
صدر عن المجلس الأعلى للشباب وضمن سلسلة التثقيف الشبابي النشرة الـ (95) بعنوان الوسطية والاعتدال منهج أمة والتي تهدف إلى تثقيف الفئة الشبابية بديننا الإسلامي القائم على الوسطية والاعتدال بعيدا عن أي تطرف أو غلو .
وقد تم توزيع هذه النشرة على كثير من المراكز والأندية التي تعنى بالشباب.
فيما يلي نص النشرة كاملة:
الوسطية مدخل للحضارة الإنسانية
تضمنت الآيات القرآنية الكريمة عدة توجيهات ربانية داعية إلى سلوك سبل التوسط والاعتدال بعيداً عن التطرف والغلو لتشكل في مجملها منظومة أخلاقية وقيمية ضابطة للسلوك الإنساني، ودافعة إلى العمران الحضاري.
وإنَّ وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية مدخل إلى التعاون الإنساني، اتساقاً مع قوله سبحانه وتعالى:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات: 13).
فالرابطة الإنسانية بين الناس قائمة شاءوا أم أبوا، هذه الرابطة تترتب عليها واجبات وحقوق شرعية ومدنية في المجتمع الإسلامي.
ومنذ أن نزل القران الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وطبقه كنظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، وضع قواعد التعامل البشري والإنساني مع كل البشر، وخصَّ النظام الإسلامي شركاء الوطن من غير المسلمين بأحكامه، ومنذ دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة والتي توالت منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى هذه الأيام. فقد أوصى القرآن بجدال أهل الكتاب بالتي هي أحسن،( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(العنكبوت: 46).
والإسلام كذلك وسطي معتدل في نظرته المتكاملة للانسان والكون والحياة، نظرة تمثل المنهج الوسطي للأمة بعيداً عن الغلو والتطرف.. فالإسلام وسط بين التزمت والتنطع من جهة، والتسيب والتحلل من جهة أخرى.
الإسلام وسط في الأخلاق والسلوك بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكاً فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن أن يدركه ويطيقه، وبين غلاة الماديين الذين حسبوه حيواناً فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به، والإنسان إنما هو قبضة من طين، ونفخة من روح الله، أودع الله -جل وعلا- فيه عقلاً ووروحاً، وجعل غذاء العقل المعرفة، وغذاء الجسد الطعام، وغذاء الروح النقاء والطهر، وغذاء الوجدان الفن الراقي.
الوسطية .. طريق النهضة
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن أهم تيارات الصحوة وأعظمها هو تيار الوسطية الإسلامية وذلك لعدة أسباب :
أولاً : لأنه هو التيار الصحيح، الذي يعبر عن وسطية المنهج الإسلامي الذي أسماه القرآن ( الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) .
ثانياً : لأنه التيار الأعرق والأقدم في تاريخ الصحوة أو التجديد الإسلامي، والتيارات أو الفصائل الأخرى مثل التكفير والهجرة ونحوها حديثة العهد، لا تضرب في التاريخ إلى غور بعيد .
ثالثاً : لأنه التيار الذي يرجى طول عمره واستمراره، فإن الغلو دائماً قصير العمر ولا ينتظر له البقاء طويلاً وفقاً لسنة الله .
رابعاً: لأنه التيــار الـذي يمثل أعـرض قــاعدة في الصحـوة الإسلامية، وما عداه يعد قنوات صغيرة.
الغلو والتطرف نقيض التَدين
يقول الدكتور القرضاوي: ومن معالم الفكر الديني الذي ننشده: أنه فكر وسطي الوجهة والنزعة، فهو فكر تتجلى فيه النظرة الوسطية المعتدلة المتكاملة للناس والحياة ، النظرة التي تمثل المنهج الوسطي للأمة الوسط، بعيداً عن الغلو و التقصير .
وسط بين المستعجلين لقطف الثمرة قبل أوانها، والغافلين عنها حتى تسقط في أيدي غيرهم بعد نضجها .
وسط بين المستغرقين في الحاضر، غائبين عن المستقبل ، المبالغين في التنبؤ بالمستقبل كأنه كتاب يقرؤونه .
وسط بين المغالين في التحريم كأنه لا يوجد في الدنيا شئ حلال، والمبالغين فـي التحليل كـــأنه لا يوجد فـي الدين شئ حرام .
وسط بين تيار الانبهار وتيار الجمود .
