
تعد اللقاءات التربوية والندوات الفكرية والمؤتمرات العلمية وخطاب الجمعة الأسبوعي.. إلخ؛ تجمعـاتٍ مهمةً للمناقشة والتفكير الجمعي بين جملة عقول يفترض أن تكون من الطبقة الأرقى نضجـًا ووعيـًا في المجتمع الإسلامي.
غير أن الطريقة الحالية والماضية لإدارة هذه اللقاءات، لا تذهب بها – على الأقل من وجهة نظري – باتجاه المثاقفة والتحكيك العقلي، وإنما –برأيي أيضـًا وربما يشاركني آخرون – باتجاه التلقين، وإعادة إقراء المشهد كما هو منظور من الزاوية الفوقية، أو من منظور الاتجاه الذي تُصْدِر عنه إدارة اللقاء.
ربما لم نفكر بالقدر الكافي في مسألة أن العالم اليوم قد تغير : أصبح أكثر تقاربـًا، وبضغطة زر في "النت"
أو القنوات عابرة القارات، يمكن أن نُحْضِرَ المعلومةَ التي نشاء.
هذا يعني -من جهة-أننا لم نَعُدْ بحاجة إلى المعلومات المجردة، بقدر حاجتنا إلى ما وراء المعلومة، وإلى توظيفها. ومن جهة ثانية يشير إلى أننا لم نعد بحاجة -بالضرورة-إلى الاجتهادات الفردية (الخاصة جدًا) – مع أهميتها أحيانـًا – بقدر حاجتنا إلى الاجتهادات الجماعية، وطرائق التفكير المتعدد، الذي ينظر إلى الحدث أو الظاهرة من أكثر من زاوية. وهو من جهة ثالثة يشير إلى أن الزمن يتجاوز كثيرًا منا دون أن يشعروا أن فرضياتهم وطرائق تفاعلهم مع الحدث وتحليله قد تجاوزها الزمن.
يضعنا هذا الكلام في إطار من التساؤلات المشروعة؛ يأتي في مقدمتها التساؤل عن طرائق إدارة تلك اللقاءات:
هل نحن بحاجة حقـًا إلى دروس وعظية نمطية، لا يستطيع أغلبها الوصول إلى الشفرة الذهنية وعمق الإحساس للمتلقي، بينما هو قادر على الاستماع إلى دروس من أكابر المشايخ والمفكرين إن أراد عبر ضغطة زر.
وهل نحن بحاجة إلى واعظ آخر –في الاتجاه السياسي مثلاً– يتكلم معنا عن حدث اليوم، ولكن بلغة السبعينيات والثمانينيات، وفقـًا لنظرية المؤامرة، وبعيدًا عن التخطيط الاستراتيجي.. ووفقـًا للتفكير بالحدِّيات، وبعيدًا عن التفكير بالتوازنات.
ثم هل نحن بحاجه أصلاً إلى إدارة فردية: للقاءاتنا، لمشاريعنا، للفتوى، لإدارة المجالس الكبيرة، لرئاسات الدول.. إلخ.
إن زمننا اليوم هو زمن الإدارات الجماعية، المستفيدة من العصف الذهني لكل مشارك، وهو زمن الحق الفردي، بعيدًا عن البطرياركية والأستاذية، اللتين ما تزالان تعيشان في أذهان أبوية هذا الجيل وخطابه التقليدي.
إن هذه التساؤلات تشير بشكل أو بآخر إلى فرضيات المشكلة، لمن كان يؤمن بأن هناك مشكلةً أصلاً ؛ يريد أن يخضعها للتحليل، وتعديد الفرضيات، واختبار صحتها، والخروج إلى واقع أفضل.
ماذا لو فكرنا في شكل مختلف :
• دعونا نهتم بالوعي إلى جانب المعرفة، وتدارس الكيفية لصناعة ذلك.
• دعونا نهتم بالتوعية على حساب الكم –الذي هو متحقق أصلاً – وتدارس الكيفية لصناعة ذلك.
• دعونا نهتم بالنخب من حولنا إلى جانب المجاميع الجاهلة، أو التي لا تحمل وعيًا حضاريًا في الأغلب.
• دعونا نهتم بالآخر – إلى جانب الذات – في وعينا الجمعي وفي برامجنا.
• دعونا نستمع إلى الصوت المغاير، لنقدِّر حاجاتِهِ، آمالَهُ، أفكارَه، رؤاه.. إلخ.
مقترحات لتحسين الأداء:
من هنا يمكنني أن أضع بين أيدي المهتمين بالشأن الإسلامي ومستوى الخطاب جملةً من المقترحات، التي يمكن تدارسها وإنضاجها:
• نحن بحاجة إلى دروس نوعية تلامس حياتنا.. تلهب عواطفنا وأحاسيسنا بقدر ما تشعل فينا حرائق الاتجاه نحو الفعل الذاتي والفاعلية الحضارية، نحن بحاجة إلى أفكار ناضجة متعوب على تحصيلها واستنباطها، تُعنى بالفكر الثاقب والتحليل الدقيق. دعونا منذ اليوم نرفض/ لا نقبل/ نحاسب/ نعاتب/ ننصح.. (ما شئتم) كلَّ من يُكَلَّفُ بأداءٍ في هذه الأداءات.. ثم يأتي به في غير تحضير جاد: هزيلاً مبعثرًا، فاقدًا للروح، هدفه فقط إسقاط التكليف ولا غير.
