wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
حرق المصحف يهدد مستقبل الحوار بين الأديان
الأحد, September 19, 2010 - 04:45

  القس تيري جونز يهدد مستقبل الحوار بين الأديان   
   مع تواصل التنديدات وردود الفعل العالمية على عزم كنيسة دوف بولاية فلوريدا تخليد ذكرى الحادي عشر من سبتمبر بحرق نسخ القٍرآن الكريم ،يصر زعيمها  القس الأمريكي تيري جونز الباحث عن الأضواء والنجومية مضيه وعزمه على حرق مئات النسخ من المصحف الشريف بعد غد السبت، فكيف ستتقبل الدوائر الإسلامية دعوات الحوار العالمي بين الأديان في العالم الإسلامي ؟
    تعقد المؤتمرات الدولية سنويا لتعزيز التسامح الديني وإشعاع ثقافة الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات، ويدول الإعلام الغربي آليات ومرتكزات الحوار المفقود حسب فهمه في الشرق، يوجه الإسلام والمسلمين نحو الالتزام بمبادئ التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات، ويطلب منهم تعديل المناهج الدراسية لتوافق مبادئ التسامح الديني ، فهل جاءت اليوم أقصى حملات التطرف الديني من الجانب الإسلامي؟ هل دعت المساجد التي يتخوف من بناء صوامعها أوروبيا بدعوى لحرق الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد انتقاما لدماء ضحايا وشهداء الاستعمار الأوروبي؟  هل دعى أحد ممن يعرفونهم  بالمتطرفين الإسلاميين عالميا إلى اختيار يوم محدد لحرق الكتب المقدسة علنا واستفزاز مشاعر الملايين من المؤمنين المسيحيين ؟ أيحق للمسلم أن يكفر بالكتب المقدسة ؟ أم أن مايجهله القس تيري ومحركوه إعلاميا أن المسلم لا يكون مؤمنا إذا كفر بالرسل والكتب السماوية؟؟ أيعرف القس المصاب بهوس الاسلاموفوبيا أن الإسلام ،أسس برقي قيمه الإنسانية لقمة أدب الحوار الديني نظريا وتطبيقيا، عندما دعا أهل الكتاب إلى الاجتماع على كلمة سواء تتلخص في عبادة الله وعدم الشرك به أو اتخاذ أرباب من دون الله،وختم هذه المائدة المناظراتية والحوارية بإمكانية فرضية عدم تقبل هذه الدعوى والتراجع عنها قائلا سبحانه وتعالى (فإن تولوا فقل اشهدوا بانا مسلمون) . لم يقل أيها القس المفبرك الباحث عن نجومية تفوق الأضواء الهوليودية احرقوا كتبهم ؟
    القرآن الذي ينوي زعيم التطرف الديني ومجموعة كنيسته المعمدانية حرقه ، محفوظ من عند الله ومحفوظ في صدور الملايين من المسلمين، فهل درس جونز القرآن؟ هل درس الأديان السماوية التي دعت جميعها إلى احترام  وتقديس كلام الله؟ القرآن الكريم أسس لفقه الحوار وأدبياته نظريا عندما اعترف بالكتب السابقة مؤصلا لعلم مقارنة الأديان في خطاب سؤاله لنبيه الكريم : (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) يونس 94.وأيضا عندما اعترف نظريا بأصحاب الديانات كل بمسمى ديانته :(إن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)البقرة62 . والقرآن الكريم أسس لقمة آليات الحوار الديني تطبيقيا لعلم القس المهووس بالحقد على المسلمين ،حينما أصل لأدبياته بدءا من الدعوة إلى عقد موائد مستديرة تجمع في محبة أهل الأديان نصحا وتوجيها وترشيدا (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) ،وحدد موضوع  الحوار بالدعوة لعبادة الله متجنبا أسلوب التطرف والتعصب والغلو (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير حق) ، وداعيا إلى الجدال بالتي هي أحسن (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) .أظن أن القس جونز لو قرأ كتاب الإعلام بمناقب الإسلام  للعامري لكفاه علما بتفاصيل آليات وأدبيات الحوار في المناظرات الدينية. لو درس تاريخ  فتح أبواب قصور الملوك العرب والمسلمين لعقد موائد الحوار والمناظرات الدينية ،واطلع على أجواء التسامح والتعايش الديني بين المسلمين واليهود والمسيحيين في الشام وصقلية والأندلس ، وتفقه في كتب أدبيات الحوار بين الأديان التي أسس لها علماء الإسلام بدءا من النوبختي في القرن الثاني الهجري وصولا إلى ابن حزم الأندلسي ،لما كلف نفسه عناء البحث عن شهرة حرقت مصير تألقه ونجاحه  عالميا كرجل دين وإنسان بين الزعماء الروحيين الدينيين من يهود ومسيحيين أنجيليين وكاثوليك وأرثوذكس ومسلمين و وساسة وعلمانيين  ...قبل أن يحرق القرآن .
