wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الوسطية والحوار وصورة الإسلام في الغرب

الوسطية والحوار وصورة الإسلام في الغرب

على رمضان أبوزعكوك
مدير برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم

من خصائص الإسلام خاصّية الوسطية بما تعنيه من معنى النفاسة والعزّة، ومن معنى العدل الذي تكون به الشهادة على الناس، والاعتدال الذي يستجيب للفطرة الإنسانية. ولكنّ هذه الحقيقة التي بني عليها الإسلام في ذاته لا يبدو بها للناس بصفة تلقائية إلاّ لمن كانت له القدرة على فهمه من مصادره بصفة مباشرة. وأمّا بالنسبة لغيرهم فحقيقته تلك إنّما تظهر بما يكون عليه العارضون له والداعون إليه من إحسان في العرض ليصل إلى الناس وسطياً حقّاً، وبما يحسن المتلقّون له من الموضوعية والعدل في التلقّي ليحصل فهمه كذلك، وكثيراً ما يُعرض الإسلام في غفلة عن حقيقته هذه فيصل إلى المعروض عليهم مائلاً عن الوسط ذات اليمين أو ذات الشمال، ونحسب أنّ الصورة التي يحملها أهل الغرب اليوم عن الإسلام هي هذه الصورة المائلة عن الوسطية بسبب السوء في عرضه، كما بسبب السوء في تلقّيه أيضاً.  
ويعيش العالم اليوم متغيّرات كثيرة، أنتجت تحدّيات عديدة: اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة، وأخطرها التّحدّيات الفكريّة والثّقافيّة، التي أفرزت مجموعتين من النّاس:
الأولى: مجموعة تحاول بسط هيمنتها وقوّتها على كلّ ما يدبّ على البسيطة، عن طريق فرض فكرها وثقافتها على العالم؛ انطلاقاً من شعار عالمية الثّقافة ووحدة الثّقافة. فسنّت لذلك قوانين، وابتكرت أنظمة، واخترعت نظريّات، تعلي من شأنها وتحطّ من قيمة ما يمتلكه غيرها، وأجرت بحوثاً، وأخرجت دراسات لتقنع بها الآخرين أن لا فائدة لهم من التّحليق في غير سربها، أو السّير في غير طريقها، وتبنّي غير فكرها وآرائها.
الثانية: مجموعة نظرت إلى المجموعة الأولى بعين الإكبار والإعجاب، أو نظرة الرّهبة والخوف.  فكانت تستجيب لأوامرها، وتخضع لتوجيهاتها، وتحرص على تحقيق مصالحها، وتنفيذ مخطّطاتها، أو على الأقلّ عدم الوقوف في طريق مطامعها.(1)
وبعد زوال نظام ثنائي القطبيّة وبروز العولمة، تجدّد الحديث عن الحوار بين الحضارات، إمّا ليكون تكريساً للهيمنة والسّيطرة الأحادية على العالم بعد أفول نجم القطب المنافس، أو لتحدّي العولمة نفسها، وبالشّكل الذي يعزّز فرص التعاون بين الثّقافات المختلفة، ويبعد شبح الصّراع بين الحضارات.
وقد تعالت أصوات من هنا وهناك تنادي بالحوار، وتركز على التّعاون بين الشّعوب، وتحثّ على التّواصل الثّقافي. كلّ ذلك سعياً لإزالة مظاهر التّوتّر والصّدام، وإتاحة فرص التّقارب والتّآلف والتّجاور، ومدّ الجسور واحترام الهويات الثّقافيّة الخاصّة، وتقدير الحضارات المتنوّعة. والقرآن الكريم يؤكد على أهمية التعارف بين الشعوب في آية سورة الحجرات: {{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا... }} 
وهناك نقاط أود ذكرها قبل أن أتناول موضوع الوسطية والحوار بيننا وبين الغرب:
أولاً : شاء الله ألا يكون واحداً سواه، أما ما عداه فسمته التّعدّد والتّنوّع الثقافي، فالحياة أساسها التّنوّع والتّعدّد، كلّ من تحرّك في نشاطه وعمله على غير هذه القاعدة، عاكس الفطرة  فضلّ الطّريق وأخطأ المسيرة. فالله تبارك وتعالى يقول: {{ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين }}(سورة الرّوم، الآية: 22).
