د. صفوت عبد الغنى
مقدمة عامة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " [ آل عمران 102 ] " يائيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " [ النساء 1 ] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما " [ الأحزاب 70 ، 71 ]
شهدت التيارات الإسلامية المعاصرة خلال عقد التسعينات من القرن الماضي مراجعات وتحولات فكرية وسياسية وقد مست هذه المراجعات إلى حد كبير مسيرة الماضي ووضعت قواعد للتأمل وضوابط التفكير في الحاضر إلا أن ما احدثته ثورة 25 يناير المجيدة فرضت تحديا ضخما أمام هذه التيارات .. تحديا يتطلب منها مزيدا من التأمل والوعي والتطوير ويتطلب وضع إستراتيجية واضحة المعالم ورؤية منهجية تصحيحية للتعامل مع الواقع الجديد [ بعد الثورة المجيدة ] كما يحتم صوغ علاقات مستقبلية على ضوء تلك المتغيرات السياسية والاجتماعية التى احدثها الثورة .. انه تحد لا يمكن بل لا يصح للتيارات الإسلامية أن تجتازه إلا إذا تغلبت فى هذه المرحلة الهامة على ازمتين : ازمة التنظيم وازمة التنظير فاعادة البناء الهيكلى وتجديد الخطاب والاساليب والآليات على ضوء مقاصد الشريعة وثوابتها هو الذى سوف يحدد مستقبل تلك التيارات .
والحقيقة ان عنوان هذه الورقة [ اولويات الحركة الاسلامية مرحلة ما بعد الثورة : الاصلاح والنهضة ] يحتاج لاوراق بحثية عديدة وذلك نظرا لاتساع النطاق الجغرافى [ مصر وتونس ] ولاتساع المضمون [ اولويات الاصلاح الداخلى للتيارات الاسلامية واولويات الاصلاح المجتمعى الخارجى ] ثم الملمح الاهم هو تعدد وتنوع التيارات الاسلامية واختلاف رؤاها وتصوراتها واختلاف اسالبيها فى التعامل مع الواقع الجديد [ ما بين اخوان ـ سلفية ـ جهاد ـ جماعة اسلامية ....] كل هذا فى ضوء متغيرات جديدة حدثت بفعل الثورة المباركة التى فتحت مجالات عديدة للعمل العام امام هذه التيارات .
واجمالا يمكننا خلال هذه الورقة البحثية التركيز على محورين الاول : ضرورة التجديد السياسى ذلك كمدخل وملمح هام فى اولويات الاصلاح والنهضة والثانى : نتعرض فيه لتلك القواسم المشتركة لدى التيارات الاسلامية لاولويات الاصلاح الداخلى والخارجى .
اولا : ضرورة التجديد السياسى ومبرراته :
بعيدا عن هذه الاختلافات أو التجاذبات الفكرية والسياسية حول قضية ( التجديد السياسي ) وحول ماهيته ومداه فان الفكر السياسي في جملته يجب أن يولى هذه القضية أهمية خاصة فالتجديد السياسي وما يهدف إليه من بناء نظرية سياسية إسلامية عامة أو " بناء علم سياسي إسلامي " يعتبر ضرورة شرعية وسياسية وحتمية واقعية واجتماعية ويمكننا تحديد دواعي ومبررات التجديد السياسي في الفكر الإسلامي كما يلي :
المقصد العام للتشريع : ( حفظ نظام الأمة ) :
من المقاصد العامة للتشريع الإسلامي كما يقرر الطاهر بن عاشور فى كتابه مقاصد الشريعة الاسلامية بعد استقراء كلياته ودلائله حفظ نظام الأمة وصلاح أحوال الناس وشئونهم في الحياة الاجتماعية وحفظ العالم وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك فالإسلام كما أوجب الاهتمام بصلاح الفرد فإن صلاح أحوال المجموع وانتظام أمر الأمة أسمى وأوجب وهل يقصد إصلاح البعض إلا لأجل إصلاح الكل وإذا كان الأمر كذلك فانه لن يصلح حال الفرد أو المجموع ولن تنتظم أمور الحياة إلا ببناء نظرية سياسية إسلامية تجديدية واقعية ملتزمة بالعقيدة ومسيرة بالتشريع الإسلامي ومعتبرة للواقع المتغير المتجدد ومواكبة لتطورات العصر .
