
الحمد لله ولي المؤمنين وناصر الصابرين ومؤيد المتقين، الحمد لله قاصم الجبارين والمتكبرين، الحمد لله "الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى"، كرامة لنبيه وتكليفا لأمته من بعده إلى يوم الدين.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عبده بعد صبر طويل، وأعز جنده بعد عناء عظيم، وهزم الأحزاب وحده بعد أن حاصرته من كل الجهات، فخاب ظنها وفشل حصارها.
والصلاة والسلام على إمام الدعاة الصادقين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، الذي سلمه الله مفاتيح الأقصى في السموات العلى، وجعله إماماً في الأقصى لكل انبيائه ورسله السابقين، مصداقاً لأخذ الميثاق على الأنبياء على اتباعه عند مبعثه، وليكونوا شهوداً على أتباعهم، بقضاء الله تعالى أن ترث الأمة الإسلامية امانة المسجد الأقصى بعد ختم النبوة، فالأمة المسلمة ورثت المسجد الأقصى من الأمم السابقة بأمر من الله تعالى في القرآن الكريم، فهي الأمة التي استحفظت الأمانة الإلهية في الشهادة على الناس بعد الأنبياء، فاستحقت أمة الإسلام أن تكون خير امة أخرجت للناس، بما استحفظت من الكتاب الكريم، وبما استأمنت عليه من مساجد الله في الأرض، وفي مقدمتها المساجد الثلاثة التي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم شد الرحال إليها، المسجد الحرام والمسجد النبوي وهذا المسجد المسجد الأقصى المبارك.
ورضي الله عن أتباع نبيه الصادقين من أهل بيته وصحبه ومن سار على نهجه واتبع سبيل المؤمنين إلى يوم الدين.
أما بعد
فيا أهل بيت المقدس الصابرين والصامدين طوبى لكم مقامكم ورباطكم، وطوبى لكم بشرى رسول الله لكم، أنكم أنتم ومن معكم في أكناف بيت المقدس، أنكم على الحق قائمين، لا يضركم من خذلكم، ولا ينتصر عليكم عدوكم مهما امتلكوا من السلاح والمال والتأييد الدولي الظالم، فالله القوي العزيز معكم وهو على كل شيء قدير ، فاصبروا في رباطكم وجهادكم وحمايتكم للمسجد الأقصى حتى يأذن الله بالنصر، فقد شرفه وحده دون بيوته في الأرض بان صلى فيه كل الأنبياء والرسل، وعظمه بان جعل إمامهم خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام.
أيها المقدسيون، ويا زوار بيت المسجد الأقصى، ويا مرابطي ومرابطات المسجد الأقصى
إن استهداف المسجد الأقصى في هذا العصر ليس بالأمر الجديد، فقد استهدفته الدول الكثيرة في التاريخ، ولكن الله تبارك وتعالى أراد لبيت المقدس مقصدا آخر ، ولذلك أنزل ذكره في القرآن الكريم وخلده، وجعله في وصايا رسول الله عليه الصلاة والسلام ومسراه، فقال تعالى:" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)"[الإسراء: 1].
والرسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك.
فسئل: يا رسول الله: وأين هم؟ قال:"ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس" ().
إن مقصد القرآن الكريم في سورة الإسراء أن يرتبط المسلمون بالمسجد الأقصى والقدس ارتباطهم بالمسجد الحرام ومكة، أي ارتباطا دينياً عقدياً، وإن مقصد السنة النبوية في حديث الطائفة المنصورة أن يرتبط وجود المسلمين كأمة بالمسجد الأقصى ()، وببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وان لا يخرجوا منها إلى يوم الدين، مهما تعرضوا للأذى، فما هو إلا لأواء.
أيها المقدسيون الشرفاء: إن المسلمين أمام عقيدة قرآنية إسلامية للقدس وبيت المقدس هي جزء من إيمانهم وعقيدتهم لا يكتمل الإيمان إلا بها، ولا يتحقق الانتماء للأمة الإسلامية بدونها، والمسلمون مجمعون في الماضي والحاضر على هذه الرؤية لأنها مستندة إلى أصل قرآني وبيان نبوي وإجماع من الصحابة رضي الله عنهم، وقد آمنت الأجيال المسلمة كلها بهذه الرؤية القرآنية الإسلامية، فلم يقع خلاف بين المسلمين على مكانة مدينة القدس الدينية، ولا على تفسير النصوص الدينية المتعلقة بالقدس عند كافة المدارس والمذاهب الإسلامية.
