
في عام 1919 سئل الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي مؤسس حركة النور في تركيا السؤال التالي: لماذا ترفض الشريعة الاسلامية الحضارة المدنية الغربية؟ فكان جوابه: لان الحضارة المدنية الغربية تأسست على خمسة أسس سلبية وهي:
1 - ان نقطة ارتكاز هذه الحضارة هي القوة ، وهذه من شأنها ان ترسخ روح الاعتداء على الاخرين وخاصة الضعفاء.
2 - ان هدف هذه الحضارة وقصدها هو المنفعة المادية وهذه من شأنها ان تسبب التزاحم والتنافس بحق وبغير حق للحصول على هذه المنفعة وبكل السبل ودون ضوابط اخلاقية.3 - ان دستور هذه الحضارة في الحياة هو الجدل والصراع وهذا من شأنه التنازع مع الاخرين في الداخل والخارج.
4 - ان الرابطة التي تربط ابناء هذه الحضارة والمجموعات البشرية التي تعيش في ظلها هي العنصرية العرقية والقومية السلبية اليت ترفع من قدر قوميات واجناس بشرية معينة وتخفض من قدر الاخرين،وهذا من شأنه التصادم الدائم مع الاخرين.
5 - ان الخدمة التي تقدمها هذه الحضارة المادية فاتنة وجذابة بحيث تشجع هوى النفس الامارة وتضمن رغباتها وتسهل مطالبها ، وهذا الهوى الذي تولده هذه الحضارة في النفس من شأنه اسقاط الانسان من درجة الملائكية الى درك الحيوانية الكلبية ، وهذا يؤدي الى مسخ الانسان معنوياً.
ولقد دفعت هذه الحضارة المادية ثمانين بالمئة من البشرية الى احضان الشقاء ، وعشرة بالمائة منها الى سعادة دنيوية مموهة زائفة وظلت العشرة بالمائة الباقية بين هولاء واولئك ، والسعادة لا تصبح سعادة عامة الا عندما تصبح لكل البشر او الاكثرية منهم وهي الان لاقل القليل من الناس,لهذا كله فان الاسلام لا يقبل اي مدنية لا تضمن السعادة للجميع ولا تعم الغالبية العظمى من البشر.
وقامت الحضارة الغربية بتحويل الانسان الى حيوان وذلك بتحكم الهوى الطليق من عقاله فيه ، وحولت الحاجات غير الضرورية الى ما يشبه الضرورة لديه واصبح سعيه وعمله لا يفيان بالمصاريف المتزايدة لحياته فانساق الى مزاولة الكذب والحيل والخداع وأكل الحرام لتأمين حاجاته ، وبذلك فسدت اسس اخلاقه.
ولقد ولدت هذه الحضارة لدى ابنائها وحشية فاقت كل وحشيات الامم والحضارات السابقة ، بسبب تلهفها للسيطرة على خيرات العالم واستغلالها لصالحها هي وحدها مستعملة القوة لتحقيق ذلك ، هذه القوة التي امتلكتها بعد الثورة الصناعية وما نتج عنها من تقدم في صناعة الاسلحة وفي التطور التكنولوجي الهائل ، ومستفيدة من تخلف الاخرين وعدم قدرتهم على مجاراتها في عالم القوة ، واعتقدت ان لها الحق الذي حصلت عليه بالقوة ان تعتدي على الاخرين وتحتل وتستعمر بلادهم وتنهب ثرواتهم وخيراتهم وتسخرهم للعمل لديها كعبيد لديها ليس الاان هذا الحق المكتسب من القوة هو حق باطل لا يقبل به دين ولا عقل عادل ، ولكن الحضارة الغربية اعتمدت على هذا الحق الباطل كنقطة اسناد لا بد منها لفرض حمايتها على العالم ، ولقد جلب حق القوة الباطل المصائب والحروب والقتل والدمار للعالم اجمع على مدى القرنين الاخيرين وما التقدم بصناعة الاسلحة الفتاكة من نووية وكيماوية وغيرها وصرف المليارات عليها ، الا دليل على ثقافة حق القوة الذي به وحده تعيش هذه الحضارة وتسيطر على العالم حسب رأيهم ، لذلك فانهم يقاومون وبقوة كل من يحاول الحصول على هذه الاسلحة من ابناء الحضارات الاخرى ويمنعونهم من امتلاكها ، حتى تكون حكراً لهم وحدهم لا ينافسهم على امتلاكها احد غيرهم ، لتبقى القوة الوسيلة التي بها ينفذون مخططاتهم ويحققون مصالحهم.