إنّ اختلاف الألسن يعني تعدّد اللغات، واختلاف الألوان يعني تعدّد الأجناس البشريّة. قال تعالى: {{... لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات...}}(سورة المائدة، الآية: 48).  وهذا يعني تعدّد الشّرائع والأديان، وإذا كانت الحضارة تنشأ من فكرة دينيّة، وإذا كانت الحضارة مجموعة الظّواهر والمعطيات المنبثقة عن أمّة ما أو تصوّر ما، فإنّ الإيمان بتعدّد الشّرائع والأديان يفضي إلى الإيمان بتعدّد الحضارات. "وإذا كان هذا الاختلاف والتّعدّد من آيات الله، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد يُعدّ ساعياً إلى طمس آيات الله في الوجود، بالشّكل الذي يهدّد الوجود الإنساني على سطح المعمورة، ممّا يدفع بنا إلى التّأكيد على ضرورة المحافظة على تنوّع الهويّة الثّقافيّة لكونه يُغني الحياة الإنسانيّة. واحترام هذا التنوع أصبح أمراً واجباً إذ {{لا إكراه في الدّين}}، وجميع الأجناس متساوية، وكلّ تراث مجتمعي يسهم في التّراث الإنساني."(2).
فالتّعدّدية الثّقافيّة مكسب كبير يجب على البشريّة أن تستثمرها في التّطوّر والتّقدّم والإثراء، " وهي أفضل ضمانة لقدرة الإنسان على إبداء أجوبة مناسبة للتّحدّيات المختلفة."(3)، وهي ضرورة عالميّة؛ لأنّها تسهم في نموّ الفكر والقيم والمفهومات الإنسانيّة المشتركة، وتساعد على إغناء الحضارة الإنسانيّة، باحتضانها لمختلف أنواع الإبداع والعطاء. 
ثانياً : بما أنّ الإنسان هو محور التّنمية والتّطوّر، وهو الذي صنع الحضارة ورهبانهم، والاشتراك مع الآخرين عبر الحقب والأزمان، فإنّ حوار الحضارات يجب أن ينظر إليه ضمن منظور النّسق الطّبيعي، الذي تقتضيه سنّة الكون وناموس الاجتماع الإنساني، إذ لم يسجّل لنا تاريخ الإنسان قاطبة أنّ حضارة واحدة استطاعت أن تتحكّم في العالم وحدها، وإنّما نجد باستمرار حالات الأقطاب الحضاريّة المتعدّدة، هي التي تتحكّم في شؤون العالم بأسره، حتى ولو وجدنا اليوم من يعمل على فرض نموذج واحد، وتقديم نظام موحّد، يجهد نفسه لفرضه على النّاس كلّهم. 
ثالثاً : إنّ الحوار تقليد ثقافيّ قديم، وهو أسلوب مارسته كلّ الحضارات، سواءً من حيث التّأثّر بغيرها أو التّأثير فيها، أم من حيث فتح النّقاش والمساءلة، وإجراء لقاءات وعقد مجالس، وتبادل وجهات النّظر في المسائل التي تتطلّب معرفة ما عند الأخر. ولعلّ أبلغ دليل على ذلك محاورة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لقساوسة نجران ورهبانهم، ومكاتبته المقوقس والنّجاشي وهرقل. وقد تابع المسلمون هذا الحوار بالمشافهة والكتابة، لا يكادون يفترون عنه إلاّ في فترات الصّدام المؤسف في فترات كان من أشدّها فترة الإبادة في الأندلس وفترة الحروب الصّليبيّة، ثم ّفترة الاستعمار الغربي. وفي العصر الحديث تجدّد الحوار بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى.(4)
رابعاً : سيطرة حضارة ما يؤدّي حتماً إلى إضعاف الحضارات الأخرى، من هنا يجب على كلّ حضارة أن لا تقبل بهيمنة أيّة حضارة عليها، وأن تكون حاضرة بمحاورتها للآخرين، وبالتّفاعل مع غيرها تأثيراً وتأثّراً، مع الوضع في عين الحسبان أنّ الحفاظ على الهويّة أمر مهمّ، وأنّ التّواصل لا يقلّ أهمّية أيضاً. 
