
العاملون تحت عنوان الوسطية الإسلامية بين هدف التغيير والعلاقة بالسلطات
ليست الوسطية اتجاه تنظيميا
أكثر من خطاب للوسطية الإسلامية!
الوسطية هي النهج الإسلامي المتكامل
سياسة الوسطية الإسلامية
رغم شيوع وصف النهج الوسطي الإسلامي بأنّه "اتجاه من الاتجاهات الإسلامية"، وعقد المقارنات تبعا لذلك، فليس هذا الوصف صحيحا قطعا، ما دام ينصرف إلى القول بالوسطية وكأنّها "جماعة" من بين جماعات متعدّدة متجاورة، تنتسب إلى التصنيف الحركي والتنظيمي، داخل نطاق "جماعة المسلمين" التي يشملها الانتساب إلى الإسلام نفسه. إنّما تنتسب الوسطية إلى الإسلام نفسه، لأنّها تعبير عن "صفة" ملازمة له كما أنزل، وللأمة الإسلامية عموما كما يريدها القرآن الكريم، ومن هذا المنطلق يمكن أن تنعكس هذه الصفة الأساسية المحورية بدرجات متفاوتة في مختلف الاتجاهات والأنشطة والتنظيمات، التي تتعدّد ميادين "تخصّصها"، أو لا تنعكس أصلا، فتقترب بدرجات متفاوتة من الأخذ بوسطية الإسلام الثابتة فيه أو تنأى بنفسها عن ذلك.
ليست الوسطية اتجاه تنظيميا
إنّ انتشار الحديث باسم الوسطية والحديث عنها، في المرحلة التاريخية الراهنة، يعني الرصد الفعلي لانتشار ظاهرة وليس لوجود اتجاه.. وهي ظاهرة ارتفاع مستوى الوعي عموما في "الصحوة الإسلامية" بمختلف تجلّياتها، بمعنى الازدياد النسبي للتمسّك بوسطية الإسلام، تعبّدا وفكرا وسلوكا وعملا وأهدافا وتنظيما وأخلاقا.. فلا يمكن حصر الظاهرة في أحد هذه الميادين أو بعضها فقط، ولأنّ وسطية الإسلام صفة ملازمة له كما أنزل في كل ميدان، فالظاهرة المعنية هي ظاهرة ازدياد الارتباط به على كل صعيد، وإن تفاوتت الدرجات ما بين الانقياد والتطبيق والاسترشاد والدعوة، وفي سائر الأحوال لا تقف "الظاهرة" عند حدود "تنظيمية" ما.
لا يكمن العنصر الحاسم الفاصل ما بين صفتي "وسطي" و"غير وسطي" في ممارسة عمل حركي أو عدم ممارسته لِنَنْسب الوسطية إلى خارطة الاتجاهات الحركية الإسلامية في ساحة الواقع المعاصر. إنما يتبيّن ذلك العنصر الحاسم الفاصل بأسلوب المقارنة مع نقيضيه، وهما (1) الغلوّ (والتنطّع.. والتشدّد.. والإفراط.. وما يماثل ذلك أو يرادفه) و(2) التسييب (والتفريط.. والتمييع.. والتزييف.. والإنكار.. وما يماثل ذلك أو يرادفه).
ويعبّر كل من هذين الحدّين الفاصلين غلوّا أو تسييبا عن الابتعاد عن الإسلام نفسه، وليس عن "اتجاه" إسلامي فحسب، ويعبّران تبعا لذلك عن الابتعاد عن "وسطية" الإسلام، لأنها من صميم مكوّناته العضوية الأساسية، وليست مجرّد اتجاه من الاتجاهات التنظيمية أو تيار من التيارات "التنظيرية" داخل نطاقه.
