
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على الرسول المصطفى الأمين سيدنا محمد بن عبدالله الصادق الوعد المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحبه أجمعين وبعد لا يحتاج الباحث في أحوال الأمة العربية والإسلامية للكثير من العناء ليكتشف ما آلت إليه الأمة من تخلف حضاري ومعاناة بشرية وهوان إنساني، على الرغم من كل ما تتمتع به من إمكانات بشرية و مادية هائلة ، وما تمتلكه نظرياً من قيم دينية ومبادئ سامية ، ومرد ذلك برأيي ليس النقص في أساسيات وثوابت الدين الحنيف وإنما التوقف شبه التام منذ عدة قرون عن محاولة الاجتهاد والتجديد والربط بين الوقائع المعاصرة ومتغيرات الشريعة التي ندعي دوماً أنها صالحة لكل زمان ومكان. إن عقل المسلم اليوم أصبح عاجزاً عن التعامل مع ما حوله من حضارات وفق ما توارثه من آراء الفقهاء التي مضى عليها قروناً عديدة و كأنها نصوصاً مقدسة.. حتى توهم البعض و للأسف الشديد أن الإسلام ومبادئه الأساسية لا يمكن أن يقام عليها حضارة معاصرة … مما دفع الكثير من مثقفي المسلمين ومفكريهم إلى الابتعاد عن الفكر الديني والاتجاه لتيارات وأحزاب أخرى تلائم تطلعاتهم وتوجهاتهم السياسية ورغبتهم في التقدم والرقي. ولا يظن أحدنا بأن هذه المشكلة يسيرة وبالإمكان تجاوزها بسهولة وسرعة بمجموعه من القرارات ..لا فالموضوع أعقد من ذلك بكثير..... ومرتبط بـ: تجديد الفكر الإسلامي والخطاب الديني وتنمية ودعم التيارات الوسطية المعتدلة والمتنورة الملتزمة بثوابت الشريعة الغراء، وتشجيع الفكر الحواري وقبول الآراء المذهبية الأخرى بما يحقق التقارب والتضامن المذهبي، وما لم نساهم في تطوير وتنمية هذا الأمر وغرسه في عقول وقلوب الناشئة من طلبة العلوم الشرعية وغيرهم من الشباب فسنبقى على هامش التاريخ والحضارة الإنسانية وسنتحدث عن ذلك بمزيد من التفصيل، إذ لابد من تشجيع التيار الإسلامي الوسطي التنويري المعتدل الذي أرسى دعائمه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تيار إعمال العقل والفكر في كل أمور الدنيا عملاً بقوله تعالى ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون)... إذ أن التجديد أمر مهم جداً لاستمرار حياة أي كائن حي ولتجديد خلاياه وإلا لتوقف عن الحياة وانتهى، وكذلك هو حال الأفكار والمبادئ والأديان فبالإمكان بقاؤها حية طالما بقي التجديد والتنوير في فكر مفكريها وأئمتها وعلمائها وذلك ما بشر به النبي الكريم صلوات الله عليه حينما قال (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ) و التجديد أمر جلل لا ينبغي أن ينبري له إلا المجتهد الملتزم بثوابت الإسلام، البصير بأصول الشريعة واللغة المتمكن من كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة، والمدرك لمقاصد الشريعة والتي لخصها أغلب الأئمة بحفظ النفس والدين والعقل والمال والعرض والنسل والحرية والمساواة والعدل والكرامة الإنسانية والعمران والعلم ...ولذلك فإن أي أمر تجديدي ينبغي أن يلتزم بثوابت النصوص الشرعية القطعية الثبوت ودلالاتها الممكنة والمناسبة، وكذلك على آراء الأئمة الأعلام المبنية عليهما، وأما ما استنبطه الفقهاء من أحكام نتيجة لاجتهادات شخصية سواء كانت قياسا أم استحسانا أم مصالح مرسلة أو حتى إجماعاً في زمانهم، فكلها أمرها متروك لزمانها ومكانها ولذلك قال بعض الأئمة عندما سئل عن مسألة ما فقال أوقعت هذه المسألة قالوا ولكنا أردنا أن نعرف الحكم فيها فقال اتركوها لأهل زمانها وذلك التزاماً بأمر البارئ عزوجل وتنفيذاً لقوله في محكم التنزيل (( وأمرهم شورى بينهم)) أي أن أمرها متروك لعلماء الأمة في كل زمان ومكان، فهم أعلم بمصالح أزمنتهم وأمكنتهم وطرق اجتهادهم فالباري عزوجل قال وأمرهم شورى بينهم ولم يقل وأمرهم شورى بينكم. من ذلك يتضح لنا أن تجديد الدين لا يعني العبث بالنصوص المقدسة القطعية اليقين والدلالة، بل هو اجتهاد يتحرك ضمن دائرة الدلالات غير القطعية بالثوابت أو دائرة المتغيرات فقط، لإعادة نضارتها وإشراقها على الوجه الذي كان عليه أيام الدعوة الأولى مع الأخذ بعين الاعتبار قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ((إن الله قد فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تسألوا عنها )) وقوله ((يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )) وهي الأحاديث التي أخرجها عدد من أئمة الحديث، أي أنه ترك هذه الأمور لاجتهاداتكم ولأحوالكم في كل زمان ومكان، أي أنه تركها لزمانها ولأهلها ولمكانها، وهذا هو سر عظيم من أسرار بقاء الإسلام واستمراره غضا طريا على مدى الأيام، قابلا للتطبيق في كل عصر ومصر، إذا إن الثوابت الإسلامية الغير قابلة للتعديل أو التطوير، محصورة فقط في أمور قليلة مرتبطة بالعقائد والعبادات والأخلاق، أما ما تبقى من معاملات وعلاقات بشرية وثقافية واجتماعية واقتصادية ودولية ونظام حكم وتفاصيل ذلك كله، فهي من الأشياء التي سكت الباري عز وجل ورسوله الكريم عنها ليسمح لنا بتطويرها وتجديدها لتصبح صالحة لكل الظروف التاريخية والجغرافية والفكرية. وبما يضمن تحقيق المقاصد الشرعية الأساسية وبما يتناسب مع الثوابت والمسلمات الإسلامية الأساسية. وما لم يتصدى المجتهدون العلماء الأصلاء المؤهلون للقيام بهذه المهمة السامية الشاقة وذلك خشية أن يشملهم الحديث الضعيف ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) الذي رواه ابن عدي عن عبد الله بن جعفر مرسلا واتفق أئمة الحديث على ضعفه، وعندها سينبري ويتقدم لهذه المهام الخطيرة المستغربين من أدعياء العلم من مشايخ السلاطين والغارقين في التسيب والتساهل، مما يؤدي لكوارث محققة وبلبلة في أساسيات الفكر الإسلامي ، لذلك فإنني أرى أن إمكانية التجديد جيدة ومقبولة شرعا بحيث يكون الاجتهاد من أهله وفي محله، اعتمادا على مصادر التشريع الأساسية وهي: 1- القرآن الكريم مع مراعاة إعادة دراسة تفاسيره واختيار التفسير الإسلامي العلمي الذي يتناسب مع المسلمات الإسلامية والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة فقط. ويبتعد عن الإسرائيليات والشروح غير العلمية والمبنية على آراء المفسرين الشخصية والمذهبية الغير موثقة، 2- الأحاديث النبوية التي اتفق على صحتها عدد من كبار أئمة الحديث الثقاة وهي الأحاديث الواردة بكتاب صفوة الأحاديث النبوية الشريفة الذي شرفني الله بإعداده، وإعادة دراستها واستنباط الأحكام الفقهية منها...أما ما أخذ من آراء الفقهاء والأئمة الشخصية أو ما لم يبنى على البندين السابقين أو بني على أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو ما استنبطوه من أحكام نتيجة لاجتهاداتهم الشخصية سواء كانت قياسا أم استحسانا أم مصالح مرسلة أو حتى إجماعاً في زمانهم، أو غير ذلك من وسائل الفتوى فكلها قابلة للنقاش وللقبول والتعديل أو الرد. وبناء على ذلك كله لا بد من: 1- إعادة دراسة المذاهب الفقهية والاستفادة من كنوزها المعتمدِة على الثوابت الأساسية وبما يتناسب وحل المشكلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والصناعية والفكرية والإعلامية المعاصرة اعِتمادا على القرآن الكريم والأحاديث المتفق على صحتها. 2- وما لم نجده في هذه البنود الثلاثة السابقة يعود أمره للآية القرآنية ( وأمرهم شورى بينهم ) من منظور المصلحة العامة وتحقيق مقاصد الشريعة الأساسية والمسلمات الإسلامية ومراعاة مستجدات العصر وأحداثه. إننا وعلى ضوء هذه الأبحاث والدراسات سنجد أنفسنا أمام عدد من الحقائق المهمة التالية: أ- التأكيد على أن الدعوة للإسلام هي دعوة فكرية حضارية حوارية مبنية على الإقناع والحوار دون إلزام أو إكراه عملا بقوله تعالى (لا إكراه في الدين ) والحوار والنقاش بالتي هي أحسن عملا بقوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) هذا بالنسبة للدعوة والحوار والنقاش مع غير المسلمين، أما بالنسبة للحوار الداخلي الإسلامي الإسلامي، فإن كانت المجادلة بالتي هي أحسن وعدم الإكراه مطلوبة شرعا مع غير المسلمين فما بالك بالوضع بين الفرق والمذاهب الإسلامية، فهل من المقبول أن تكون بالصراع والشجار والتضليل والتكفير! . ب- التأكيد على أن الإسلام من أوائل التشريعات التي دعت للشورى والحريات العامة ولاحترام حقوق الإنسان عموماً والمرأة خصوصاً وبما يتناسب مع الحفاظ على الجماعة والفرد فإن تعارضت المصلحة الفردية مع مصلحة المجوع فضلت مصلحة الأمة على سواها، والأدلة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتقون ) وقوله ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) وقول الرسول الكريم ص (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم. .. إن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حق .. استوصوا بالنساء خيرا واتقوا الله في النساء.... إن أكرمكم عند الله أتقاكم ..لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.. )) ....وقول عمر بن الخطاب(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ج- أن الجهاد في الإسلام هو لرد الظلم ومحاربة المستعمرين المعتدين والغاصبين لأرضنا وحقوقنا (خصوصاً في هذا العصر عصر إمكانية التبليع والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بوسائل الإعلام الحديثة من فضائيات وغيرها) عملا بقوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) وقوله ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)، لا لتصدير الدين أو فرضه على الآخرين بالقوة المسلحة عملاً بقوله تعالى (لا إكراه في الدين) وقول الرسول الكريم ( من قتل دون ماله فهو شهيد أو دون دينه فهو شهيد أو دون دمه فهو شهيد أو دون أهله فهو شهيد) . د- لذلك كله ينبغي علينا التركيز على فقه التسامح والحوار الحضاري بين المذاهب والأديان والحضارات، وتبني الديمقراطية الحقيقية، كقراءة معاصرة أو خطة تنفيذية للشورى الإسلامية، هـ - التأكيد على أن الصراع الدولي الحالي هو صراع مصالح مادية واستعمارية لا صراع حضارات أو أديان كما يدعي بعض الجهلة أو الحاقدين. و- وأن الإسلام بريء من تهمة الإرهاب والتطرف براءة الذئب من دم يوسف، كما أنه لا يقبل الظلم ولا يقره عملا بقول النبي ص ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) وقوله( اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) والإسلام يدعو أتباعه لدفع الظلم والاستعباد عنهم بأي وسيلة شرعية كانت بما فيها القتال ،إلا أنه لا يقر قتل المدنيين الأبرياء والمسالمين لقوله ( لا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا شيخا أو امرأة أو وليدا) – يعني حتى أثناء الحروب - ما عدا من ساهم منهم في احتلال أرض أو اغتصاب البلاد وظلم العباد. ز- الدعوة للمزيد من التعاون والتضامن بين الدول والجماعات والأحزاب والهيئات العربية والإسلامية باعتماد الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل والمتنور للوقوف في وجه هذه الهجمة الإمبريالية الصهيونية التي تستهدف السيطرة على خيرات البلاد والعباد والأمة كلها. ويتأتى ذلك كله إذا التزمنا البنود التالية: 1ـ التأدب بأخلاق الإسلام وسيرة النبي المصطفى العدنان عند الاتفاق والخلاف 2ـ الحكمة في طرح المشكلات والأمور الخلافية طمعاً بأن يشملنا قوله تعالى ( يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) 3ـ الاحترام المتبادل عملا بقوله تعالى (وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) 4 ـ تشكيل لجان علمية من العلماء الوسطيين المعتدلين المتنورين من المذاهب المختلفة لدراسة ملفات الخلاف، ومحاولة الاتفاق على مرجعية معتمدة ثابتة ، للتقارب بين المذاهب ضمن دائرة المتغيرات ما أمكننا إلى ذلك سبيلاً، وشعارنا ( نتعاون فيما اتفقنا عليه ،ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ). إذ بإمكاننا أن نحول مواد الخلاف الفقهي إلى عناصر قوة إن وظفناها بالشكل الصحيح واستفدنا من الآراء الفقهية المختلفة لحل المشاكل المعاصرة وحتى القديمة منها، وقد تتحول الخلافات إلى عناصر تدميرية فتاكة ( لاسمح الله) للفكر والوجود الإسلامي ككل إن تحولت إلى تناحر وتكفير وتبني دعاوى الفرقة الناجية وأن الآخرون ضالون مضلون أو مرتدون مشركون وكافرون،لا شك أن المهمة شاقة وصعبة ولكننا لا نراها مستحيلة فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، إن نفذنا ذلك كله بأمانة واقتدار سنجد أننا سنتمكن من التقدم والمساهمة الفعالة في صنع الحضارة الإنسانية مستقبلا وإلا فسنبقى على هامش التاريخ الذي لا يرحم ولا يحترم إلا الأقوياء وفقنا الله جميعا لما فيه خير الإسلام والمسلمين والبشرية جمعاء إنه نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين .
نائب رئيس قسم الدراسات العليا والتخصصية/ رئيس قسم وأستاذ مواد الفكر الإسلامي والحوار الحضاري في الإسلام /رئيس مركز الدراسات العربية والإسلامية بمجمع الفتح الجامعي الإسلامي بدمشق
ابحث
أضف تعليقاً