خامساً : قد يتّخذ الحوار وسيلة لقضاء مصالح خاصّة، وقد يكون ذريعة لتمرير خطط ومشروعات؛ ومحاولة إلغاء الخصوصيّات والهويّات، وعلى المسلمين التّعامل مع الحوار والتّحرّك معه بخطط مدروسة، ومناهج واضحة، والسّير معه بأهداف مرسومة ومحدّدة. 
سادساً : إنّ الغرب الذي يحاول السّيطرة على العالم بكلّ ما يملك من قوّة لم يعد هو الغرب القديم، فالاتحاد الأوربي اليوم به أكثر من عشرين مليون مسلم، وذلك قبل انضمام تركيا له، التي إذا تمّ انضمامها ستجعل المسلمين حوالي خمس سكان أوروبا. وأمريكا التي تعمل على بسط نفوذها على العالم اقتصاديّا وتمهّد للهيمنة عليه ثقافيّاً، أصبح بها أكثر من ثمانية ملايين مسلم. 
والصورة النمطية المتداولة في الإعلام والثقافة العربية والإسلامية أن المستهدف الأوّل من الغرب هي الحضارة الإسلامية أو العالم الإسلامي بحاجة إلى مراجعة، فبعض مفكري الغرب عموماً والولايات المتّحدة الأمريكيّة خصوصاً يرون أنّ المسلمين يملكون من مقوّمات القوّة، ومن أسباب النّهوض ما يمكّنهم من منافسة الحضارة الغربيّة، بذلك فهم يمثّلون في نظرهم القوة التي يجب التصدي لها، ولهذا رأينا صدور كتب مثل صدام الحضارات لهانتنجتون، ونهاية التاريخ لفوكوياما، مع الدعوات التي بدأت تنتشر في وسائل الإعلام الأمريكية بعد أحداث سبتمبر المأساوية، التي تدعو إلى الحد من هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة بصفة خاصة وإلى الغرب بصفة عامة. هذا في نفس الوقت الذي نجد فيه قوى فكرية أخرى فهمت الإسلام وعرفت أنه ليس بالصورة السيئة التي تصوره بها هوليوود أو غيرها من وسائل الإعلام الأمريكية، ونجد العديد من الكتب التي تدافع عن الإسلام والمسلمين من أمثال كتابات جون أسبوزيتو وجون أنتيليس ولو كانتوري وغيرهم.  
هذه بعض الحقائق التي يجب ألاّ تغيب عنّا ونحن ندعو إلى الحوار مع الغرب ومع الحضارات الأخرى، أو نستجيب لدعوتها، أو نمارس هذا العمل، نعيها جيّدا حتّى لا نفوّت الفرصة على أنفسنا في الحوار لطرح مفاهيمنا وحضارتنا من أجل التفاهم والتّقارب بين بني البشر، ولا نفقد أنفسنا في خضم هذه الحركات الهائلة المصيريّة في علاقتنا مع الغير.  
إنّ ثقافة أيّة أمّة تتكوّن من الثوابت والمتغيّرات. والمتغيّرات أخطر ما يكون فيها باعتبار أنّها هي التي ترجّح كفّة استمراريّة تلك الثّقافة أو توازنها واضمحلالها أو اضطرابها، فإن أُحسن التّعامل مع هذه المتغيّرات بحكمة وعقلانية، وبنظرة شموليّة متّزنة واعية بالمحيط الذي يحيط بها، وواعية لمعنى الأصالة والمعاصرة، كانت النّتيجة – بإذن الله– مقبولة، وفي صالح تلك الثقافة، وإن كان العكس نالت عاقبة وخيمة، والحوار الذي يجرى بين الثّقافات يندرج في هذا السّياق. 