ولذلك فإن قضيتكم هي قضيتنا، وإن جراحكم في اجسادنا، لا تفضلاً منا ولا مناً، وإنما واجباً علينا وديناً، فقضية الأقصى وما تحمله من مشاعر إنسانية محقة، هي قضية امة لا تملك التنازل فيها عن دينها وعقيدتها وما كلفها الله به من امانة وعبادة.
أيها المقدسيون الأبطال
لقد تعرض سكان القدس على مر العصور إلى صنوف من الاضطهاد والتعذيب والقتل والتشريد، ولم يعرفوا الحرية الدينية ولا الأمان الاجتماعي ولا الاستقرار الاقتصادي ولا العدل السياسي إلا في العصور الإسلامية، فكانت العهود الإسلامية كلها عهود عدل وأمان وسلام، بداية من الخلافة الراشدة منذ ان فتحها الخليفة الراشد امير المؤنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلى العصور الإسلامية التالية الأموية والعباسية والأيوبية والمملوكية والعهد العثماني، الذي أولى القدس مكانة مقدسة وشأناً دينياً عظيماً، فقد كشف العهد العثماني أن شأن القدس مقدس، بسبب مكانتها الدينية أولاً، وبسب ما وجدوه لدى المسلمين والعرب تحديداً من محبة كبيرة للقدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة وغيرها من الأماكن المقدسة الإسلامية فيها، فعمل العثمانيون على الرباط فيها وبناء الأسوار والقلاع، وأخذ كل أسباب القوة والمنعة فيها.
لقد كان دخول العثمانيين للقدس سلمياً ودون إراقة دماء، وقد حدد تاريخ دخولهم لمدينة القدس في 28/12/1516م الموافق 4/12/922هـ، وبعد هذا التاريخ بيومين قام السلطان سليم الأول بزيارة خاصة لمدينة القدس، قبل ذهابه إلى مصر، وقد حافظت السلطنة العثمانية على الامتيازات الدينية الممنوحة لغير المسلمين في عهد المماليك، وأصدر السلطان سليم الأول منشوراً ترك بموجبه للروم حرية التصرف بكنائسهم والأماكن المخصصة لهم للعبادة ومزارع الزيتون وما شابهها من الممتلكات التي كانوا يمتلكونها مثلما كان يتصرف بها في السابق من قبل البطريركيات ، وقرر إعفاءها من الضرائب، ومنح السلطان سليم الأول طائفة الأرمن في القدس حق التصرف بمعابدهم مثلما كانوا يتصرفون فيها في عهد المماليك وضمان رعاية حقوقهم ، وأصدر في سنة 923هـ ـ 1517م منشورا رسميا يقر لهم بهذه الحقوق، أطلق عليه "الفرمان العثماني".
وقد حدد في هذا الفرمان الذي سَطَّره قاضي القدس بخطه كل حقوقهم وطُرُق حماية هذه الحقوق ومنع أي تجاوز عليها. وهذا الفرمان موجود في "خزينة أوراق" البطريركية الأرمنية في القدس الشريف. وقد قام سركيز قاراقو الأرمني بنسخه عن الأصل الموجود في مكتبة البطريركية الأرمنية في القدس، لقد كان هذا الفرمان العثماني مبني على العهدة العمرية التي بينت للمسيحيين واليهود حقوقهم وواجباتهم، ولذلك كانت بداية العهد العثماني في القدس الشريف عهد رحمة وامن وسلام لكل سكانها ولكل أهل الطوائف والأديان ما داموا مسالمين وغير معتدين على حقوق غيرهم، وقد قام العثمانيون بالكثير من عمليات البناء والعمارة والترميم والتجديد على غالبية أماكن القدس.