طبيعة التشريع الإسلامي :
هناك قاعدة ذهبية تم استقراؤها من طبيعة النص القرآني وهى :
( التفصيل فيما لا يتغير والإجمال فيما يتغير ) فعند استقراء نصوص الشريعة نجد أن بعض المجالات كثرت فيها النصوص إلى حد التفصيل مثل العبادات وشئون الأسرة ( الزواج – الطلاق – الميراث ... ) لأنها مما لا يكاد يتغير بتغير الزمان والمكان والحاجة فيه ماسة إلى نصوص ضابطة لمنع التنازع ما أمكن ذلك ومن ثم فان تفصيلها كان متكافئا مع طبيعة كونها من المسائل الثابتة في الإنسان باعتباره إنسانا بصرف النظر عن وضعه الحضاري وتطوره التاريخي ، وإلى جانب ذلك توجد مجالات تقل فيها النصوص إلى حد كبير أو تأتى عامة مجملة لتدع للناس حرية الحركة في الاجتهاد لأنفسهم في ضوء الأصول الكلية وفق مصالح مجتمعهم وظروف عصرهم دون أن يجدوا من النصوص المفصلة ما يقيدهم أو يعوق مسيرتهم ، وقد علل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور هذه الطبيعة التشريعية بأن " العبادات مبنية على مقاصد قارة فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة أما المعاملات فبحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال والعصور فالحمل فيها على حكم لا يتغير حرج عظيم على كثير من طبقات الأمة ولذلك كان دخول القياس في العبادات قليلا نادرا وكان معظمه داخلا في المعاملات " وتحت باب فقه المعاملات تندرج الأحكام السياسية لأنها في اغلبها لم يرد فيها نصوص تفصيلية بل تعتمد في أكثرها على أصول الشريعة العامة ومبادئها وقواعدها الكلية ، من اجل ذلك فإنها تحتاج إلى اجتهاد مستمر وتجديد دائم وإعمال للعقل في استنباط ما لا نهاية له من التطبيقات العملية لتلك القواعد العامة وتحويلها إلى تشريعات تفصيلية متصلة بواقع الحياة .
طبيعة المجال السياسي :
مجالات السياسة رحبة فسيحة وقضاياها معقدة ومتشابكة ومستوياتها متعددة ( المحلى والإقليمي والكوني ) وشئونها دائمة التجدد والتغير وتمتاز باللانهائية والتنوع ومجال هذا وصفه لا يصح فيه اجتهاد يقف عند حرفية النصوص ولا ينفذ إلى مقاصد الشرع ولا يهتم بمصالح الخلق وقد يمكن قبول الاجتهاد التقليدي أو النصي في مجال الشعائر والأحكام المتعلقة بالأفراد التي تبحث عن حل كل معضلة شرعية في النصوص أو في كتب المتأخرين ولكن لا يمكن قبوله بحال في المجال السياسي ذلك أن مجال السياسة يتم التعامل فيه مع الفرد والمجموع ومع الأمة الواحدة ومع البشر بتنوعاتهم الدينية والثقافية ويتم التعامل فيه أيضا مع الصديق والعدو ومع المسلم والكافر ومع أهل الحرب والذمة كل ذلك يتم في حالات مختلفة أيضا حال القوة والضعف وفى الظروف الطبيعية والاستثنائية كل ذلك يتطلب السعة والمرونة والموازنة والترجيح والاجتهاد ومراعاة تغير الزمان والمكان ويتطلب إعمال فقه السنن وفقه المقاصد وفقه الموازنات وفقه الاختلاف والتعدد وهذا ما نعنيه بضرورة التجديد السياسي والنظر الدائم في الاجتهادات والأحكام المتعلقة بمجالات السياسة لتجديدها أو تغييرها كلما لزم الأمر فالأمور المتغيرة والمتجددة تحتاج دائما إلى اجتهاد ونظرية السياسة بهذا المعنى تؤصل لكيفية التعامل مع عناصر الواقع المتجددة والمتغيرة والتي لا تثبت على حال بحيث يكون لكل حادث اجتهاد ..
