة عن قمة تمركز الغرب حول الذات، تفسّر أن واقع الغرب الثقافي والتاريخي والحضاري لم يتشكل في ( إثبات ذاته ) إلا من خلال تشويه صورة الآخر وإقصائه ونفيه.
إن أطروحة العولمة ونهاية التاريخ وغيرها من المفاهيم الغربية، تعتبر من وجهة نظر ذاتية أسطورة الكمال المزعوم، التي ابتدعها الغرب لتحقيق مصالحه من أجل نفي الآخر، وتعميق تبعيته وأحكام احتوائه.
إن هذا المنطلق الذي فرضته الثقافة الغربية، ينبغي أن نتجاوزه في وعينا وممارستنا الإسلامية في التعامل مع الآخر، لأن الإنسانية واحدة لا تتجزأ، ولأن القرآن يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان. لقد وضع الإسلام الآخر في مأزق ليس برسم الحداثة التاريخية، بل بوصفه ديناً يتميز بالممانعة والعصيان على الترويض، ثم إن موقعه من الناحية الجيوستراتيجية يمثل أهم ثروة للطاقة، لا يمكن للحداثة وتقنياتها أن تقوم بدونها، وبالتالي فهو مطالب أن يبقى يعيش على هامشها من غير أدنى مستويات الشراكة في معطياتها. ومن هنا يجب أن نؤكد (أننا في العالم العربي والإسلامي اليوم بحاجة إلى فكر نقدي تأصيلي يثبت للعالم أن التراث الغربي الأمريكي ليس بالتراث الإنساني العام، وإنما هو محض فكر لعنف موجه أملته بيئته وفقاً لشروط تاريخية غرسته)( )
فكل ثقافة مهما كانت عظمتها تبقى رهينة لنتاج الواقع الذي ساهم في تشكيلها، الشيء الذي يجعل الثقافة العربية المسيحية في عصرنا الراهن تفتخر بإرثها الحضاري الروماني واليوناني واليهودي( )
لقد بات من الضروري اليوم وأكثر من أي وقت مضى أن نتخذ موقفاً نقدياً مزدوجاً (مراجعة العلاقة مع الذات ، ومراجعة العلاقة مع الآخر)، بما يسمح لنا إعادة صياغة رؤية جديدة لذاتنا في حدود ما تسمح به قوانين التاريخ، وما تدعو إليه قيم العقل وفي حدود أمة العدالة والوسطية التي شرفنا الله تعالى بها.
إننا اليوم وإزاء التحديات المطروحة أحوج ما نكون على مستوى الداخل العربي الإسلامي، أو مستوى العلاقة مع الأمم والشعوب الأخرى إلى إبراز مبادىء العدالة والوسطية في الإسلام، ليس من الناحية النظرية بعرض فضائل الإسلام، وإنما من خلال تقديم نماذج تطبيقية عملية ملموسة على أرض الواقع. فهناك بون شاسع بين ما نسوقه من أبعاد إنسانية حقوقية رفيعة المستوى نظرياً وتاريخياً، وبين ما هو قائم من تخلف عن تلك القيم، وتغييب لتلك المثل العليا في واقعنا المعاش، مما يساهم حتماً في تشويه صورتنا من الداخل والخارج.
فالضرورة الدينية والحضارية تفرض علينا عدم الاكتفاء بالحديث عن أخلاق الإسلام عدالة، ووسطية، وتسامحاً، ورحمة، وحقوقاً...، وإنما تلزمنا بضرورة ربط الواقع عملياً بهذه القيم الإنسانية الكبرى التي نستعرضها، ولكي نمارس هذه المسؤولية فإننا بحاجة أولاً إلى ضرورة تثبيت السلم المجتمعي وإرساء دعائم حقيقية للحوار مع الذات، قبل الحديث عن العلاقة مع الآخر في إطار السلم الدولي.( )
إن دروس التاريخ الإنساني علمتنا أن إلغاء الآخر ونبذه، لا يحافظ على مصالح الذات ومكتسباتها، وإنما يزج بالجميع في دائرة لا متناهية من العنف والإقصاء، لا تتوقف إلا بحروب تدميرية تبيد وتسحق الذات والآخر. لهذا ينبغي أن نستفيد من دروس التاريخ، ونستشعر القيمة الحضارية التي بلورها القرآن الكريم، من خلال تأسيسه لنمط العلاقة الحضارية مع الآخر.{{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }}( )
مقترحات وتوصيات البحث
1- ضرورة الكشف عن البُعد الحضاري للفكر الإسلامي، لأن هذا الكشف يُجسد المضمون الحضاري للأمة مع هضم معطيات الآخر الحضاري، وتفادي السقوط في النزعة الانبهارية، أو النزعة التهوينية، لأن التعامل الانبهاري مع الغرب/الآخر، قد أساء إلى الذات العربية الإسلامية كذات مبدعة وفعالة.