هناك تعريفات كثيرة للثّقافة، وقد عرّفها المفكر الجزائري مالك بن نبي بأنها:  "مجموعة من الصّفات الخُلقيّة والقيم الاجتماعيّة التي تؤثّر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه، فهي على هذا المحيط الذي يشكّل فيه الفرد طباعه وشخصيّته". وهذا التّعريف الشاّمل للثّقافة هو الذي يحدّد مفهومها، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معيّنة، والذي يتحرّك في نطاقه الإنسان المتحضّر. وبعبارة جامعة: هي كلّ ما يعطي الحضارة سمتها الخاصّة "(5)

الثقافـة الوسطيــة
إذا كانت الثّقافة هي التي تشكّل أفراد الأمّة الوسط، وهي الوسط والمحيط الذي يتحرّك فيهما أفراد تلك الثّقافة، وهي التي ترسم لهم القيم والخصائص التي ينشأون عليها، وهي التي توجد الانسجام والتّوافق والتّآلف الذي يجب أن يسود أفرادها الذين ينتمون إليها، وهي التي تعطي السّمات التي تميّز الأمّة. فإن العمل على المحافظة على هذه الثّقافة الأصيلة بتميّزها، المنسجمة مع المحيط الذي توجد فيه، والمتعاونة والمتقاربة مع الثّقافات التي تحتكّ بها، يعدّ مطلباً أساسيّاً. وهو ما يوفّره الحوار مع الغير إذا سار في الطّريق السّليم، ولم  يبتعد عن المبادئ، ولم يخطئ السّبيل إلى الأهداف المرسومة المنسجمة مع حقيقة الثّقافة كما أشار إليه مالك بن نبي. 
إنّ الإسلام هو دين الحوار والاعتراف بالأخر، والإسلام يدفع بأتباعه إلى تطوير القواسم المشتركة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وإيجاد السّبل الكفيلة بتحقيق ذلك بما يساعد على العيش بسلام وأمن وطمأنينة، ويبتعد بالإنسان على أن يحيا حياة الإبعاد والإقصاء ونكران الأخر. لهذا دعا إلى الحوار والدّعوة بالتي هي أحسن، وإتباع الأساليب الحسنة، والطّرق السليمة في مخاطبة الأخر. قال تعالى {{ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }}(سورة النّحل، الآية: 125).
هذه الآية تُشير إلى حُسن المخاطبة، وحُسن الحوار لكي نتعارف ونتقارب، ولكن من دون أن نتنازل عن الدّعوة إلى سبيل الله، أي لا تنازل عن مبادئ الإسلام، فالآية تدعو إلى مخاطبة الأخر بالحسنى لكي يعرف ما عند المسلمين، لا أن يحاوره كي يتنازل له عن مبادئه. وقال أيضاً: {{ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون }}( سورة العنكبوت، الآية: 46).
فالحوار ممكن لأنّ هناك قواسم مشتركة، وهناك مجال للتّفاهم والتّقارب، وهي الإيمان بما أنزل على المسلمين وعلى غيرهم، فالمصدر واحد وهو الله، والأصل واحد وهو الإسلام. والقيم الأصلية واحدة لأن مصدرها الوحي،  فليتعارفوا وليعرفوا بعضهم وليعترفوا بما عندهم جميعاً، ومن ثمّ فليتقاربوا وليتعاونوا على ما هو صالح لهم جميعاً. فالقرآن يعطينا أسلوب بدء اللّقاء والحوار، وكيف نستغلّ نقط التّلاقي بين المتحاورين، فيبيّن الأصول التي يمكن الاتّفاق عليها ويركّز على ذلك فيقول: {{ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون }}(سورة آل عمران، الآية:64). ثمّ يبيّن الإسلام نوع العلاقة التي يجب أن تسود المسلمين وغيرهم، إنّها علاقة التّعاون والإحسان والبرّ والعدل. فهذا هو الحوار الحضاري والعلاقة السلّميّة {{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين }}(سورة الممتحنة، الآية:8).