الوسطية وواقع الأمة
إن الوسطية من مقاصد الإسلام، لأنَّ الاعتدال والتسامح والتدرج من فضائل الإسلام ووسائله، فمن رحمة الله عز وجل بهذه الأمة أن بعث فيها أفضل رسله، خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه أفضل كتبه وأكملها وأقومها وأشملها لخيري الدنيا والآخرة، وإن من أبـرز سمات هـذا المنهج الرباني الهادي للتي هي أقـوم أنه متسم بالشمول والتوازن والوسطية والعدل؛ ولذلك امتن الله عز وجل على هذه الأمة التي أنزل إليها كتابه الكريم ومنهجه القويم بقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143).
وفي واقعنا المعاش من يرى المجتمع المسلم مجتمع نسك وعبادة وجد وعزم وحسب، لا يصح لبهجة أن ترتسم على وجوه الناس، كما يوجد أولئك الذين أذابوا الحواجز بين المشروع والممنوع، والحلال والحرام. فجعلوا الحياة لهواً ، وأهدروا العمر سدى.
ومن أجل ذلك قاوم النبي صلى الله عليه وسلم كل اتجاه ينزع إلى الغلو في التدين، وأنكر على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف، مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال الذي جاء به الإسلام، ووازن به بين الروحية والمادية، ووفق بفضله بين الدين والدنيا، وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب في العبادة، التي خلق لها الإنسان.
فكان ردّ الرسول صلى الله عليه وسلم في قصة الثلاثة الذين أرادوا أن يصوم أحدهم ولا يفطر والثاني يقوم الليل ولا يرقد والثالث أن يعتزل النساء أبلغ منهج رسمه للأمة، فقد أنكر عليهم صلى الله عليه وسلم ذلك التجاوز والمبالغة والتصرف. فكان الردّ النبوي عليهم أنَّ الالتزام الديني لا يعني التشديد على النفس، فرفض صلى الله عليه وسلم فلسفة تزكية الروح على حساب مكونات النفس البشرية من جسد وعقل، قال صلى الله عليه وسلم:
" أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني "(مسند الإمام أحمد ج3، ص285 )
خطر الغُلاة (تأصيل شرعي)
الإسلام دين وسط واسع الأفق قابل لكل تجديد في سبيل الرقي والتقدم والبناء، ويرفض الجمود والتعصب والعنف والهدم، والإسلام منهج وسطي في كل شيء، في التصور والاعتقاد والتعبد والتنسك، وفي الأخلاق والسلوك والمعاملة والتشريع. قال صلى الله عليه وسلم: "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (صحيح البخاري "كتاب بدء الوحي، باب الدين يسر، ج1، ص23) ، ويجب أن تقف الأمة ضد الغلاة لأنهم يختطفون مستقبل الأمة، فالأمة اليوم تقف بين خطرين خطر الغلاة وخطر الغزاة.
روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه في سننهما، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين " ... قال ابن تيمية: إن قوله "إيَّاكم والغلو في الدين " عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد المشروع.
روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هلك المتنطعون " قالها ثلاثاً. قال الإمام النووي: أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
روى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((لا تشددوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: رهْبانِيّةً ابتدعُوها ما كتَبْناها عليهِمْ ))، واللفظ الشرعي في مقابل التطرف هو لفظ الغلو ، وقد جاء هذا اللفظ في كتاب الله عز وجل في مواضع كثيرة . قال الله عز وجل : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ).
الدعوة تضحية ومحبة
كانت ولا زالت وستبقى رسالة الإسلام رسالة العدل والخير والمحبة لبني البشر { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ... } (الأعراف: 158) يقدمها ربِّ العالمين رحمة للعالمين لذلك كان على الدعاة أن يُقدموا هذا الشفاء والدواء –رسالة الإسلام- بأجمل وعاء وبأرقى أسلوب بأيدٍ حانيةٍ محبةٍ مشفقةٍ لا بأيدٍ قاسيةٍ فضةٍ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ... }آل عمران: 159)
الصبر والاحتمال
كان منهج الرسل صلوات الله عليهم يؤكد على الصبر، وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر فيقول لهم "صبراً آل ياسر ... "، فلم يحرضهم على القتل والتخريب، أو الغدر بل كان يرسم لهم منهج الدعوة عبر العصورفيقول لهم: " قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ..." ثم يفتح لهم أبواب الأمل والبشارة والخير بأنَّ الحق قادم بقوله " وَاللهِ ، لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (البُخَارِي: 4/244[3612] .
تاريخ: 10/8/2009
ابحث
أضف تعليقاً