مفهوم السياسة الشرعية :
مفهوم ومدلول السياسة الشرعية – كما عرفها العلماء – تدفع للتجديد وتدل عليه فالسياسة الشرعية حسب تعبير أبي الوفاء ابن عقيل هي [ ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس اقرب إلى الصلاح وابعد عن الفساد وان لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به الوحي ] أو هي حسب ابن نجيم الحنفي [ فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وان لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي ] وعلى هذا فالذي ينظر إلى السياسة على أنها محصورة فيما نطق به الشرع أو ما ورد به نص فإنه مغالط فمعيار السياسة الشرعية ( عدم مخالفة ما نطق به الشرع ) ولذلك فقد عنى الشيخ عبد الوهاب خلاف ببيان الهدف من وظيفة السياسة الشرعية حيث ذكر أنها ( علم يبحث فيه عما تدبر به شئون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام وان لم يقم على كل تدبير دليل خاص ) وبناء عليه فان التشريع السياسي الإسلامي يمنح للمجتهدين والمتخصصين سلطة اجتهادية تجديدية لبناء نظام سياسي إسلامي متميز لتصريف شئون الدولة على كافة المستويات حسبما يقتضيه العدل والمصلحة والواقع شريطة ألا يخالف هذا الاجتهاد والتجديد روح التشريع العامة ومقاصده الأساسية ولو لم يرد بهذه النظم والإجراءات نص خاص بكل منها .
ضعف وقصور الاجتهاد السياسي :
الأغلب والأعم من اجتهادات وفتاوى العلماء قديما وحديثا تنصب على موضوعات وحالات فردية لا يتسع الخلاف حولها ولا يصعب التوصل إلى حكم الشرع فيها مثل العبادات وبعض قضايا المعاملات المتعلقة بالأفراد كالزواج والطلاق أما قضايا الأمة لاسيما قضايا الفقه السياسي فإنها لم تلق ما تستأهله من اجتهاد واهتمام مع مالها من أهمية وأثر في حياة الأمة والجماعة واستقرارها وأمنها وهذا القصور في الاجتهاد السياسي هو ما جعل ابن القيم – رحمه الله – يشكو في عصره ( القرن الثامن الهجري ) من جمود فقهاء زمانه حتى إنهم اضطروا أمراء عصرهم إلى أن يستحدثوا قوانين سياسية بمعزل عن الشرع وحمل ابن القيم الفقهاء الجامدين تبعة انحراف الأمراء والحكام وشرودهم عن منهج الشريعة حيث يقرر ابن القيم – رحمه الله – متحدثا عن جمود هؤلاء العلماء ( هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه – إي في الاجتهاد السياسي – طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق " الاجتهاد " والتنفيذ لها وعطلوها .. ) ونقرر – مع البعض - أنه ما زال لهؤلاء الجامدين من أهل الفقه أخلاف في عصرنا حيث ما يزال الفقه السياسي اليوم يشوبه كثير من الغبش والتباس المفاهيم واضطراب الأحكام وتفاوتها في أذهان العاملين للإسلام تفاوتا يجعل المسافة بين بعضها وبعض كما بين المشرق والمغرب هذا القصور في الاجتهاد والسياسة في القديم والحديث من المفترض أن يدفع إلى التجديد والإبداع في قضايا السياسة والى محاولة وضع منهجية علمية للتنظير السياسي .
ثانيا : القواسم المشتركة لاولويات الاصلاح الداخلى والخارجى .لدى التيارات الاسلامية
اعادة البناء الهيكلى واعتماد العمل المؤسسى :
لاشك ان النظام الحاكم قبل الثورة كان يستخدم كل ادوات القهر والاستبداد والاقصاء ضد التيارات الاسلامية بل قامت المؤسسة الامنية التابعة لهذه الانظمة باداء دور قوى ومؤثر من اجل التدخل فى شئون ادارة معظم تلك التيارات وعزل قياداتها المؤثرة وحصارها : اما بالسجن والاعتقال او بتحديد الاقامة او النفي خارج البلاد بل نجح فى اختراق مؤسسات بعض هذه التيارات واخضاعها لاختياراته وتوصياته وفرض قيادات بعينها لادارتها وقيادتها .. ولا شك ان معظم هذه التيارات قد تأثرت بتلك السياسات بدرجات متفاوتة وتعاملت معها بطرق واساليب مختلفة وقد احدثت ثورة يناير تحولات وتغيرات عميقة فى طبيعة وبنية النظام السياسى والامنى المصرى والتونسى بحيث اصبحت معظم تلك التيارات فى مأمن من اية ضغوطات او املاءات امنية فى اختيار قياداتها مما يحتم على تلك التيارات ان تعيد بناء هيكلها الادارى بحرية كاملة وتقوم بتصويب اخطائها او اختياراتها فيما قبل الثورة المباركة شريطة ان يتم ذلك بادوات شورية وديقراطية وبانتخابات حرة تتوافر فيها جميع الضمانات الشرعية والنظامية بحيث يقوم البناء على بنى مؤسسية قوية وقواعد لائحية راسخة ومتينة تمنع التصدعات والانشطارات التى تهدد بقاء واستمرار تلك الكيانات .