هذا المنطلق الصادر عن الوحي الربّاني (وهو المقابل لِما يوصف بالمنطلق النظري أو الفلسفي أو الفكري في تعليل اتجاهات ومناهج وضعية) هو ما ينبغي أن ينعكس بمجموعه، على مجموع ما تقول به "الوسطية" تنظيرا وممارسة، بصدد التعامل مع واقع "الأمة" بمجموعها، وكيف ينبغي أن يكون، ليس في نطاق شعار أو هدف لعمل أو تنظيم أو اتجاه أو تيار، بل في نطاق أنّ "الأمّة" بمجموعها هي المقصودة بصفة الوسطية تجسيدا وتطبيقا، وفق النص القرآني الكريم، فهي "الأمّة الوسط" التي يمكن أن تتوافر فيها مواصفات الوسطية الإسلامية، وليس المقصود في التعبير القرآني طائفة من الأمّة أو فريقا أو جماعةً أو حزبا أو اتجاها.
لا يمكن حصر الارتباط بالإسلام، وبالتالي لا يمكن حصر صفة الوسطية الملازمة له في عنوان "اتجاه" ما، وإن ظهرت فوارق ما من صنع تفاوت درجات الالتزام على الصعيد التطبيقي، فأوجدت قدرا كبيرا أو صغيرا من درجات تجسيد المواصفات المقرّرة في الإسلام للأمة الإسلامية الوسط.
وليس في تأكيد ملازمة الوسطية للإسلام والأمة بصورة شمولية كما سبق، ما ينفي ابتداءً أو يعيب انتقاداً أو ينتقص شيئا، من وجود اتجاهات ومسمّيات اجتهادية متعدّدة، داخل نطاق "العمل للإسلام"، ما بين حدّي الغلوّ والتسييب، المقرّرين من جانب الإسلام الوسطي أصلا، وليس من جانب "اتجاه" وسطيّ.
إن الاتجاه في العمل للإسلام -سواء سمّي حركة أو جماعة أو حزبا أو فكرا أو سوى ذلك- يعبّر عن "تركيز" دعاته على أسلوبٍ في العمل، يختلف بصيغةٍ ما عن تركيز دعاة اتجاه آخر على أسلوب عمل آخر، كما يمكن أن يعبّر ذلك التركيز عن بعض جوانب الإسلام، أكثر من جوانب أخرى، ممّا لا غبار عليه، ما دام لا يقترن بإنكار وجودها، فمن شأن هذا الإنكار الانزلاق معه إلى تناقضٍ مع شمولية الإسلام كما أنزل.. وما دام لا يقترن بإنكار حق الآخرين في التركيز على جوانب أخرى، فمن شأن إنكار من هذا القبيل اصطناع خلاف وجدال وأزمات دون أساس قويم.
وتسري على جميع الاتجاهات العاملة بهذا المعنى، قابلية أن يكون مضمون ما يلتزم به كل منها مضمونا إسلاميا وسطيا، وإن تفاوتت نسبة انعكاس ذلك في الخطاب المعبّر عن الاتجاه قولا وممارسة، وهو تفاوتٌ يتبيّن بالرجوع إلى معايير الإسلام نفسه، وبالتالي مواصفات النهج الوسطي الملازم له، بدءا بالعبادات والمعاملات، انتهاء بمختلف جوانب الحياة الأخرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
بتعبير موجز:
يمكن أن يكون اتجاه حركي مغاليا أو مسيّبا فيتناقض بذلك مع الإسلام بدرجة موازية لدرجة الغلوّ أو التسييب، ويمكن أن يكون وسطيا داخل نطاق الإسلام، إنّما لا يمكن أن تكون "صفة الوسطية" مجرّد اتجاه حركي من بين اتجاهات متعدّدة.