الإسلام يقرّ الحوار ويدعو إليه، ولكنه يؤكّد على الثبات في المبادئ وعدم التّنازل عن الهويّة.ومن الشّروط التي يجب توفّرها لإجراء حوار هادف مثمر بنّاء: 
1- أن يحترم الحوار السّيادة والخصوصيّات الثّقافيّة، والابتعاد عن التّسلّط وإلغاء الأخر. 
2– أن يتبنّى قاعدة ( المعرفة والتّعارف والاعتراف ) ينطلق منها في سبيل التّقارب. المعرفة أي معرفة ما عند الأخر معرفة جيّدة ؛ لأنّ الحكم على الشّيء فرع عن تصوّره، والتّعارف الذي يزيل أسباب الخلافات، ويبعد مظاهر الصّراعات. والاعتراف الذي يثمّن ما عند الأخر، ويقدّر ما يملكه. وهو ما يعين على التّقارب والتّعاون. 
ولنجاح الحوار مع الأخر لا بدّ لنا من أن نؤكد على تصحيح صورة الإسلام في الغرب بتقديم مفاهيم الإسلام، أو ما يمكن أن نطلق عليه "وسطية الإسلام": ويمكننا أن نعالج صورة الإسلام في الغرب من عدة وجوه أهمها:

أولاً : صورة الإسلام في الغرب
• واقع صورة الإسلام في الغرب وعلاقة تلك الصورة بالوسطية.
• سوء العرض من قِبل المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام.

أ- عرض المتطرّفين قولاً وعملاً. ( الإقصائيين) 
الطرح المتطرّف في محتواه (الإفراط): وهو خطاب أصحاب الغلو في الفقه والتدين من الذين يفرضون فهمهم المتشدد لنصوص الدين على غيرهم. الذين ينسون توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيغال في هذا الدين برفق، وأن هذا الدين السمح قد جاء ليعطي البشرية الخيار في اعتناقه أو عدم اعتناقه، وأن الله تعالى جعله الدين الخاتم، وأوجد فيه خاصية الصلاحية لكل زمان ومكان. وأن أمر قبول هذا الدين واعتناقه أمر بين المرء وربه، ولقد أبلغ الحبيب المصطفي بأنه ليس عليه إلا البلاغ أما الهداية فمردها إلى الله وحده. فنجد لدى هؤلاء القوم غلبة مقولات (غريبة) مثل ادعائهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو نبي الملحمة بدلاً من نبي الرحمة، والدعوة إلى عدم التعامل بالحسنى مع أهل الكتاب، والدعوة إلى مشروعية غشهم ونشر روح العداء لهم، في الوقت الذي يعيش فيه هؤلاء وسطهم، أو هم يعيشون وسط المسلمين.
ب- عرض المتميّعين المتأوّلين قولاً وعملاً. (المتسيبين)  
وهو الطرح المتميّع للإسلام، بإهدار حقائقه بالتأويل (التفريط). ونجد الكثير من هؤلاء من الذين قلت بضاعتهم من العلم يتساهلون في أمور دينهم، وهم ينادون بالذوبان في المجتمعات الغربية وتقبل تقليدها، بل وطباعها ويحاولون أن يحجموا دور الدين في حياتهم، وهؤلاء لا يرتبطون بالإسلام إلا ارتباطاً اسمياً.   
