wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الفكر السياسي والإسلامي وجدليات الصراع على الإسلام

الفكر السياسي الإسلامي وجدليات الصراع على الإسلام

رضوان السيد
أستاذ الدراسات الإسلامية / الجامعة اللبنانية

 

أدَّت أحداث السنوات الماضية، والتي بلغت في مُضيّها إلى الحدود القصوى في سائر الاتجاهات إلى انطلاق أُطروحة وممارسة " الحرب على الإرهاب "، التي واجهتها في أفكار وكتابات وخطابات الإسلاميين أطروحة "الحرب على الإسلام".
وإذا كان الأميركيون وحلفاؤهم قد حاولوا التخفيف من حِدَّة خطاب الحرب على الإرهاب، بالقول إنّ هناك إسلاماً معتدلاً وآخَرَ متطرّفاً، وأنّ على المسلمين المتنورين والمعنيين بمستقبل دينهم، وعلاقاتهم بالعالم أن يستنقذوا هذا الدين من أيدي المتطرفين؛ فإنّ الإسلاميين المعتدلين والمتشدّدين على حدٍ سواء، أصرُّوا  ويُصرون على أنّ الحربَ على الإرهاب لا تقتصر في آثارِها على النَيل من المتطرفين؛ بل إنما تتناول كلَّ الناس بدون تفرقةٍ بين توجهاتهم، كما يبدو عليه الأمر في فلسطين وأفغانسْتان والعراق. ولأنّ الحربَ على الإرهاب اقترنت بالدعوات الثقافية والسياسية الداعية للديمقراطية، وإعادة بناء الدول والأنظمة على ذلك؛ فقد اعتبرت كثرةٌ من الكتابات العربية والإسلامية أنّ لتلك الحرب جوانب ثقافيةً تتصل بالتمييز والأوحدية الحضارية وصراع الحضارات، لنُصرة القيم الغربية والمسيحية/ اليهودية، على ثقافة المسلمين وحضارتهم. 
ويعني هذا كلُّه أنّ الوعي العربي والإسلامي يتجه من جديدٍ للملمة مواريث العقود الخمسة الماضية، باعتبار أنه لا انقسامَ في الأنا ولا تغيير، وأنها تقعُ وما تزالُ في مواقع الدفاع، وأنّ الصراعَ إنما هو صراعٌ بين كلِّ الداخل العربي والإسلامي في مواجهة كلّ الخارج الغربي والشرقي، الذي تجمَّع لضرب ثقافةِ المسلمين ووحدتهم واحتلال ديارهم،وانتهاك حُرُمات دينهم.
ولا يعني هذا أنه ما كانت هناك وما تزال أصواتٌ وكتاباتٌ ناقدةٌ للخطاب الشمولي، وخطاب المؤامرة والصراع. بيد أنَّ تلك الأصوات والكتابات لا تلتفتُ كثيراً لمتغيّرات الداخل، وللعوامل الذاتية المؤثّرة في اضطراب الرؤية والممارسة. فهناك صورةٌ جديدةٌ للإسلام، ولعلاقاته بالمجتمع، وبفكرة الدولة وممارسة السلطة أو ممارسات تدبير الشأن العامّ. ويستحقُّ الأمر في جوانبه الثقافية والعقدية والسياسية تأمُّلاً يتّصـلُ بالأفكار والأيديولوجـيات السائدة حول الدين والدولة منذ ظهرت فكرةُ "النظام الإسلامي" في الستينات، و"الحلّ الإسلامي"  في السبعينات من القرن الماضي؛ بما يعنيه ذلك من علائق التقاطع والتناقُض مع الوسطية الإسلامية من جهة، ومع العالَم من جهةٍ ثانية.
