
أكرمني الله بعدد كبير من الأصدقاء والصديقات يتواصلون معي عبر البريد الإلكتروني كثيراً - رغم تقصيري تجاههم ومع كل أسفي واعتذاري لهم -ويبعثون لي رسائل ومواضيع رائعة ومؤثرة ، أستفيد كثيراً منها سواءً على المستوى الشخصي أو في تدريبي ومحاضراتي .. فلهم ولهن جميعاً كل الشكر والعرفان .. وأرجوهم مزيد الرسائل ، وأتمنى منهم المزيد من الصبر على تقصيري تجاههم .. وليس لي في ذلك عذر سوى تقصيري.
ومما لفت نظري في أغلب تلك الرسائل - المؤثرة والمفيدة طبعاً - أن أغلبها تحوم حول عذاب القبر وتحلق في آفاق الآخرة والموت والعذاب والجنة والنار ، وهذا أمر مهم ، ونحن جميعاً وبلا استثناء - كاتب السطور وقراؤه الكرام والكريمات ـ نؤمن بذلك ونشهد (أن الجنة حق، وأن النار حق، وأن كل ما جاءنا من ربنا في كتابه الكريم وعلى لسان رسل الله وخاتمهم نبينا محمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه حق) .. ومعلوم أهمية الإيمان بالآخرة في استقامة الإنسان ، والحد من غلوائه ، وفتح أبواب الأمل أمامه.
إلا أني ومن خلال بحثي في كتاب الله الكريم ـ عبر برنامج المصحف الرقمي - وجدت أن كلمة (الآخرة) تكررت 110 مرة ، وأن كلمة (الدنيا) ذكرت 111 مرة ، وفي ذلك إشارة ، لا تخفى على أحد ، إلى أهمية التوازن في حياة الإنسان ، بين تكاليف (الدنيا) وإعمارها واستحقاقاتها ، وبين الاستعداد لـ (الآخرة) ومتطلباتها من الالتزام والاستقامة ، ولقد فهما ذلك الصحابي الجليل الذي تربى على مائدة القرآن وفي مدرسة الحبيب الإنسان عليه الصلاة والسلام فلخص هذا التوازن المطلوب بقوله:(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) ..
هذا التوازن في حياة المسلم سيعود بالنفع على متطلبات (الدنيا واستحقاقات (الآخرة) فمن تصلح أعماله (للدنيا) فيبني ويعمر ويزرع وينتج ويستثمر ويشق الطرق ويوفر الماء والكهرباء والمواصلات وينشر العلم والثقافة ويمحو الأمية ويصلح بين الناس ويؤسس لدولة القانون والرخاء واحترام حقوق الناس وحرياتهم ويرعى المستضعفين منهم ويحميهم ويكف يده ولسانه عنهم ويؤدي ما افترض الله عليه من فرائض وعبادات ، هذا الإنسان هو من سيسعد في (الآخرة) ونعيمها ، وهو ما أشار إليه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام عندما حدثنا عن مَنْ يتقلب في نعيم الجنة بسبب أنه ( أماط غصن شجرة كانت تؤذي الناس في طريقهم ) وبالمقابل حدثنا عن مَنْ ( دخل النار بسبب هرة حُبِسَت).
إن المسلم اليوم مطالب بأن يدخل (الجنة) من بوابة إعمار (الدنيا) وإصلاحها وتوفير متطلبات المسلمين من غذاء ودواء وكساء وحياة كريمة وعيش رغيد .. وإن الحديث عن (الموت) يجب أن يبعث فينا (الحياة) .. وإن المهمومين بمعالجة المرضى ، وزراعة الأرض ، وابتكار ما يوفر الوقت والجهد ويصنع الحضارة والنهوض ، وحراسة الأمن والمصالح ، ونشر قيم الحرية والتسامح والتعايش والحقوق والحريات ، هم أفضل وأنفع وأجدر بنعيم (الآخرة) .. وإن العيش وفق هداية الله أصعب من الموت في سبيله .. (وفق زعم صانعي الموت والدمار أنهم يموتون في سبيله .. وحاشا لله أن يقبل قتل الأبرياء وإقلاق الآمنين) .. والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
20/1/2010
ابحث
أضف تعليقاً