 ج- الطرح الوسطي للإسلام. (الذي يقوم على قاعدة لا إفراط ولا تفريط) 
والذي يبتعد عن الغلو في التصور والغلو في السلوك، والذي يدعو أتباعه إلى أن الله تعالى زيَّن الإنسان بالعقل الذي جعله أداة الإنسان في فهم نصوص الوحي، فاجتمع بهذه الوسطية الوحي والعقل. هذا الخطاب الوسطي هو الذي ينادي بالاجتهاد والتجديد في إنزال نصوص الوحي على وقائع عالمنا المعاصر، والبحث لها عن حلول في ضوء فهم ثقافات الشعوب وتطورات الحضارة البشرية، (فالإسلام لديهم مثل النهر الصافي إذا ما مرّ على أرض تلوّن بلونها دون أن يفقد صفاءه).
وهذا الفهم هو الذي حافظ به المسلمون على ثقافات الشعوب التي اعتنقت الإسلام، وأثْرت الحضارة الإنسانية بهذه الثقافات المتنوعة. والإسلام الوسطي هو الذي يقبل بالتعدد في آراء الناس، وقاعدتهم في ذلك بأن رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب. وهو الذي لا يدّعي عصمة لفرد في اجتهاده، ويُخضع الأمور فيه للشورى والاحتكام لرأي الأغلبية عند الاختلاف في الرأي. مع الاعتراف بأن هناك قصور وتقصير لدى المسلمين في عرض الإسلام الوسطي، إلا أننا لا بدّ لنا من أن نُبيّن أن هناك أسباباً تؤدي إلى سوء التلقّي من قِبل أهل الغرب:
فالمصدات والعوائق التي توضع في طريق وضوح رسالة الإسلام متعددة، بعضها يعود إلى انعدام المنهجية عند الغربيين في أخذ مفاهيم الإسلام من غير مصادره. وبعضها يعود إلى انعدام الموضوعية في أخذ مفاهيم الإسلام من "الدعاية" الإعلامية.

ثانياً : التصحيح الوسطي لصورة الإسلام بالغرب
( الأخذ بأسباب الحوار الحضاري)
من واجب المسلمين وخاصّة الذين يهتمون بنجاح الحوار مع الآخرين أن يعملوا بجدّ على تصحيح صورة الإسلام عند أهل الغرب في صورتها الوسطية، ويتطلب ذلك العديد من الجهود البشرية الفكرية والمادية، ولا يتسع المقام هنا إلا لبعض هذه النقاط:
1- دراسة المجتمعات الغربية، ودراسة أسباب قوتها وقصورها.  
ودراسة ثقافة أهل الغرب والمداخل إلى عقولهم، ودراسة قضاياهم ومشاكلهم الروحية والاجتماعية. ففي الوقت الذي نجد فيه الجامعات ومراكز البحوث في الغرب تدرس وباهتمام المجتمعات المسلمة والدين الإسلامي وثقافة ولغات الشعوب المسلمة لا نجد إلا اليسير من الاهتمام بدراسة المجتمعات الغربية، وكيف تطورت؟ وما هي أسباب نجاحاتها وفشلها؟ وكيف ارتقى فيها الاهتمام بالإنسان وحرياته؟ وما هي الضوابط العملية لحماية الإنسان من تغول أجهزة الدولة؟ والبحث عن المشترك الإنساني في ما حققته المجتمعات الغربية من تقدم في آليات الفصل بين السلطات ومسؤولية الحُكام أمام شعوبهم، والتداول السلمي للسلطة، وطريقة اتخاذ القرارات عن طريق الاقتراع السري، والشفافية، ومراقبة المسؤولين فيها، ودور وسائل الإعلام في ذلك.  
2- تقديم الإسلام نظرياً بخطاب يأخذ في حسبانه طبيعة أهل الغرب بحسب وعقليتهم وأنماطهم الثقافية.
فالحوار الذي لا يقوم على منهج سليم، وعلى قاعدة دقيقة من المعلومات والحقائق لا يمكن أن ينجح، والحوار الذي يأخذ بهذه الأسباب يحقق متطلبات الدعوة المعاصرة. مع العلم أن أنماط الحوار المتعارف عليها هي اللقاءات المباشرة الثنائية أو الثلاثية، إلا أنني في هذا المقام سأتناول بعض النماذج من أنواع الحوار غير المباشر.    