إنّ خُلاصة الأمر في أُطروحتين أو فَرَضيتين أودُّ مناقشتهما هنا بإيجاز؛ الأُولى أنَّ الصراع على الإسلام مزدوجٌ إذا صحَّ التعبير، ولا يمضي في خطٍ واحدٍ أحدُ طرفيه الأنا، وطرفُه القاصي الأخر. والثانية أنَّ خطاب الحلّ الإسلامي، المستند على فكرة قيام الدولة على الدين، هو خطابٌ مستجدٌّ أنتجته الأَزْمةُ التي يعيشُها اجتماعُنا البشري والسياسي؛ ولـه علاقةٌ وثيقة بالصراع الناشب على الإسلام.
الأُطروحة الأولى: الصراعُ على الإسلام مزدوجٌ، وجزؤه الرئيسي يدور بداخل الإسلام ومجتمعات المسلمين ودولهم. فقد ظهر في فترتين متقاربتين قبل قرنٍ ونصف تياران سمَّى أحدُهُما نفسَهُ إصلاحياً، وسمَّى الأخرُ نفسَهُ سَلَفياً. وبدون تفصيلٍ كبيرٍ فإنَّ كلا التيارين أراد تحقيق إصلاحٍ دينـيٍ على حساب التقليد الإسلامي، تقليد المذاهب الفقهية المعروفة. الإصلاحيون أرادوا بالاجتهاد والتجديد تجاوُزَ التقليد الإسلامي العاجز عن التصدّي للإجابة على التحديات، من أجل تحقيق تقدمٍ مدنيٍ وثقافيٍ وسياسي، يُخرجُ من التخلُّف وينتصرُ للندّيّة مع الغرب الهاجم. والسلفيون أرادوا بالاجتهاد تجاوُز التقليد وتحطيمه من أجل العودة لصفاء الاعتقاد والسلوك. كانت إشكالية الإصلاحيين في سائـر أنحاء العالم إذن: تحقيق التقدم بالمعنى الغربي، عن طريق تجديد الدين، وتجديد المشروع السياسي. أما السلفيون فكانت اشكاليتهم صَون الهوية الإسلامية الطهورية، بإزالة أوصار التقليد عنها، واستنهاض المسلمين لنُصرة عقيدة التوحيد الصافية. وهكذا التقيـا على ضرب التقليد، دون أن يلتقيا على الهدف. والذي حدث بعد حوالي القرن أنّ التقليد تهافَتَ تحت وطأة الضَرَبات، فلاذَ بالدولة الوطنية الصاعدة في حقبة ما بين الحربين، فاستتبعتْهُ أو حيَّدَتْهُ أو عادتْهُ دونما تخوفٍ كبير بسبـب الضعف الذي كان قد نالَ منه، ليس بفعل الإصلاحيين والسلفيين فقط؛ بل وبفعل ظروف الاستعمار والحداثة أيضاً. أما التياران الآخران: الإصلاحي والسلفي فقد اختلفت مصائرُهُما. فقد ضعُف الأولُ في حقبة ظهور الدولة الوطنية لأنها تخلّت عنه بعـد أن اشتدّ عودُها، ولأنّ التغريبَ الثقافيَّ والسياسيَّ انتصر على التقدم باتجاه التبعية. ثمَّ لأنّ السلفية وشقيقاتها من حركات الهوية كافحته كما كافحت التقليد، تحت عنوان مصارعة التغريب، واعتبار الإصلاحيين متغرّبين. 
وهكذا نشهدُ منذ عقودٍ وبداخل الإسلام صراعاً بين الإحيائية الإسلامية ذات الشُعبتين: السلفية والأُصولية من جهة، والتقليد الإسلامي من جهةٍ ثانية. كما نشهدُ صراعاً آخر أظهَر وأشدّ بداخل الإسلام أو العالم الإسلامي: بين الإحيائية ذات الشعبتين من جهة، والحكومات العربية والإسلامية من جهةٍ ثانية. ولا شكَّ أن الغرب حاضر في هذا المشهد المعقَّد بعض الشيء منذ البداية، وقد استخدم الإحيائية الإسلامية في بعض الأحيان، كما استخدم الأنظمة في كلِّ الأحيان. بيد أنّ الإحيائيين الإسلاميين ما اقتصرت مقاومتُهم على الجانب الحركي والكفاحي بالمعنى المباشر؛ بل نجحوا أيضاً في تطوير نظرية متكاملةٍ هي نظريةُ "النظام الشامل"، والحلّ الإسلامي المنبثق من هذه النظرية أو الأُطروحة.