هذا ما ينبغي -على الأقلّ- أن يكون، وليس هذا ما ينطبق على الواقع القائم حاليا بالضرورة، ولكن لا يعود ذلك إلى ما يمكن تصنيفه تحت عنوان اجتهادات في العمل، تزعم لنفسها أن تشدّدها في ميدان من الميادين أو تسييبها فيه، هو ما يمثل "الإسلام الوسطي" فالإسلام هو الإسلام، والإسلام كلّه وسطي، والأمة الملتزمة بالإسلام كما أنزله الله هي الأمّة الوسط، وفي هذا الإطار يسري أنّ ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
أكثر من خطاب وسطي إسلامي
لا يعود انتشار الانطباع، أو نشره، بأنّ الوسطية "اتجاه" من بين اتجاهات عديدة، إلى منطلقات مبدئية مستمدّة من الإسلام، بل إلى ظروف تاريخية قريبة، تنامت في إطارها الاستجابة للدعوة إلى الإسلام بنهجه الوسطي الثابت، ويمكن هنا تمييز ثلاث صور أساسية لِما أصبح يحمل عناوين الوسطية فعلا أو بدرجة نسبية فحسب أو شكلية محضة:
1- الدعوة الأصيلة للإسلام الوسطي ابتداءً.. وهي الدعوة القديمة المتجدّدة، حرصا على تلك الوسطية في الإسلام كما أنزل.
2- الدعوات "الوسطية" المتأثرة بردود الأفعال على مظاهر الابتعاد عن وسطية الإسلام، تشدّدا وتسييبا.
3- الدعوات التي تحمل عنوان "الوسطية" أيضا، إنّما يغلب عليها التأثّر بأغراض سياسية من جانب السلطات، تسعى لتوظيف وسطية الإسلام، وليس إلى الالتزام بها.
ونعايش تنامي هذه الصيغ الثلاثة بصورة متوازية، إنما لدوافع وأسباب متباينة.
الدعوات الأصيلة إلى وسطية الإسلام، صدرت وتصدر ابتداء عن الرؤية الإسلامية للإسلام، سواء في حقبةٍ شهدتْ تغييبه عن كثير من ميادين الحياة والحكم بمختلف وسائل الإكراه والتضليل، أو في حقبة إخفاق ما بُذلت جهودٌ كبرى لزرعه من اتجاهاتٍ غريبةٍ عن الإسلام وأهله في الدائرة الحضارية الإسلامية، وفي تلك الحقبة لعبت وسائل الإكراه والتضليل دورها في التضييق على الدعوة الوسطية الإسلامية، وعدم انتشارها على نطاق واسع بما فيه الكفاية، ثم لعب إخفاق الاتجاهات التغريبية لاحقا دوره -إلى جانب عوامل أخرى كثورة الاتصالات- في عودة بعض الأمور إلى طبيعتها من حيث التواصل مع عامّة المسلمين، فكان تقبّل هذه الدعوة الأصيلة هو الأساس لانتشار الأخذ بالإسلام الوسطي كما أنزله الله على الأصعدة الجماهيرية، والفكرية والإعلامية، انتشارا أوسع نطاقا ممّا مضى.
أمّا الدعوات الوسطية المتأثرة بردود الأفعال فلا تختلف من حيث نتائجها -رغم اختلاف أسباب انتشارها- اختلافا كبيرا عن الدعوات الأصيلة لوسطية الإسلام، بل تذوب الفوارق الأولية -كالمبالغة في الخطاب قولا وممارسة تحت مفعول ردّ الفعل- من خلال تلاقي تلك النتائج مع بعضها بعضا على أرضية مشتركة، مرتبطة بالإسلام الوسطي نفسه كما أنزله الله تعالى.
إنّ الإشكالية الأكبر هي إشكالية الدعوات المتأثرة بأغراض سياسية، أي إشكاليّة العلاقات الوليدة عن ذلك ما بين دعاة الوسطية والسلطة، وهنا تبدو معالم أساسية، أهمّها بإيجاز شديد:
1- فقدت الاتجاهات السياسية (في الحكم أو خارج نطاقه) لا سيما الاستبدادية استبدادا كبيرا، والمرتبطة بالغرب والشرق قديما، وبالغرب وحده حديثا، قسطا كبيرا من قدراتها -سابقا- على كسب "ولاء الجماهير" تضليلا، أو على ضبط "تبعية الجماهير" قمعا وإكراها..