• دعونا نستضيف في ندواتنا ومؤتمراتنا ودروسنا –بما في ذلك الخطاب الأسبوعي/ الجمعة– من يحترم عقولَنا: لا يَبْعُدُ عن المنطق والحق إذا تكلم، ولا يَبْعُدُ عن الموضوعية الواعية إن أصدر حكمًا: في الحدث، أو الظاهرة، أو الآخر، أو المؤسسة.. إلخ. وحين تكون هناك مخالفة للحق والمنطق، أو للموضوعية والاتزان، نقف لنناقش، ولا نمرر الآراء السطحية كيفما اتفق ودون مناقشة أو حساب.
• دعونا -حين نستضيف- نحدِّدُ الهدفَ لمن نستضيفه: نطلب منه التحضيرَ والإعداد، ننبه إلى أن ثمة مداخلاتٍ ونقاشًا -في ضوء إعداد سابق وموجهات محددة سلفًا- سوف يدور مع الحاضرين. ولا نقبل أن يأتينا أحدهم فيقول -كما هو حاصلٌ أحيانًا-: "أنا في الحقيقة لا أدري ماذا تريدون، ولكني سأتكلم"، "لقد أُبلغت بالندوة أو المؤتمر متأخرًا، وعليه فورقتي مختصرة، " أعتذر لحضوري المتأخر؛ فمشاغلي الكثيرة منعتني من الانضباط بالموعد".. إلخ، وهذا غيض من فيض مما يحدث ونسمع.
• دعونا نعدل أسلوب الإلقاء من أحدهم والاستماع الجماهيري من قبلنا إلى حلقات النقاش المثمرة (المعدة مسبقًا من قبل مجموعة لا فرد)، وليكن الأمر على النحو الآتي (فيما يخص الدروس والندوات، ويدرس الأمر فيما يخص خطاب الجمعة للاستفادة من بعض التقنيات):
- يفضل أن يتم الإعلان عن حلقة النقاش من وقت سابق.
- يحدد مسبقًا مدير للنقاش (مثقف بالضرورة) للتحضير للموضوع وللتعليق والمداخلات، لا لمجرد التقديم ومديح المحاضر بتلك الأوصاف التي غالبًا ما تخرج عن منطق الحقيقة بسبب مبالغة المحب أو صغر شأن العارض للمعروض.
- يُبَلَّغُ ضيف اللقاء أن مدةَ حديثِهِ لا تزيد عن 20 دقيقة أو ما يقتضيه الموقف الاتصالي.
- تكلف مجموعة -من المثقفين المستهدفين بالاستماع- بالتحضير للمداخلات الناضجة: للإثراء من جهة، ولإشعار المستضافين من الـمُـلقين بأهمية الإعداد والتحضير قبل مواجهة الجمهور مرة أخرى دون إعداد.
- يفتح باب النقاش بعد ذلك مع من يريد من الحاضرين أن يعبر عن رأيه أو يضيف أو ينقد أو يخالف؛ لمدة لا تقل عن مدة الإلقاء الرئيسة (يُرْفَضُ فيها أسلوب الكتابة في الأوراق؛ تجاوزًا للأسلوب المدرسي الذي اعتاد عليه كثير من الأفراد؛ ولكي يتمرس الناس على: مواجهة المواقف الاتصالية، والتحكيك، والمثاقفة، والمخالفة إن لزم الأمر، وفي حدود آداب الخلاف).
- يُشجع الجميع على المشاركة الفاعلة، ويضبط الوقت، وتتاح الفرصة لكل أحد ليعبر عن رأيه، وإن كان مخالفًا.
- نعلم بعضنا ألا نستنكر على الآراء المخالفة أيًّا كانت، بل نؤكد (ونشجع) في كل لقاءاتنا وندواتنا ومؤتمراتنا.. إلخ أهمية احترام الآراء، والآراء المخالفة.
• دعونا نستنهض همم المنضوين في تلك اللقاءات وقدراتهم؛ ممن اعتادوا مع الزمن أن يصبحوا متلقين، لا مشاركين، بفعل الزمن (أو بكلمةٍ أدق بفعل إدارةِ حياةٍ صنعت منهم المتلقيَ الجامد، الاتباعيَ، فاقدَ القدرة على النقد.. ووافق ذلك رغبةً في سبات عميق لديهم، أو رغبةً في التنصل، واستسهال الاتباعية:
(واحنا ما علينا، هم أدرى، هوَّ احنا احسن منهم، احنا واثقين.. !!!).
لنحاول بعث الهمة في أنفسنا وفي نفوس أساتذتنا ممن حولنا؛ لنخرج خبايانا وكنوزنا، عبر إلزامهم الحجةَ البالغة والبحثَ الدقيق، والجديةَ المثمرة (التي يلحقها المتابعة والمحاسبة أو الشكر)، لأداءٍ راقٍ في تلك اللقاءات، وفقًا لأداء التكليف لا لإسقاطه، ووفقًا لمبادئ الجودة التي علمناها سيد الأخلاق عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب إذا عمل أحدُكم عملاً أن يتقنَه".
20/1/2011
ابحث
أضف تعليقاً