الأُطروحة الثانية: أطروحةُ النظام الشامل. وهي تقول أن الإسلام نهجٌ للحياة يتضمن نظاماً شاملاً لكافّة جوانبها، لا يمكن اقتسامُهُ أو اجتزاؤه أو التلفيقُ بينه وبين أي نظامٍ آخَر أو منظومةٍ وضعية. ولأنه نظامٌ إلهيٌّ فالحاكميةُ فيه لله عَزَّ وجلّ، والمسلمُ مكلَّفٌ بتطبيقه في خطوطه الأساسية على الأقلّ، لاتّصال ذلك بالاعتقاد. ومن هنا تأتي أُطروحة الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة. والوضع الآن أن الإسلام مُطارَدٌ في العالَم، ومهجورٌ في اعتقاد بنيه وممارساتهم، إمّا غفلةً أو جهلاً أو ارتداداً. والحلُّ الإسلامي هو المخرجُ الوحيد، المتمثّل في الوصول للسلطة لتطبيق الشريعة التي هي مقتضى ذلك النظام ومضمونه الباقي والصالح لكل زمانٍ ومكان. ومرةً أُخرى فإنّ هذه الفكرة الاعتقادية معروضةٌ هنا في نموذَجِها الصافي دون التفاصيل الخلافية. كما أنَّ هناك اجتهادات في الصِيَغ والوسائل تتخطَّى بعض هذا النموذج أو أكثره، دون أن تفارقَ فكرة النظام الشامل كلياً. 
وهذه الأُطروحة في أصلها الاعتقادي، مؤدياتها السياسية الجديدةٌ تماماً مقارنةً بالتجربة التاريخية الإسلامية رغم الرجوع لتلك التجربة رمزياً، وهي جديدةٌ في رؤيتها للمسألة السياسية بالذات؛ لأنّ الفقهاءَ المسلمين كانوا يعتبرون مسألة الإمامة من ضمن الاجتهادات والمصلحيات لا التعبديات؛ ولنتأمَّل مفاصل المنظومة الجديدة على النحو التالي: 
1- النظر إلى الشريعة باعتبارها بمثابة القانون، وربط المشروعية التأسيسية (أي الإيمان)، والشرعية (أي النظم وطريقة الوصول إليه) بها. فما دامت الشريعة بهذا المعنى غير مطبَّقة بشكلٍ شاملٍ؛ فمعنى ذلك أنَّ المشروعية منتفية، أي أنّ المجتمع غير إسلامي. الخ.
2- اعتبار الشريعة مصدر كلٌ السلطات؛ بينما يرى الفقهاءُ المسلمون أنّ المرجعية للجماعة واجماعاتها. فالجماعة هي التي تحتضنُ النصَّ والدين، وتستقلُّ بإدارة شأنِها العامّ. ثمّ إنّ القرآن الكريم كما قال الإمام عليٌّ –رضي الله عنه- لا ينطق وإنما ينطقُ به الرجال. ولهذا فإنّ تركيز السلطة في النصّ، يعني نشوء طبقةٍ كهنوتيةٍ تحتكر هذه المرجعية وتسطو بها على الجماعة. ومنازعةُ تلك الفئة من جانب فئةٍ أُخرى تدعي الشيء نفسه، يؤدي إلى انقسامٍ دينيٍ، وظهور فِرَقٍ دينية، نجا منها الإسلام السني في تجربته التاريخية الطويلة، إلى حدٍ كبير، بفضل الاستناد إلى مرجعية الجماعة، ومشاركة الجميع في السلطة الدينية والسياسية. وهذا معنى اعتبار العقل غريزةً لدى الفقهاء، شائعةً في الناس على قدم المساواة؛ بينما هو لدى الفلاسفة جوهرٌ فردٌ صادرٌ عن العقل الفعّال، وتستقلُّ به قلةٌ حكيمة أو فردٌ متميّز.