فلو نظرنا إلى التجارب التي حققت بعض النجاحات في مجال نشر الكتاب الإسلامي باللغات المعاصرة وعلى وجه الخصوص اللغة الإنجليزية، لوجدنا أن المسلمين من أصحاب الخط الوسطي في الولايات المتحدة استطاعوا إنشاء بعض دور النشر لتقديم الكتاب الإسلامي الحسن الصياغة والصناعة والإخراج بما يماثل الكتب الغربية الأخرى.
ومن أهم هذه النماذج منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ودار الثقة الأمريكية للنشر، ومؤسسة أمانة للنشر، ومنشورات قاضي وغيرها. ولكننا عندما ننظر إلى المجلات الإسلامية باللغة الإنجليزية فسنجد أن العديد من المجلات ظهرت ثمّ اختفت ولم يبق منها في الغرب إلا القليل، تصارع من أجل البقاء منها مجلة " إمباكت إنترناشيونال " التي يشرف على تحريرها الأستاذ هاشر فاروقي أمد الله في عمره وعمر المجلة. 
3- تقديم الإسلام سلوكياً بما يكون من شأنه أن يجد فيه أهل الغرب أنموذجاً يقتدى عندما يحاور الإنسان أقرانه هناك، سواء في الأمانة والجدية والصدق والاهتمام بالأسرة والأطفال ورعاية المسنين، والابتعاد عن الموبقات الاجتماعية المهلكة وغيرها، بما يقدم للآخرين صوراً عملية على كيف يتعامل المسلمون بنجاح مع هذه المشكلات المتجذرة في المجتمعات التي يعيشون فيها. 
4- التوسّل في عرض الخطاب الوسطي الإسلامي بالوسائل المؤثّرة في أهل الغرب إعلامية وغيرها.   
فكون الإسلام دعوة لكل الناس وكونه صالحاً لكل زمان ومكان، يجعلنا ملزمين بإتقان علوم الاتصال البشري وفنونه، ولا يكون ذلك إلا بإتقان فنون الإعلام المعاصرة المطبوعة منها والمرئية والمسموعة من الكتاب إلى المجلة والصحيفة، ومن القصة والرواية والشعر والموسيقى، ومن المسرح والسينما والإنترنت. والعمل على تقديم القيم الإسلامية بالوسائل الفنية المعاصرة بما في ذلك إعداد المسلسلات التليفزيونية والأفلام السينمائية المعاصرة وليس فقط التاريخية التي تجعل الإسلام مرتبط فقط بالتاريخ. وإنتاج الغناء العفيف للخروج من هجمة الإسفاف المهيمنة على وسائلنا وفضائياتنا، ولنا مثال في بعض نماذج فن الغناء السوداني الذي خرج من المجال التقليدي المعروف الذي يربط الغناء بالتواشيح والمدائح فقط.
وفي المجال السينمائي لنا مثال جيد في إمكانية تحقيق ذلك في نموذج السينما التركية هو فيلم "محمد الفاتح"، ولا ننس في هذا المقام تجربة المخرج القدير مصطفي العقاد الذي قدم للسينما العالمية فيلم "الرسالة"، وفيلم "عمر المختار" والتي لا زالت تعتبر من أحسن الأفلام السينمائية التي استطاعت مخاطبة الجميع بلغة الفن السابع.
وأختم بالقول أن تقديم الأعمال الدرامية سيتيح لنا الفرصة لتقديم الإنسان المسلم وهو يصارع الحياة مثل غيره من بني الإنسان، فيحقق في صراعه النجاح ويصاب كذلك بالفشل. وبالإمكان تقديم قضايا المسلمين العادلة في نماذج إنسانية تخاطب الإنسان الغربي وغيره بلغة فنية راقية، يمكنها تحقيق نتائج أفضل في سبيل بحثنا عن أنصار لقضايانا وفي سبيل تحييد آخرين وتعريفهم بمظلومية بعض شعوب الأمة المسلمة.

والله من وراء القصد.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.