وفي الحرب العالمية الأولى دخلت القوات البريطانية مدينة القدس في الثامن من ديسمبر /كانون الأول 1917 م ، وغادرها كبار الأتراك بعد أن دام حكم العثمانيين فيها أربعمائة عام (1517 -1917 م )، وبعد خروجهم إنتهي الحكم العثماني للقدس لتبدأ مشكلة القدس الكبرى مع جيش الاحتلال البريطاني والتدفق اليهودي عليها ، ثم الاستيلاء عليها من قبل اليهود عام 1967 م، ومنذ ذلك الحين والقدس تتعرض لكل اعمال الخطف والعدوان والسرقة والحفريات التي تهدد المسجد الأقصى، وما اكثر ألما وقسوة ما يتعرض له أهلها من قهر واضطهاد وطرد، وهو ما يفرض على كل الدول الإسلامية وشعوبها مسؤولية نصرة الأقصى وأهلها، ويمنع عنها كل شر من غير المسلمين، فحال القدس والمقدسيين لا يمكن ان يبقى بهذا الحال المؤلم.
إن اخوتكم في تركيا عموما، وفي رئاسة الشؤون الدينية خصوصاً مسؤولية النصرة وصد العدوان، وهذه الزيارة لا تحمل إلا معنى واحدا وهو أننا منكم ومعكم، وما يؤلمكم يؤلمنا، وتقديم كل ما يلزمكم أمر واجب علينا.
لقد نسجت صلات القرب والقربي بين تركيا وفلسطين منذ ستة عشر قرنا قبل الميلاد أو يزيد، حيث كان مولود خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام في مدينة "أورفة شانلي" التركية، فهناك ولد وعاش وانزل الله عليه الوحي واختاره نبياً ورسولاً، وأراد النمرود الشرير به شراً وحرقاً، ولكن الله أراد به نجاة وخيراً، فانجاه من نار النمرود، وهاجر من اورفة إلى أرض كنعان وفلسطين، فاقام في مدينة الخليل الفلسطينية، وفي قصة إبراهيم عليه السلام قصص وعبرة لنا ولكم ولكل أبناء إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، فأولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه والذين آمنوا والله ولي المؤمنين، وهو سبحانه القادر على نجاتهم ممن أراد بهم شرا أو قتلاً أو حرقاً.
نسأل الله لنا ولكم النجاة والخير ، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وان يسدد خطانا وإياكم على طريق الطاعة والأخوة ونصرة الحق واهله.
واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيها الأخوة المرابطون في بيت المقدس واكناف بيت المقدس:
إن الرؤية القرآنية الإسلامية لمدينة القدس تؤمن أن الله تبارك وتعالى قد بارك هذه المدينة كلها بمباركته للمسجد الأقصى وما حوله، وان الله قد باركها للناس جميعاً وإلى يوم الدين، ولا تقوم هذه الرؤية على أساس جغرافي محض، وإنما على أساس أن الله تبارك وتعالى قد بارك هذا المكان، ومباركة الله تعالى له توجب على المؤمنين بالله وبالقرآن وبالإسلام أن يباركوا هذا المكان، والمباركة الدينية توجب أن يكون هذا المكان حَرَماً آمنا، وأن من دخله كان آمناً، ولكن لا أمان لمن لم يحفظ للقدس أمنها، فهو آمن بأمانه، وسالم بسلمه، وأما من يعتدي عليها فلا أمان له ولا سلام، فلا يكون الاعتداء إلا على المعتدين فقط، ولا يكون الاعتداء عليهم إلا بمثل ما اعتدوا به على المسلمين، والله لا يحب المعتدين.
لقد كان العصر العثماني من مثل العصور الإسلامية السابقة حريصاً على حفظ التعايش السلمي بين سكان القدس ، سواء كانوا يهوداً أو مسيحيين، وبغض النظر عن عقيدتهم أو طائفتهم الدينية، سواء كانوا من أهلها أو زائرين أو حاجين، وكما طلب المسيحيون الأوائل من الفتح الإسلامي حمايتهم من الاعتداءات الرومانية عليهم، فكذلك ينبغي على المتدينين اليهود في هذا العصر مناشدة المسلمين تولي شؤون القدس وحمايتهم والحكم بينهم بالعدل، إيماناً منهم بأن الرؤية القرآنية الإسلامية هي الحق، والتزاماً منهم بمضامين صحيفة المدينة المنورة والعهدة العمرية العادلة والفارمان العثماني الخاص بأهل القدس من الطوائف المسيحية، فهذا هو الحل الذي يحفظ القدس مدينة السلام لكل المؤمنين، بغض النظر عما يمتلكه أحد من الناس أو الدول من سلطة سياسية أو قوة عسكرية.