2- لا يزال كثيرٌ ممّا صنعتْه تلك الاتجاهات -وما تزال تصنعه- قائما على صعيد ترسيخ حدّ "التسييب" في واقع المسلمين، حياةً وحكما، طرحاً وتطبيقا..
3- بالمقابل: ساهم تغييبها هي للإسلام بنهجه الوسطي، في بروز اتجاهات مغالية متشدّدة، "باسم الإسلام"، وقد تحرّكت وتنامت تبعا لقاعدة "ملء الفراغ"..
4- الحصيلة المعاصرة هي ظهور رغبة السلطات في التمكين من ظهور "تيّار" إسلامي وسطي، ولكن في حدود "توظيفه" أداة لمواجهة تشدّد المتشدّدين وغلوّهم، وتأثيرهم على الجماهير من عامة المسلمين.. إنّما لا يصل ذلك إلى مواجهة ما صنعه "التسييب" -كما ينبغي- بقدر مواجهة ما صنعه "الغلوّ".
5- رغم ذلك.. وجد كثيرٌ من أصحاب الاتجاهات الإسلامية القويمة متنفّسا، أو "ساحة" جديدةً تؤمّن درجة أعلى من الحرية، أو تؤمّن قدراً ما من الحرية للعمل الإسلامي، بعد أن كانت قيود الملاحقة والحصار شديدة الوطأة عليهم..
6- انبثقت عن ذلك اجتهادات الجمع بين المصلحة الإسلامية المشروعة لهؤلاء في ممارسة العمل الإسلامي، ومصلحة السلطة في تمكينه من الدعوة الوسطية في مواجهة التشدّد والغلوّ، فنشطوا في هذا الإطار.. ربّما على أمل حدوث تطوّر لاحق، أو بحجّة أن "الواقعية" تفرض هذه "المرحلية" في أسلوب العمل.
7- كان من النتائج التلقائية لذلك حصرُ كثير من أنشطتهم ذات العلاقة بطرح النهج الوسطي الإسلامي -المسموح به- في أُطُرٍ معيّنة، بحيث لا تصبح ظاهرة الوسطية -كما يعبّرون عن إحدى صيغها- "خطرا" حقيقيا (بمنظور السلطة غير الملتزمة بوسطية الإسلام.. المتخوّفة على نفسها حتّى ممّا يحقّق الخير للأمة شعوبا وحكاما).. وأصبح ذلك يتجسّد على أرض الواقع في:
آ) إطلاق يد العاملين في إطار هذه الصيغة من الوسطية الإسلامية لمواجهة علنية واسعة النطاق للتشدّد والغلوّ والتطرّف، أو ما باتت كلمة "إرهاب" أحيانا، وكلمة "الإسلام السياسي" أحيانا أخرى، تُستخدم للتعبير عنه، بالحقّ حينا، وبالباطل أحيانا كثيرة!..
ب) ضمورٌ شبه مطلق (إلا في حدود "المسموح به"!..) لمواجهة "الوسطية" بهذه الصيغة لكثيرٍ من جوانب "التسييب" ذات العلاقة المباشرة بسياسات الأنظمة، وعلى وجه التحديد تلك العلاقة المنبثقة عن الارتباط "الجغرافي.. القطري" بالعمل من منطلق وسطية الإسلام في نطاق ما "تسمح به" السلطة القائمة، حتى وإن تناقضت جوانب التسييب في السياسات التي تمارسها مع وسطية الإسلام، أي مع الإسلام نفسه!..