3- إقامة أمر الدين كلّه على الدولة أو نظام الحكم. وهذا وإن كان يشجّع الخروجَ على النظام الفاسد وتغييره؛ لكنه من جهةٍ أُخرى يضيّقُ الأمر على الناس، ويجعلُ استقرارَهُم الديني والسياسي في مهبّ الريح، لأنَّ العودةَ لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل صغيرةٍ وكبيرة لاتصاله بالإيمان من جهة، وبقُدْسية الأمر السياسي من جهةٍ ثانية، من شأنه شرعنة العنف باسم الدين، وربط الدين بالنظام السياسـي وجوداً وعدماً. والفتنة لدى الفقهاء التي تعني سفك الدم محرَّمةٌ نصاً. 
4- إعطاء الأمير الإسلامي صلاحياتٍ وسلطاتٍ دينية، باعتباره قائماً على تطبيق الشريعة. وقد قال الماوردي (450هـ) وتبعه سائرُ فقهاء الأحكام السلطانية إنّ وظيفة الإمام: "حراسة الدين وسياسة الدنيا". فلا عملَ للسلطان في تحديد العقيدة، ولا في الاشتراع. وهناك جهاتٌ أُخرى هي التي تحدّدُ ما هو الدين، وتتولى تفسير النصّ والاستنباط منه. وبسبب هذا الفصل المجالي بين السياسة والشريعة، ظلَّ المفكرون المسلمون المُحدَثون يقولون إنّ نظام الحكم في الإسلام مدني. وهذا يقول به أيضاً أكثر الإسلاميين، بمعنى أنّ السلطان ليس معصوماً. لكنْ ما فائدةُ ذلك إذا كـان أمرُهُ مُطاعـاً في الديـن والدنيا؟! ولذلك فقد كان أبو الأعلى المودودي (1979م) محقاً وهو الإحيائي المعروف، عندما رأي بمقتضى نظرته الدامجة للدولة بالدين، أنّ نظام الحكم في الإسلام ثيوقراطي؛ ثم عاد فقال إنه ثيوديمقراطي!
ذكر الباحثان الفرنسيان أوليفييه روا وجيل كيبيل -كلٌّ على حدة- أنّ الإسلام السياسيَّ فشِل، فهو ما استطاع الوصول إلى السلطة في غير إيران والسودان، وفيهما مشكلاتٌ كثيرةٌ تكادُ تكونُ مستعصية. لكنْ من جهةٍ ثانيةٍ للنجاح والفشل مقاييسُهما التي يكثُرُ حولها الخلاف، فقد تمكَّن الإسلاميون، أو حركة الإحياء الإسلامي، أو الصحوة الإسلامية وخلال العقود الخمسة الماضية من إنتاج صورةٍ جديدةٍ للإسلام، لها جماهيرُها الواسعة، حتى بين غير الحزبيين. ولا يمكن أن نقرأ تلك الصورة أو الخطاب قراءةً بنيويةً فقط، كما حاولتُ أن أفعل بل لا بُدََّ من ملاحظة أمرين اثنين سياقيَين لا يمكنُ تجاهُلُهما: فَشَل الدولة القائمة في الوطن العربي في القيام بوظائفها، والهجمة الاستعمارية ثم اصطفافات الحرب الباردة، والتي حوَّلت ديار المسلمين، وبخاصةٍ ديار العرب إلى مواطن للصراع، الذي لم يخمُدْ أُوزارهُ بعد كما يظهر في فلسطين والعراق والسودان والصومال. 