استيعاب دور الشباب داخل بنية التيارات الاسلامية :
قام الشباب بدور بارز خلال ثورة 25 يناير ونجحوا فى فرض ارادتهم على النظام الاستبدادى الذى مارس معهم كل انواع القتل والقمع والتنكيل وشعروا بزهو الانتصار الحاسم على الدكتاتورية وتيقنوا من قوتهم وقدرتهم على التغيير مما الهب حماسهم وايقظ هممهم .. هذه الفورة التى انتجتها الثورة تحتم على التيارات الاسلامية ان تقوم باستيعاب طاقة هؤلاء الشباب والقيام بحسن تدريبهم وتوجيههم وتوظيفهم واعادة بنائهم واكسابهم خبرات التعامل مع الواقع الجديد السياسي والاجتماعى والثقافى .... حيث كانت تلك التيارات قبل الثورة غالبا ما تقوم ( نظرا لظروف القهر الذى كانت تمارسه الانظمة الدكتاتورية الحاكمة ) بكبح جماح هؤلاء الشباب والعمل على تهدئة حماسهم وكبت تطلعاتهم والحد من طموحاتهم فى مجالات العمل المختلفة وقد آن للتيارات الاسلامية ان تعلم انها ان لم تقم فى هذه المرحلة الهامة باستيعاب طاقات هؤلاء الشباب فان ذلك سيؤدى حتما اما الى ثورات داخلية او انفضاض الشباب عن تلك الحركات والبحث عن ادوار اخرى خارجها تستوعب طاقاتهم وجهدهم .
ازالة الصورة النمطية والتشويه المتعمد لدى الشعوب تجاه الحركات الاسلامية
قامت الانظمة الدكتاتورية قبل الثورة المباركة بتشويه متعمد للتيارات الاسلامية حيث قام الاعلام الموجه بالصاق العديد من التهم ونسبتها للاسلاميين فهم : متخلفون ، رجعيون ، ظلاميون ، ارهابيون ، محتكروا الحقيقة ، استبداديون ، فوضويون ، قامعوا الحريات ، انتهازيون ، سلطويون ، متآمرون ، اصحاب ديمقراطية المرة الواحدة .............. كما انهم عمدوا الى بعض الممارسات العنيفة التى قامت بها بعض هذه التيارات والى بعض البرامج السياسية والتصورات المبدئية التى وضعتها بعضها وتناولوها بطريقة متعمدة لا تخلوا من تعسف وانتقائية ليدللوا بها على العديد من افتراءاتهم واكاذبيهم .. فكان لزاما على جميع التيارات الاسلامية بعد الثورة وزوال الاعلام الموجه السعى لازالة تلك الصورة النمطية لدى الرأى العام الداخلى والخارجى وبيان الحقيقة الكاملة واعداد الردود النظرية والعملية التفصيلية على كافة تلك المزاعم بغية محو تلك الصورة الكئيبة التى رسمتها الانظمة فى اذهان الشعوب لتلك التيارات .