ت) لا يغيّر من هذه الصورة الشاملة التعميمية صدورُ بعض المواقف السياسية المتفرّقة باسم الوسطية الإسلامية، ممّا يشير في بعض خطوطه العامّة، إلى نقاط تناقضٍ ما مع السياسات الرسمية المعنية، لا سيما بالمقارنة مع تنامي حجم ما يقابلها من "مواقف سياسية" باسم الوسطية الإسلامية، تبرز القدر الضئيل من الجوانب الإسلامية في تلك السياسات الرسمية، وقد تسلّط عليه أضواء كاشفة تضخّم من شأنه!..
4- يغيب عن الطرفين، السلطة والعاملين في حدود الإطار المذكور -أو يتجاهل الطرفان- أنّ مستوى الوعي لدى عامّة المسلمين، قد ارتفع بصورة ملحوظة، وإن لم يبلغ الدرجة المرجوّة الأقرب إلى "صورة مثالية"، فلم يعد يسهل توظيف "الوسطية الإسلامية" في خدمة رغبات السلطة، جزئيا أو كليا، إذ:
آ) لا يواري ذلك التوظيف حقيقة سياساتها وممارساتها الواضحة للعيان عند عامّة المسلمين، أو عامة المواطنين في الدائرة الجغرافية الحضارية الإسلامية..
ب) لا يواري أيضا شوائب خطيرة أصبحت تلتصق بمن يعمل على هذه الشاكلة تحت عنوان إسلامي، فبات يتعرّض بالتالي هو نفسه -بغضّ النظر عن حسن نواياه- إلى ضياع جهوده الأخرى الإيجابية، وقد يسبّب إضافة المزيدِ من التضليل عن الإسلام الوسطي كما أنزله الله، والذي سبق تغييبه عن كثير من ميادين الحياة والحكم من قبل.
بتعبير موجز: إن الوسطية الإسلامية التي يتحرّك العاملون باسمها في نطاق ما سمحت به السلطات الراغبة في توظيفها لأغراضها السياسية، مقيّدة سياسيا، لا يمثّل عطاؤها الوسطيةَ الإسلامية بمعناها الشامل المعبّر عن شمولية الإسلام.
الوسطية هي النهج الإسلامي المتكامل
لا يمكن أو لا ينبغي توظيف وسطية الإسلام كما أنزله الله، لأغراض سياسية، بل ينبغي أن تكون الأغراض السياسية من العمل باسم الوسطية الإسلامية هي المرتبطة شكلا وموضوعا، هدفا ومضمونا، وسيلة وتطبيقا، بالإسلام كما أنزله الله، وسطيا في مختلف ما يدعو إليه، والمرتبطة بالمصلحة العليا للأمّة الوسط، وليس بمصلحة سلطة من السلطات، أو جماعة من الجماعات، أو منهج من المناهج، أو ظرف وقتي من الظروف.
ينبني على ذلك على سبيل المثال دون الحصر:
أ) لا ينبغي أن يرتفع صوت باسم الوسطية الإسلامية في معارضة ما يسمّى الإرهاب، بمعنى العنف غير المشروع، دون أن يرتفع أيضا في معارضة توجيه ضربات القمع والحصار للمقاومة المشروعة.
ب) لا ينبغي أن يرتفع صوت باسم الإسلامية الوسطية في معارضة الخروج غير المشروع على سلطة من السلطات، دون أن يرتفع أيضاً في معارضة ممارساتها الاستبدادية والقمعية الشاملة لعامة أهل البلاد.
ت) ولا ينبغي أن يرتفع أيضا في التعبير عن موقف إسلامي وسطي في قضية من القضايا التي تهمّ الإسلام وتهمّ من يعيش في دائرته الحضارية، مثل وضع حدّ للمظالم التي تتعرّض لها المرأة، دون أن يرتفع أيضا في المطالبة بوضع حدّ للمظالم التي يتعرّض لها الإنسان، جنس الإنسان، في نطاق ما يُفرض من قوانين جائرة، ويُطبّق من ممارسات منحرفة.