وهكذا تضافرت ثلاثة عوامل في إنتاج الوضع الراهن: الأمر الأول: فشل الدولة العربية في صون الوجود والمصالح، الأمر الثاني: اتجاه نظام الهيمنة الدولي لاستتباع الوطن العربي واحتلال أجزاء منه. فهناك اليوم جيوش أميركية وغير أميركية وتسهيلات في تسعةٍ من أقطار العرب. والأمر الثالث: الإحياء الديني الذي نشترك في ظواهره مع أجزاء أُخرى من العالم؛ لكنه أعنف وأوسع عندنا بسبب العاملين السابقين، وبسبب طبيعة الفكر المهدوي السائد. وهكذا فانسداد المجال السياسي من جهة، وهجمة الاستنزاف والاستضعاف من جهة أُخرى، أمران مهمّان في اندفاع الشبان السلفيين والأصوليين باتجاه حلْبة الصراع الدائر، وفي تجنيد وتحشيد الأنصار. 
بيد أنّ مقولات الإسلام السياسي عقائديةٌ ومقفَلةٌ ونضاليةٌ، بحيث لا تستطيعُ الإفادةَ من ذلك الانسداد في حشْد التأييد الداخلي من ورائها لكي تكونَ بديلاً للأوضاع القائمة. إذ إنها كما سبق القول تستندُ إلى مقولة الحقّ والهدى وعصمة الشريعة، فيصبحُ الناسُ أدواتٍ وليس هَدَفاً. وقد كان ذلك واضحاً منذ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، حين كان الإسلاميون بعشرات الألوف في سائر سجون الوطن العربي، وكانت شعبيتهم في الذِروة، ومع ذلك فقد كانوا متشككين بالديمقراطية والانتخابات، ومترددين في الدفاع عن أنفُسهم باسم حقوق الإنسان، بحجة أنَّ الأمرين وضعيان، وأنّ الحاكمية لله وليس للناس. كأنما كان الناس حاضرين ويتحدَّون الشريعة، أو هُم كذلك اليوم؛ في حين أنه لا ضمانة للشريعة والدين إلاّ هؤلاء الناس بالذات. ورغم أنَّ الأمور تغيرت الآن كثيراً، فما يزال الجدل دائراً حول مصدر السلطات ومرجعيتها. ولا علاقة للتيار الرئيسي في الحركات الإسلامية بأعمال القتل الجارية طبعاً؛ لكنّ هذا الاستخفاف بأرواح الناس وكراماتهم وإنسانيتهم ما كان تصوُّرُهُ ممكناً لولا الفكرُ النضالي الذي يتخذ من الدين عَضُداً في الصراع تحت اسم الجهاد وفي الداخل والخارج. 
ويتصل الجانبُ الأخرُ من الصراع بما سميتُهُ في بعض كتبي: رؤية العالم. فالهجمة الأميركيةُ أحدُ الوجهين، أمّا الوجهُ الأخرُ فالرؤية القائلةُ بالفسطاطين والدارين والمفاصلة وجهاد الطلَب وما شابه. وقد كان الفقهاءُ المسلمون يعتبرون العالم واحـداً، والدارين تنظيماً قانونياً، ومن ضمن مَنْ قال بذلك الإمام الشافعي (204هـ) الذي أجاز الجهادَ بعلّة الكفر، بخلاف سائر الفقهاء الذين ما رأوا للجهاد علّةً غير دفع العدوان. فالعلاقةُ بالعالم، عالم بني البشر تتجاوز المقاتلة والمهادنة إلى الحياة المشتركة. 
