
من بين المواضيع التي تشكل اليوم محل اهتمام واختلاف، وتدعو إلى الجدل، موضوع "حوار الأديان"، إذ يتراوح المتجادلون حوله بين مؤيد ومعارض، وبين متشدد ومميع، سواء على مستوى المفكرين ورجال الدين، أو على مستوى الرأي العام.
قبل الخوض في هذا الموضوع، لا بد من التعرف أولاً على ماهية "حوار الأديان" والهدف منه، عن ذلك وسواه في هذا الموضوع، يجيبنا أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة البلقاء التطبيقية، حسن ربابعة، الذي له العديد من المشاركات في مؤتمرات أقيمت في الدول العربية والإسلامية حول حوار الأديان.
يعرّف ربابعة حوار الأديان بأنه "التفاهم بين الأديان وخلق أجواء من التعايش والانسجام بين أتباع كل منها، من خلال التزام كل طرف باحترام عقيدة وشعائر ومقدسات الآخر، فالهدف منه هو نزع فتيل الاقتتال والنزاعات المسلحة وبث الأمن والأمان بدلاً من الدمار والفساد في الأرض".
يضيف الدكتور ربابعة معلقاً على مفهوم الآية: "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، أنها تعزز وتؤكد حوار الأديان، أما بالنسبة للآية "ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين"، فإن المغزى منها هو أن الإسلام لا يطلب من أتباعه إلزام الغير بالدخول فيه، لأن الإسلام بني على الإقناع لا على الإكراه، ولأن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، تؤكد احترام شعائر وعقائد ومقدسات غير المسلمين، ما داموا لم يبدأوا بالعدوان على الإسلام والمسلمين.
يشك كثيرون في نزاهة مشاريع حوار الأديان، معتقدين أنه حوار سياسي تحت مظلة الأديان، لكن ربابعة وعلى خلاف ذلك، يرى أن هذا الحوار ليس له طابع سياسي، ما دام أن ذلك يؤدي إلى حقن الدماء وبث الأمن والسلم في ربوع المعمورة. وهو يرى أن حدوث خطأ في اختيار الأشخاص أو المكان أو في ظروف عقد مؤتمرات "حوار الأديان"، لا يجب أن يؤدي إلى نسف هذه الفكرة وإلغائها أو استبعادها أو نقدها.
وحول القاعدة القائلة إن إنجاح أي حوار يتطلب تقديم بعض التنازلات، وأن ذلك لن يخدم مصالح الشعوب الإسلامية على وجه الخصوص لأنها الطرف الأضعف، يرى ربابعة أن "حوار الأديان يخدم مصالح الشعوب الإسلامية شريطة أن ينطلق من أرضية صلبة لا تسمح بالتنازلات ما دام أن ديننا يدعونا إلى عدم البدء ومباشرة الاعتداء، وقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة الحسنة بالإحسان إلى الخصوم لإظهار حقيقة الإسلام للآخر، والعمل على أن يكون من يمثل هذا الدين قدوة حسنة للغير".
بناءً على ما تقدم، نقول إنه إذا كان الحوار ضرورياً كحاجة راهنة، تخدم مصالح الشعوب بأكملها، فإنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار بعض الأمور التي يؤدي تحققها إلى حفظ مصالح جميع الأطراف، وهي أن الحوار لا بد أن يقوم على أسس معروفة، أو يُتفق عليها مسبقاً، ومنها على سبيل المثال لا الحصر عدم المساس بالمسلمات، وعدم إخضاعها لأي حوار أو نقاش، والموضوعية والبعد عن التعصب، كما يقتضي أن تتحقق أهلية معينة في المحاور وهذه قضية مهمة جداً؛ بمعنى أن يكون المحاور من ذوي الاختصاص، مع العلم أن الحوار فيما يتعلق بالأديان له خصوصية عن الحوار في مجالات أخرى.
أما من يحتجون بالآيات القرآنية سواء لتبرير الحوار أو لنفي أهميته، فإن عليهم الرجوع إلى المعنى الحقيقي للحوار والهدف منه، بغية النظر في مدى تطابقه مع الحوار الذي يجري اليوم بين الأديان، والتعمّق في تفسير الآيات التي يحتج بها في التأييد أو التصدي لهذا المشروع.
لا يختلف اثنان على أن الحوار والتواصل مع الآخر، مع التقيد بضوابط أساسية، لن يضر مصالح الشعوب الإسلامية، ولكن التساؤل الذي يُطرح هو: هل حوار الأديان هو خيار إسلامي، أم واقع فرض على الدول الإسلامية؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستزودنا باليقين حول ما إذا كان حوار الأديان، كمشروع يُنادى به الآن، يخدم مصالح شعوبنا ويحافظ عليها، أم هو كلمة حق أريد بها باطل؟.
خيرة ظهيري
منقول عن جريدة الغد الاردني
بتارخ 27/2/2009
ابحث
أضف تعليقاً