اما الحضارة الاسلامية ومدنيتها فلقد قامت على:
1 - ان نقطة استنادها هي على الحق بدلا من القوة ، والحق من شأنه احلال العدالة والتوازن بين البشر.
2 - وهدفها الفضيلة بدلا من المنفعة وهذه من شأنها التجاذب والتراحم بين الناس وليس التنافر والتقاتل.
3 - الرابطة التي تجمع المجموعات البشرية لهذه الحضارة وتوحدها هي الرابطة الدينية بدلا من العنصرية والعرقية ، ورابطة الدين من شأنها ان تبني الاخوة الصادقة والسلام والوئام والمحبة بين البشر.
4 - دستورها في الحياة التعاون والتناصح بالحسنى بدلاً من الجدال والصراع وهذا من شأنه التساند والتقارب والاتحاد بين الشعوب.وتضع هذه الحضارة التقوى والهدى بدل الهوى ليكون حاكماً على الخدمات التي تقدمها للبشر وشأن الهدى رفع الانسانية الى مراقي الكمالات فهي تحدد الهوى وتحد من النزعات النفسانية وتطمئن الروح وتشوقها الى المعالي.
نعم ان الحضارة الاسلامية لا تقر مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» المعمول به في الحضارة الغربية المادية الذي هو شعارها اصلاً ، فالاسلام لا يسمح بالكذب والغش والاحتيال والاحتكار واكل الحرام والظلم بين الناس والتعالي عليهم بالباطل ، وهو ينظر الى الناس جميعاً نظرة واحدة فهم جميعا خلق الله وعباده وأبوهم واحد وأمهم واحدة ، والاسلام دين رحمة ومحبة وهداية للبشرية جميعا لا يرفع شأن قوم بسبب لونهم وعرقهم ويفضلهم بهذا على الناس ، بل الاساس في الاسلام قوله تعالى: «ان اكرمكم عند الله أتقاكم» وهذا هو مقياس التفاضل في الاسلام.
وقوة الحق التي تقوم عليها الحضارة الاسلامية لا تقارن بحق القوة عند الحضارة الغربية فالمسلمون حتى وهم منتصرون على اعدائهم لا يجوز لهم البغي والعدوان والظلم وأكل حقوق الناس وقتلهم من دون سبب ، وشريعتهم تفرض عليهم العدالة مع الجميع وتمنعهم من ظلم الانسان واهانته وهدر حقوقه وتجبرهم على عدم استخدام القوة الا في موضعها الذي حددته لهم النصوص الشرعية.انظروا الى وصايا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه من بعده الى الجيوش التي كانت ترسل لنشر الاسلام ومقاتلة الاعداء ، فقد اوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجند:
(اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا) ، وأوصى الخليفة الاول ابو بكر - رضي الله عنه - جنده الذين ارسلهم لفتح الشام:(ايها الناس ، قفوا اوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا او شيخا كبيرا ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً الا لمأكله ، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا انفسهم له).
واليوم وبعد ما رأينا بأعيننا ما فعلته القوة العسكرية الصهيونية بغزة واهلها من تدمير للبيوت وحرق للاشجار وهدم للمساجد والمدارس والمستشفيات فهو اكبر دليل على فساد حضارة حق القوة ، فالصهاينة هم جزء اساسي من الحضارة الغربية ، بل هم من لعب الدور الكبير في وضع مفاهيمها المادية سواء كانت رأسمالية او اشتراكية.
وقامت معظم الدول الغربية بتأييدهم على ما فعلوه بغزة واعتبروا ان ذلك حقا طبيعيا لهم وأمدوهم بالعتاد والسلاح ، وادانوا المعتدى عليه وحملوه المسؤولية عن ما جرى له.ترى اي اخلاق انسانية تسمح لحق القوة بكل هذا ، وأي حضارة هذه التي يتغنون بها ويتيهون بها على العالم الضعيف امامهم؟ انها ليست حضارة بل هي همجية وحشية تستغل حق القوة بالباطل لاذلال الناس وتدميرهم ، وهذا لا يرضى به دين ولا يقبله عقل راشد ومنصف.اما حضارتنا فهي التي قال فيها بعض المنصفين منهم وهم قلة: (لم يعرف العالم في تاريخه فاتحين أعدل من المسلمين).
هذه هي حضارتنا وهذه هي حضارتهم ، فاحكم يا تاريخ بيننا وبينهم.
منقول عن جريدة الستور الاردني
التاريخ : 23-02-2009
ابحث
أضف تعليقاً