إن الوسطية الإسلامية التي يقول العاملون تحت عنوانها إنها لا تقف في نقطة "وسط" بين الحق والباطل، ترتبط مصداقيةُ كونها"وسطية إسلامية" بالفعل بقدر ما تنحاز إلى الحق في مختلف الميادين، بدءا من الاجتهادات الفقهية، انتهاء بالمواقف السياسية، ولا يمكن أن تكتسب موقعها على هذا النحو، إذا ظهرت بقوّة على صعيد تلك الاجتهادات الفقهية مثلا، ثم ظهرت بصورة "جزئية محدودة" أو منحازة، أو ضعيفة، عبر السكوت حينا والكلام حينا آخر، فيما يتصل بالمواقف السياسية.
لا ينفصل ذلك عن علاقة الوسطية الإسلامية بالعلمانية، التي تتجلّى في الدعوات إليها خارج نطاق السلطات، إنّما تتجلّى أيضا في معظم ممارسات السلطات وإن لم يوضع عنوان العلمانية لها، ومعروف أن العلمانية تتبنّى (في أشدّ توجهاتها اعتدالا.. ناهيك عن التوجّهات الأصولية العلمانية التي لا تستدعي اهتماما كبيرا بها) أنّ الدين عموما لا يكون "دينا" إلا في نطاق "عدم التدخّل" في السياسة، وهذا منطلق من منطلقات الفلسفات الغربية التي نشأت العلمانية عنها.
وقد مضى عهد إنكار شمول الإسلام للميدان السياسي فيما يشمل، بينما ما زالت كيفية تجلّي هذا الشمول مطروحةً على أرض الواقع، وتوجد على هذا الصعيد صيغ متضاربة متناقضة، منها المتطرّف كلّ التطرّف فلا يفيد الحديث عنه كثيرا، ومنها الأقرب بمنظور من يطرحه إلى شيء من العقلانية، وأبرزها للعيان صيغتان:
1- صيغة علمانية المنطلق، تريد "علمنة الإسلام"، وملخّصها أن تكون مرجعيةُ ممارسة السياسة عموما هي العلمانية، وقد يمكن لمن يريد أن "يتحدّث" من منطلق إسلامي أن يطرح ما يريد، كما تفعل الكنائس في الأنظمة العلمانية الغربية الحديثة، دون أن يكون ما يقوله ملزما أو "مرجعيّا" أو حتّى من قبيل ما يمسّ أمورا جوهرية لوجود السلطة، وغلبة العلمانية على سياساتها وممارساتها، بل بات يقال إن ما يُطرح من منطلق إسلامي بمعايير القواعد الأصولية والمقاصد التشريعية عبارة عن "اجتهاد"، ويقترن ذلك بزعم أنّ ما يقال من منطلق علماني حول الإسلام بغير حقّ هو مجرّد "اجتهاد آخر"!.
2- صيغة إسلامية المنطلق، وملخّصها، أن تكون مرجعية الممارسات السياسية هي الإسلام، ويمكن لمن يريد أن يتحدّث من منطلق آخر -بما في ذلك العلمانية- أن يطرح ما يريد دون أن يكون ملزما أو مرجعيّا.
الصيغة الأولى العلمانية المنطلق مطروحة عبر الدوائر العلمانية الغربية أيضا، وكانت تشيد بالنموذج التركي سابقا وبدأت "تشكّك" فيه، ولو تأمّلنا في سبب التشكيك لوجدناه كامنا في أنّ الاتجاه الإسلامي بصيغته التركية، ذات الجذور المرتبطة بالظروف التركية تخصيصا، نجح -على غير توقّعات خصومه- في كسب تأييد شعبي واسع النطاق، و"الشعبُ مصدر السلطات" فيما ينظّرون له، إنما لا يرون أنّه يشمل "اختيار المرجعية"، فمحور ثوابتهم العلمانية قائم على أنّ العلمانية هي المرجعية دون سواها، أي سيان هل يعبر ذلك عن غرادة الشعب أم لا، فلا يُستغرب أن يتزايد التشكيك ويتضاعف القلق بقدر ما تقترب مسيرة الاتجاه الإسلامي من احتمال "تحكيم" الشعب في صيغةٍ ما لاختيار المرجعية أيضا، وليس لاختيار السلطة مع استبقاء المرجعية "العلمانية".