فالاحتلال العسكري للقدس لا يغير شيئاً من حقائقها، لأن القدس ستبقى في عقيدة الأمة الإسلامية ودولها وشعوبها عقيدة دينية وعبادة تكليفية، لا يملك رئيس ولا ملك التنازل عن شبر منها، وكل ما يجري عليها من عدوان على أيدي الصهاينة اليهود هو عدوان بكل المقاييس الدينية والقانونية، والحكومة التركية الحالية لا تقر أي تغيير ديمغرافي أو جغرافي أو ديني او سياسي يقوم به الاحتلال الإسرائيلي أو عصاباته المتطرفة، فقضة القدس ليست خاصة بالفلسطينيين ولا العرب ولا الأتراك وحدهم، وإنما هو شأن يعود للأمة الإسلامية كلها، كانت كذلك وهي كذلك وستبقى كذلك بإذن الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إن عيوننا وعقولنا وقلوبنا في تركيا وفي اسطنبول على وجه التحديد تتوجه في كل صلاة إلى القبلة الأولى بيت المقدس، لأنها في مسار توجهنا في الصلاة إلى الكعبة في مكة المكرمة، ولذلك كانت مزار كل حاج ومعتمر من الأتراك والعثمانيين، والقدس وفلسطين جزء من ذاكرة الشعب التركي المسلم، وبمناسبة هذه الزيارة الكريمة، وتوثيقاً لعرى الأخوة والصداقية فقد أحضرنا لكم وقف القدس في الإرشيف العثماني، وفيه أخبار الأقصى وولاية القدس أيام الدولة العثمانية، فمعرفة التاريخ الأخوي والديني والسياسي من اهم أسباب معرفة الحقائق، وتمييز الصديق من العدو، والتفريق بين الأصيل والمزيف، فالإرشيف العثماني شاهد تاريخي وثائقي صادق لهوية بيت المقدس ومكانتها عند العثمانيين لأكثر من أربعة قرون، وهذا الإرشيف الثماني يؤكد بعد إيماننا بالرؤية القرآنية والعقدية والتكليفية أننا في تركيا أمام مسؤولية لا نملك التخلي عنها إطلاقاً، فعزة القدس من عزتنا، وعزتنا من عزة القدس، لأنها جزء من إيماننا وعقيدتنا وتاريخنا وإرشيفنا وتراثنا، ولا نقبل ولن نقبل ان يتنازل احد من الفلسطينين او العرب أو الأتراك او غيرهم عن أي قسم من أرض القدس، فلا نتنازل عن عقائدنا ولا ديننا ولا تاريخنا، هذا موقف رئاسة الشؤون الدينية في تركيا، ولذلك لا نقبل ولن نقبل التقسيم المكاني والزماني للمصلين في المسحد الأقصى من غير المسلمين، فالمسجد الأقصى مسجد إسلامي منذ نشأته وإلى يوم الدين، ومن باب أولى أن لا نقبل أن تكون القدس عاصمة أبدية لليهود او الإسرائيليين.
نسأل الله جل وعلا أن يحمي المسجد الأقصى من دنس المعتدين، وأن يحفظ القدس والمقدسيين، وأن ينصر المرابطين والمرابطات ببيت المقدس وفلسطين، وأن يعين الأمة على أداء واجبها والقيام بدورها لحماية الأقصى وتحريره وكل الأراضي الإسلامية المغتصة، وان يرحم الشهداء ويشفى الجرحى، وأن يفك أسر المأسورين، وأنقل لكم سلام أخوة لكم من بيت المقدس من الذين حكم عليهم بالإبعاد عن القدس وفلسطين، ومنهم ثمانية أخوة لكم يقيمون في اسطنبول، فهم ينقلون لكم التحية والسلام، وكذلك أنقل سلام أخوتكم الأتراك لكم، وبالأخص من اهل اسطنبول، التي ترنو بعينها على القدس الأسيرة وكل مآسي المسلمين في الأرض.
وأقم الصلاة
ابحث
أضف تعليقاً