   نعم للحوار بين الأديان من الجانب الإسلامي ،نعم لمواجهة التطرف والغلو ، نعم لرفض دعوات  قداسة الذات مقابل الإقصاء الديني للآخر ، ولا لتحريك الفتن ونبش الحمقى ، إن ما تجهله دوائر صناعة الفتنة وتدويلها إعلاميا ،هو كما عندنا عقلاء في العالم الإسلامي يبنون مع عقلائهم  جسور التواصل واللقاء الحضاري بين الشعوب والأمم ، عندنا حمقى يفهمون لغة حماقة جماعة القس جونز فتسود لغة الحمقى وتطغى على لغة العقلاء  . وهذه مناسبة لتأكيد مصداقية دعوات مشاريع الحوار العالمي  بين الأديان واستشراف مستقبله، فأين موقع المؤسسات  والمراكز والكنائس الدينية العالمية بكافة انتماءاتها وتلاويتها المذهبية من مواجهة هذه الدعوى ؟أين قرارات المؤسسات الدينية والدوائر السياسية العالمية لرد هذه الدعوى المتطرفة؟
   نعم نقول للحوار بين الأديان ، عندما يستنكر بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر هذه الخطوة ويصفها بأنها إهانة خطيرة, وعندما يصدر بيان المجلس البابوي للحوار بين الأديان التابع للفاتيكان يحذر فيه من خطورة هذا التعصب: إن أعمال العنف المؤسفة لا يمكن الرد عليها بخطوة خطيرة ومثيرة للغضب ضد كتاب مقدس لطائفة دينية. وأن كل ديانة مع كتبها المقدسة وأماكن عبادتها ورموزها، لها الحق في الاحترام والحماية، وكانت صحيفة الفاتيكان "أوسرفاتور رومانو" قد أبدت في مقال بعنوان "لا أحد يحرق القرآن"، تخوفها من أن تفسح هذه الخطوة الطريق لإلحاق الأذى بشكل كبير بالأقليات المسيحية في الدول ذات الغالبية المسلمة.  نعم للحوار الديني عندما يدين المجلس المركزي لليهود بألمانيا -الذي يعتبر أكبر جماعة يهودية ألمانية- خطط إحراق المصحف ووصفها بالمروعة والبغيضة.وتقول رئيسة المركز شارلوت نوبلوخ إن هذه الخطوة تحيل إلى الأذهان عملية إحراق كتب الأدب "غير الألماني" التي نظمها الحزب النازي عام 1933 بألمانيا.