أمّا الصيغة الإسلامية المنطلق فمطروحة -حتى الآن- في نطاق واقع قائم في بلدان عربية في الدرجة الأولى، تختلف عن تركيا من حيث عدم تطبيق الآلية الديمقراطية من الأصل كنهج سياسي، وبالتالي عدم تطبيق قاعدة الاحتكام للإرادة الشعبية ابتداءً.. وهذا الوضع جزء من خلفيات ازدياد المطالبة بالآليّة الديمقراطية في هذا الاحتكام، بما يشمل المرجعية أيضا.
واضح أن هاتين الصيغتين لا يمكن أن تلتقيا منطقيا، أي لا يمكن الجمع بينهما أو اعتبارهما سبيلا مشتركا للعمل من أجل التغيير، دون مواجهات في شكل جبهتين متقابلتين.. وكلمة "التغيير" هي العنصر الحاسم في هذا الإطار.
سياسة الوسطية السياسية
لا بدّ من التغيير.. الشامل للميدان السياسي أيضا، والوسطية الإسلامية التي تُسقط هذا الهدف في أطروحاتها وممارساتها تفقد مصداقيتها فكريا وشعبيا، وذاك محور معضلة الإشكالية السالفة الذكر لصيغ الوسطية الإسلامية القائمة في "حدود" التوافق مع رغبات السلطات.
إنّ ما يوجب التغيير الشامل للميدان السياسي، لا يعتمد بالضرورة على منظور منطلق علماني أو إسلامي أو منظور أي "اتجاه" آخر من الاتجاهات، إنّما يوجبه منظور "الواقع" الذي يتّسم بالمقايسس الموضوعية المجرّدة، فما ينبغي تغييره هو مختلف أشكال العجز "الاستبدادي" المصنوع والمرفوض كحدّ أدنى، أو الانحراف "الاستبدادي" المقصود والمدمّر كحدّ أقصى.. وهذا ما يحتّم أن يكون هدف التغيير شاملا لمختلف الميادين، بما في ذلك الميدان السياسي.
معيار المفاضلة على صعيد "وجوب التغيير أصلا" ما بين مناهج تحقيقه، هو معيار "الأهداف" أولا، وتوجد أهداف يفرضها الواقع القائم على كل منهج من المناهج، كالتقدّم، والوحدة، والعدالة، وعند التخلّي عنها أو عن بعضها يفتقد الاتجاه المعني -مهما كان لونه- مقوّمات وجوده.
ثم يأتي معيار "الوسائل" ثانيا، فتوجد وسائل رسخت مشروعيتها على قواسم مشتركة، بفعل ما نزلت به الأديان وحيا، وما صنعته التجارب البشرية على مرّ العصور، ومن ذلك (ولا يشمل هذا الحديث تشدّد المتشدّدين من مختلف الاتجاهات) تحكيم إرادة الشعب في المرجعية والمنهج المتبع لتطبيقها والسلطة الملزمة بها، وكذلك حفظ الحقوق والحريات الأساسية للغالبية والأقليات، وللمجتمعات والأفراد، في إطار ما تقرّره تلك المرجعية المنبثقة عن الإرادة الشعبية.
لا يمكن للوسطية الإسلامية أن تحتفظ بمصداقيتها في الميدان السياسي، دون الالتزام الذاتي والتعبير المباشر عن أهدافها ووسائلها على صعيد تحقيق التغيير المفروض فرضا في واقع بلادنا العربية والإسلامية، ولا يمكن اعتبار ما تطرحه من أهداف ووسائل معبّرا عن "وسطية الإسلام" كما أنزله الله، ما لم يكن في مقدمتها التمسّك بالمرجعية الإسلامية هدفا، أي بالإسلام دينا شاملا لمختلف ميادين الحياة والحكم، وتحكيم إرادة الشعب وسيلة، أي بقاعدة لا إكراه في الدين، الثابتة إسلاميا.