ضرورة تجديد الخطاب الاسلامى المطروح لشئون المجتمع وبناء الدولة
احدثت ثورة 25 يناير واقعا جديدا لدى الحركات الاسلامية واضافت لها ابعادا وآفاقا جديدة للعمل الاسلامى ففضلا عن مجالات العمل التربوي لتكوين الإطارات البشرية ، ومجالات العمل الاجتماعي للإسهام في علاج الفقر والجهل والمرض ، ومجالات العمل الاقتصادي للمشاركة في تنمية المجتمع ، ومجالات العمل الدعوي والإعلامى لنشر الفكرة الإسلامية الوسطية الصحيحة ، ومجالات العمل النقابى لخدمة واستقرار العمل المهنى وتقوية منظمات المجتمع المدنى ، ومجالات العمل الحقوقى لاقرار الحريات والدفاع عن المظلومين والمضطهدين ... فضلا عن هذا كله فان الثورة المباركة فتحت امام الحركات الاسلامية آفاقا جديدة وابعادا متسعة فى مجالات العمل السياسى الذى قد يؤدى فى النهاية الى الوصول للسلطة وحكم البلاد حسب قواعد وآليات الديمقراطية وعليه فان التيارات الاسلامية مطالبة قبل غيرها بوضع برامج تفصيلية تهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسعى لتقديم رؤى واقعية للتغلب على الازمات والكوارث التى تحيط بالبلاد : ففضلا عن الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة فهناك انهيار فى التعليم ، وخلل قيمى واخلاقى وتفكك وتفسخ اسرى جسيم ، وهناك ازمة الفساد المتجذر فى كافة المؤسسات والمصالح الحكومية والشعبية وهناك مشاكل المخدرات وتأثيرها القاتل على الشباب ............... كل ذلك يحتم على التيارات الاسلامية تقديم برامج تفصيلية لادارة لشئون البلاد وذلك لضمان نجاحها واستمرارها فى الريادة وقيادة البلاد والا فانها حتما ستتوارى وتدع الساحة السياسية لغيرها من القوى السياسية المناؤنة لها فالشعوب قد لا يهمها الايدولوجيات بقدر ما يهمها الحلول الجذرية للازمات المعيشية الخانقة .
توحيد الصف الاسلامى فى المجال السياسى عن طريق تبنى العمل الائتلافى الجبهوى بعيدا عن التشرذم والتفرق :
من الثمرات العظيمة لثورة يناير المباركة انها اذابت العديد من الاختلافات والتجاذبات الفكرية والمنهجية بين العديد من التيارات الاسلامية وقضت على الكثير من التعارضات فى التصورات الحركية بحيث اصبح ما بين هذه الحركات من اتفاق اكثر مما بينها من اختلاف .. فمع زوال النظام الاستبدادى القمعى المتسبب فى بروز الكثير من هذه الاختلافات ( بسبب الاختلاف على توصيفه وطرق تغييره ) لم يعد ثمة مبرر للتناحر والتصادم والتشرذم بل ان الواقع الجديد بعد الثورة يحتم الاتفاق والائتلاف والتعاون والتنسيق المستمر المؤسس على مصالح الدين العليا والبعد عن العصبية المقيتة والمصالح التنظيمية الضيقة لا سيما فى ظل تحالف وتكاتف جميع القوى العلمانية ضد التيارات الاسلامية ووقوفهم صفا واحدا للحد من تقدمها كل ذلك فى ظل تصاعد تخوفات اقليمية ودولية اكيدة من صعود التيارات الاسلامية .. والحق ان التيارات الاسلامية التى سارع العديد منها للاعلان عن نشأة وتأسيس احزاب سياسية اذا لم تعتمد العمل الجبهوى فى المجال السياسى فسوف يؤدى هذا الى ما التشردم والقطيعة او ما يسمى ( فوضى الاحزاب الاسلامية ) ويكون ذلك خصما من رصيدها واضعافا لوزنها وقدرتها على تحقيق مصالحها .
الحوار والتنسيق مع كافة القوى السياسية والوطنية :
بعيدا عن بعض القوى السياسية المعادية للتيارات الاسلامية والتى تسعى جاهدة لتهميش الاسلاميين وازاحتهم واقصائهم من الساحة السياسية فان ثمة قوى سياسية وطنية معتدلة ومرنة تسعى مخلصة لتحقيق مصالح الوطن وتنميته وازدهاره واقرار الحريات ولا تمارس اى نوع من الاقصاء او مصادرة حق الاسلاميين فى المشاركة السياسية والوجود الذى تفرضه موازين القوى والارادة الشعبية .. هذه القوى السياسية الوطنية يجب على التيارات الاسلامية ان تفتح معها جسورا للتقارب ومساحات للاتفاق والتفاهمات وحوارا جادا وفعالا حول القضايا المصيرية الهامة فالتحالف والتنسيق والحوار الهادف للوصول إلى أحسن السبل للرفاهية والاستقرار وخدمة الاوطان مطلوب بل واجب ومشروع .. وعليه فإن التعامل مع كافة القوى السياسية الوطنية يكون بالنصيحة وتحري الموضوعية في الانكار لا بالتنافر والتعصب الحزبي الذي لا يخدم مصلحة الأمة بل يصبح معوقا وعامل هدم لا وسيلة اصلاح وبناء .
ابحث
أضف تعليقاً