
زاد الحنين إلى القدس وعلا أنينها مع وقع الظلم الرازح وسط ركام الزحف الهمجي الاستيطاني ، حتى ليخيل لك وأنت تراها وسط المستعمرات التي أحكمت شرها وانتشرت حولها أن عودتها مستحيلة وألف مستحيلة من خلال سراب الوعود أو تنازل يهود ، وإنما ستكون بإذن الله بسواعد رجال تربوا في مدرسة صلاح الدين عشقوا دينهم ومضوا يرددون:
يا صلاح الدين قم وانظر إلى
حالةْ فـي القدس تستـذري العـيون
أُبـدل العـز الـذي تعرفـه
ذلة وأسفـاً واستأسد المستضعفـون
ويعلو منهم النداء:
قم صلاح الدين جدد عهدنا
فالصليبيون عادوا من جديد
ومهما احتفل العرب والمسلمون بالقدس ، وقد اختاروها في الخيال وهي حاضرة في الوجدان عاصمة للثقافة العربية ، فستبقى باسمها الطاهر ومكانتها تؤرخ وتسجل للأمة مراحل النصر والعزة ، أو أزمان الضعف والهزيمة ، فإذا عزت مآذنها عزت الأمة ، وكانت ناهضة متألقة ، وفاضت منها معاني الفرح والبشر على أبناء الأمة جمعاء ، وإذا انكسرت وبكت كانت الحال غير الحال ، وكان الرجال غير الرجال.
ولأن تحرير الأرض وتحرير القدس عناوين لعزة الأمة ، فقد استوقفني الشاعر فؤاد الخطيب وهو يتلفت راجياً عون الأمة وغوثها:
أجامعـةّ وما للقـدس فيهـا
سـوى الذيل المعلق بالبـنود
وما معنى العروبة في حماها
وفي قلب الحمى وطن اليهود
إن تحرير القدس يبدأ بتحرير ذواتنا ، وتحرير أنفسنا وأسرنا بالإسلام لا تحريرنا من الإسلام ، خاصة حين استكملت الهجمة على الأمة حلقاتها بعد أن نجحت في حلقتها الأولى باحتلال ديار المسلمين ثم بتفكيكهم وتقسيم ديارهم أقاليم ودولاً ، وفككت الخلية السياسية للأمة وهي الدولة القطرية للمسلمين التي رفض فيها السلطان عبد الحميد رحمه الله ، طلب هرتزل ، وعندما قال له إن فلسطين ليست ملكاً لي إنها ملك للمسلمين ، أقول بعد هذا؟؟.
إن هذه القوى الخفية تعمل اليوم وبكل جد لتفكيك الخلية الاجتماعية وهي الأسرة التي تعد مدرسة الإنتاج الإسلامي التربوي للأمة كلها ، بوصفها أداة حفظ النسل والعرض.
فالأعداء عازمون اليوم تفكيكَ الأسرة المسلمة عن طريق مزيد من التغييرات على البنى الاجتماعية والثقافية والتشريعية عبر التسلل إلى ساحات الأمة وأفنيتها بالحديث عن تحرير المرأة ، وإحداث الفتنة الأسرية الكبرى ، باسم اتفاقية سيداو وبكين وغيرهما بعد حملات نابليون ومونتغمري وشارون وشوارسكوف.
إن حملاتهم السابقة قد نجحت في سلب مقدراتنا وتهجير صناعة قرارنا نحو الخارج ، وها هم أولاء يعملون جهدهم الآن للإجهاز على نسيج الأسرة المسلمة وتعطيل وظيفتها في إنتاج الأجيال المؤمنة بدينها والمخلصة لوطنها ، وبمظلة المواثيق والاتفاقيات الدولية ، يريدون إلغاء تراث البشرية الحضاري عبر آلاف السنين ، وهم بذلك عازمون صبغَنا بالنموذج الأسري الغربي البديل من نموذجنا الأسري الإسلامي ، حتى يعمموا علينا ثقافة الانحلال والاستهلاك وعبادة الشهوة لتعطيل آلية البناء القيمي والروحي لشباب الأمة.
ولـمَّا كانت الفردية تشكل المبدأ الفلسفي الناظم للبناء الاجتماعي الغربي والأساس واللبنة في ذلك المجتمع الذي انتج الأسر اللانمطية المكونة من رجلين أو امرأتين ، فالفرد وليس الأسرة هو الأساس.
وفي ذلك تغيير لسنن الله في خلقه التي قامت على مبدأ الزوجية في كل شيء من الذرة إلى المجرة ، (وَمًنْ كُلًّ شَيْءْ خَلَقْنَا زَوْجَيْنً لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:49) ، (سُبْحَانَ الَّذًي خَلَقَ الازْوَاجَ كُلَّهَا مًمَّا تُنْبًتُ الارْضُ وَمًنْ أَنْفُسًهًمْ وَمًمَّا لا يَعْلَمُونَ) (يس:36).
إن الأسرة في الغرب تسير نحو الدمار المعنوي والمادي. لأنها تجاوزت سنن الله ، وتعدت على مبدأ الزوجية (رجل يعايش رجلاً وامرأة تعايش امرأة) ، إن هذا يشكل عدواناً على قوانين الله وسننه الحاكمة للكون وتستوجب عقاب الله سبحانه وتعالى كما عوقب قوم لوط عندما صُدع الكون كله في الصدع الكوني الشهير المعروف الذي ضرب الكرة الأرضية من العقبة إلى الشام وأنزل مدنهم سدوم وعمورة إلى أخفض نقطة على وجه الأرض ، لأنهم انحدروا إلى أسفل ما يمكن أن تنحدر إليه البشرية على الإطلاق.
إننا نحذر من خطورة استيراد منظومة القيم الغربية وتطبيقها في ديار المسلمين. لأن هذه المنظومة لا تصلح لنا بل تصادم موروثنا الثقافي وتقتحم خصوصياتنا الدينية والثقافية والاجتماعية ، وإذا كان واقع المرأة يعاني ، فالأمة كلها تعاني والحل النهضوي يكون بتجديد الخطاب النسوي وتخليصه من التقاليد الجامدة التي ليست من الدين في شيء ، وبعيداً به عن محاكاة النموذج الغربي المتهالك ، لذا فإن المطلوب منا تحرير واقعنا من الثقافة الراكدة والثقافة الوافدة باستقلالية إصلاحنا بأجندتنا الداخلية الذاتية ويكون ذلك بأن نحرر الأسرة بالإسلام لا أن نحررها من الإسلام.
إن دوام الأسرة المسلمة يقلق أعداء الأمة ، ويساعد على معالجة العقم والعطب والجرح والتغلب على الفوضى والفتن التي اجتاحت العالم الإسلامي ، واستمرار الدّور الحيوي لأمة الإسلام هو الضامن بإذن الله تعالى لنماء البشرية وبقائها ورخائها وهو الحافز لها للنصر وتحرير المقدسات ، وأما انتصار النموذج الغربيّ للاسره فمؤذن بدمار الكون وانهياره. قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فًي الزَّبُورً مًنْ بَعْدً الذًّكْرً أَنَّ الْأَرْضَ يَرًثُهَا عًبَادًيَ الصَّالًحُونَ ) (الأنبياء:105). وبهذا يمكن لنا أن نحرر أوطاننا ونحرر مقدساتنا من رجس الصهاينة بعد أن نحرر أنفسنا ونبني مجتمعاتنا بالإيمان وعقيدة الإسلام.
02-06-2009
منقول عن جريدة الدستور
ابحث
أضف تعليقاً