ولا شكَّ أنّ القضية الفلسطينية هي أهمُّ ديوننا على العالم، وقد كانت لها آثارٌ مدمّرةٌ على دولنا وبلداننا، وأفكار شبابنا وتوجهاتهم. فقد أُلقيت على عاتق دولنا الضعيفة القابعة يومَها تحت سيطرة الاستعمار أو التبعية أهمُّ مشكلةٍ في العالم منذ أكثر من ألفي عام وهي المشكلةُ اليهودية. إنها مشكلةٌ عجزت عن حلَّها بالحُسنى أو بالقوة إمبراطورياتٌ منذ العصور القديمة إلى اليوم. وطبيعيٌّ أن لا يكونَ بوسعنا حلّها بمفردنا، كما أثبتت السنون الخمسون الماضية. ولا شكَّ أنّ جزءاً من فشل الدولة العربية وجمودها يعودُ للفشل في حلّ المسألة الفلسطينية. على أنّ آثارها الفكرية والثقافية كانت بالغة السوء أيضاً، إذ إنها هي وراء ظهور فكرة المؤامرة من جانب العالم على الإسلام، والمؤامرة اليهودية على العالم كلِّه، عبر ثالوث الماسونية والماركسية والفرويدية الذي تبناه الإسلاميون منذ الستينات أخذاً عن وضائع الفاشيات الأوروبية، وبروتوكولات حكماء صهيون المشهورة. 
وهكذا فإنّ للعقائدية الإسلامية المتعالية على السياسة باعتبارها مساوماتٍ وتنازلات، سياقاتها الداخلية والخارجية؛ لكنها لا تشكّل إجابةً صحيحةً أو مُجْديةً؛ لأنها في الوقت الذي تختزل فيه العالم إلى عدو، تختزل الإسلام إلى أيديولوجيا للمواجهة، واضعةً الإسلام والمسلمين بين حدَّيي السكّين. وقد كان صراع الهيمنة قبل أحداث (11 سبتمبر 2001) جيواستراتيجي؛ أمّا بعد ذلك الحَدَث الهائل فقد صار له جانبٌ ثقافيٌّ وسياسيٌّ أيضاً يتمثَّلُ في أمرين أو دعويين: نشر الديمقراطية في الوطن العربي، ونُصرة الإسلام المعتدل على الإسلام المتطرف. وهذا يزيدُ من حِدّة الصراع من جهة، ويُبقي الإسلاميين أسرى ردود الفعل لجهة الفكر المتشدّد، ولجهة الهجمات التفجيرية والانتحارية. 
هناك صـراعٌ مزدوجٌ على الإسلام إذن. في الداخل صراعٌ على السلطة مع الأنظمة، وعلى المرجعية مع التيارات الإسلامية والتيارات الفكرية الأخرى. ومع الخارج اقتتالٌ في المجال الاستراتيجي، وفي المجال الثقافي / الحضاري. إنه في نظر طارق علي وإدوارد سعيد صراع الأصوليات. أما الحقيقة فهو صراعُ الراديكاليات. ومع الراديكالية التي تُقاتلُ حتى الفناء وليس الإفناء، لا حديثَ عن الوسطية؛ لأنَّ المُنْبَتَّ كما قال صلوتُ الله وسلامُهُ عليه: "لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى". 
وبالوسع القول إننا محتاجون لإصلاحٍ سياسي وآخَرَ ديني / ثقافي. بيد أنّ الإصلاحَ ليس إجراءاتٍ وحسْب؛ بل بيئاتٌ وعزائمُ ونهضويات. ولا يبدو شيء من ذلك حاضراً لا عند الأميركيين ولا عند خصومهم. فالأزمةُ شاملة ٌ وقد نالت من المسلمين، وهـي تنالُ الآنَ من الإسلام. ولا أحسبُ أنّ التطوير يمكنُ أن يكونَ له ثَباتٌ واستمرارٌ بدون إصلاح، وإلاّ تآكَلَهُ الفسادُ والاستبداد. قلتُ في كتابي الصغير "مقالة في الإصلاح السياسي العربي": ماذا سيحدُثُ للعرب إن لم يكن التغيير العميقُ والسريع؟ وأجبت: سيبقى الغُزاةُ الأميركيون على أرضنا، وستظل الدبابات الإسرائيلية على أرض فلسطين وغير فلسطين. وسيزداد انتحاريونا عدداً وعُدّة. وستتفتتُ بُلدانُنا في انقساماتٍ طائفيةٍ وعرِقية وجغرافية (فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكُلُهْ).

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.