إن الالتزام بالتغيير مع الالتزام بالهدف والوسيلة هما الركنان الرئيسيان الحاسمان في تمثيل نهج وسطية الإسلام كما أنزله الله، مع قابلية أن تتعدّد الاجتهادات "السياسية" فيما عدا ذلك، دون التخلّي عن عنصر "الإيجابية" في صناعة التغيير، وممّا يعنيه ذلك على سبيل المثال دون الحصر:
1- رفض سلوك طريق العنف للتغيير.. لا ينفصل عن الرفض المطلق المتواصل لممارسة عنف السلطات في نطاق الواقع السياسي القائم.
2- رفض مختلف الوسائل غير المشروعة في الدعوة إلى التغيير.. لا ينفصل عن وجوب طرح الوسائل المشروعة والتأكيد عليها واستخدامها على طريق التغيير.
3- مطالب التقدم والتحرّر والوحدة والعدالة والشورى وإقرار الحقوق والحريات الأساسية، وجميع ما ينبثق عنها، في مختلف الميادين الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، والعلاقات الداخلية في الأوطان، والعلاقات الدولية مع الآخر خارج الحدود.. ثوابت لا يتخلى عنها نهج وسطي إسلامي، ولا يتخلّى كذلك عن تكاملها مع بعضها بعضا وتوازنها فيما بينها، ولا تتحقّق المطالب المرتبطة بهذه الثوابت من خلال شعارات وبيانات، وإنما من خلال الدراسات الميدانية للواقع القائم المتصل بكل جانب من هذه الجوانب في نطاق النظرة الشاملة لها جميعا، وما يترتب على ذلك من "ابتكار" المشاريع العملية التنفيذية، للانتقال من واقع فاسد مرفوض إلى واقع قويم منشود، انتقالا لا تكون فيه التضحيات أو الخسائر أكبر من الحصيلة والنتائج.
4- ليست الدائرة الحضارية الإسلامية ولا الدائرة الإنسانية البشرية، مقتصرة على وجود نهج الوسطية الإسلامية، بل شاملة لمختلف العناصر الأخرى، التي يمثلها أصحاب رؤى أخرى، ولا يمكن للوسطية أن تكون وسطية إسلامية إيجابية، إلا بقدر ما تتعامل مع الآخر في نطاق الدائرة الحضارية الإسلامية على أنه جزء منها، أي جزء من الذات الحضارية المشتركة، وليس عدوّا أو خصما، فما يحقق المصلحة العليا لأمة الوسط، هو ما يشمل مصلحته أيضا، ويشمل العمل لدفع الضرر عنه مثلما يشمل دفع الضرر الصادر عنه. أما العلاقة بالآخر في الدائرة الإنسانية البشرية الأوسع نطاقا، فهي مرتبطة بممارسات الآخر، ولا تقوم على ردود أفعال قوية أو ضعيفة، إنّما تقوم على أساس السعي لاستخدام الوسائل المنطوية على التمسّك بإنسانية الإنسان وكرامته ومصلحته، وهو ما يمكن أن يتخذ صيغة حوار حيث يكون الحوار مجديا لا يتناقض مع إنسانية الإنسان وكرامته ومصلحته، ويمكن أن يتخذ أشكالا أخرى تعاونا أو مصالح متبادلة، إنما يمكن أيضا أن يصل إلى صيغة المواجهة والمقاومة والقتال، حيث تكون هذه الصيغة ردّا واجبا على ممارسات المواجهة والعدوان والقتال من الجانب الآخر.
ابحث
أضف تعليقاً