2- بلورة استراتيجية عربية وإسلامية متكاملة للاستفادة من منجزات ثقافة العصر، والعمل على توفير مستلزمات الحضور العربي الفعال المنتج في مسيرة هذه المنجزات العالمية، أو على الأقل ضرورة استيعاب وتمثل الجوانب العلمية والتقنية الأساسية الكفيلة بربط الاتصال مع العالم.
3- صياغة خطط واعية لتمتين وحدتنا الاجتماعية والوطنية في مواجهة تحديات الفترة الراهنة، وذلك ببناء نظام علاقات داخلية بين مكونات الذات على أسس أخلاقية ودينية ووطنية، تمكننا من إزاحة كل العناصر المسيئة للعلاقة الإيجابية بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.
4- الانخراط في مشاريع الإصلاح الثقافي والفكري، والتواصل بين الذات، بإزالة الحواجز النفسية والأحقاد الإيديولوجية التي تحول دون التلاقي، والتفاهم والاحترام المتبادل.
5- إحياء مشروع إصلاحي ثقافي، يرتكز على أسس أكثر عدلاً ووسطية ومساواة وتسامحاً واعترافاً بالآخر، واحتراماً لكل أشكال التنوع داخل محيطنا الاجتماعي.
6- صياغة المفهوم الوسطي في التاريخ العلمي العربي والإسلامي، بشكل يعيد قراءة الذات وفق القاعدة الإسلامية العامة في العلاقات الاجتماعية ( عامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به )
7- ضرورة توحيد الاتجاه بين النظرية والتطبيق، وإنشاء مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية، سواء عبر المبادرات الفردية والأعمال الجماعية، تعني بإغناء الفضاء الفكري الإسلامي ببحوث ومؤلفات تحدد المسافة الموضوعية بين الآراء والمعتقدات.
8- ضرورة الاحتفاظ بتوازن الرؤية الإسلامية الوسطية في التعامل مع الآخر، وتطوير مناهجنا بناء على قاعدة أن جلب المنفعة هو سبيل ضروري لدفع الضرر. فمناهجنا اليوم تقوم إلى حد كبير على دفع الضرر، وهذا يُكرّس الإحساس بالترقب والضعف والتخوف والارتباك والدونية، لذا يجب أن تركز مناهجنا المعاصرة على ضرورة ربط دفع الضرر بجلب المصلحة ( فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) كما ركزت دائماً قواعد الفقه الإسلامي.
9- ضرورة استيعاب مختلف التجارب التاريخية للعلاقة مع الآخر/الغير، واستنطاقها وتحليل مضامينها لتحصيل فهم أعمق لمعانيها، واستشراف آفاق مستقبلية أوسع تنظم علاقاتنا مع الإنسانية بأكملها، شعوباً وأمماً، وأجناساً وألواناً، وديانات وثقافات وحضارات.
10- ضرورة الالتزام بمبدأ الوسطية والشهادة على الناس من موقع احترام المبادئ الإسلامية الثابتة، التي تفسح المجال لخيارات متعددة الآراء، وعلى كافة المستويات ليتميز من خلالها الفارق الجوهري بين المبدئية الوسطية في صناعة الحاضر والتحلي بالواقعية لاستشراف المستقبل، وبين ثقافة التبرير الوسطي لخيارات الضعف المحكومة بقيم ومعايير تتداول في فضاءات مواسم تلميع مفاهيم الإرث الثقافي والحضاري لأمتنا الإسلامية.
ابحث
أضف تعليقاً