   فهل سيعيد القس تيري جونز، راعي كنيسة (مركز اليمامة للتواصل العالمي) في غاينسفيل بفلوريدا الأمريكية، النظر في خطته الداعية إلى إحراق نسخ من القرآن الكريم، احتراما  لاحتجاج المؤسسات الدينية ؟ أم أنه قد يعيد النظر في دعوته تخوفا من تحذيرات   البيت الأبيض، وقائد القوات الأمريكية في أفغانستان، وحلف شمال الأطلسي، والفاتيكان، وإيران، ومظاهرات في أفغانستان وإندونيسيا وكافة أرجاء دول العالم  العربي الإسلامي .؟
   إن الكنائس ودور العبادة هي المحور الرئيسي في منهج الترشيد والتدافع الإنساني بين البشر ، (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) الحج 40فقد جعل القرآن الصوامع والبيع مقدمات على المساجد ، وجعل فيها ذكر الله كثيرا وذلك يدل على أن الكنائس مفترض أن تكون عنوانا للتسامح ورمزا للتعايش بين الأديان لا للتعصب والغلو فهل أفادت دعوة البرلماني الهولندي العنصري غيرت فيلدرز، برسومه المتحركة وأفلامه المسيئة لرسول  الإنسانية صلى الله عليه وسلم الإنسانية  ؟  هل خدمت الصور الكاريكاتورية مشاريع علاج الخوف المرضي النفسي من الإسلام ،أم أنها أيقظت ترسبات  نفسية جيولوجية تراكمية كانت متكلسة في أعماق جيتو الخوف النفسي من الإسلام  ومحبة نبي الإسلام ؟  ألا يفترض بمن  يتاجر في مشروع أن يدرس نسبة الربح والخسارة قبل المغامرة  والمقامرة برأس المال لاسيما إن كان رأسمال بشري إنساني ؟ فما الذي ستربحه كنيسة دوف وقسها تيري جونز المغمور في أطراف ولاية كاليفورنيا عندما تقدم على خطوة استفزازية متعمدة الإساءة إلى مليار ونصف المليار مسلم في مختلف أنحاء العالم، ؟ هل ستخدم قضية الأمن والسلام الفكري العالمي هل ستعزز من قيم التعايش السلمي بين المذاهب والأديان المختلفة ؟ هل ستوقف دماء الحروب التي تقتلع ملايين الضحايا من رجال وأطفال ونساء العالم  قتلا وتشريدا وتدميرا وحرقا وتجويعا واغتصابا .....؟ هل ستحل مشكلة التلوث البيئي الذي يحصد ملايين الأرواح سنويا؟ أم انها ستحل مشكلة الفقر العالمي والاتجار بالبشر واعضائهم في سوق النخاسة العالمي ؟ أي نص ديني يحتكم إليه القس جونز في فتواه التي يطالب فيها  بأن تزر وازرته وزر أخرى وأن تهان مقدسات الملايين بحجة إعادة إحياء ذكرى الانتقام من أفراد لاقوا أحكامهم في سجون خصصت لذلك ؟ ألم يكتف المطالبون بإحراق المصحف مما لاقاه المسلمون في كافة أنحاء العالم من  تضييق وإهانات واستفزازات نفسية جسدتها الصور النمطية إعلاميا وسياسيا واجتماعيا ،وسوقت لها عالميا في ظل حملات تحريضية تخصصت وتفننت في آليات ووسائل التخويف من الإسلام لتنتهي إلى فرضية الحكم على كل مسلم بأنه متطرف انتماءا ؟؟
   إن زعماء المؤسسات والكنائس والطوائف الدينية قد يطالبون اليوم وأكثر من أي وقت مضى للبرهنة على حسن ترابطهم الروحي  وتعايشهم السلمي  ،و يدعون في ظل حوار ديني إلى تأسيس ميثاق سلام اخضر عالمي ،يبادر بإيقاف مثل هذه الفتن والتحريضات وإصدار تشريعات وقوانين تحافظ على أمن السلام العالمي وتحمي المسلمين وعقيدتهم من التمييز العنصري الديني والإنساني. فيتحول قلق الدوائر السياسية كقلق الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ،من خطط الحرق،وقلق وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، ومعارضة الاتحاد الأوروبي  إلى حقائق تشريعية وقانونية ملموسة  .

 
د. مريم آيت احمد وعلي
جامعة ابن طفيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية
القنيطرة المغرب

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.