wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
خطبة الجمعة مشاكل وحلول/ أ.د.محمد القضاة/ عميد كلية الشريعة /الجامعة الأردنية

أ.د. محمد أحمد حسن القضاة

عميد كلية الشريعة -الجامعة الأردنية

      
الخطبـة وسيلة من أهم وسائل الدعوة إلى الله، وتبليغ دين الله، نالت في الإسلام عناية فائقـة، وأهمية بالغـة في مختلـف الأحوال والمناسبات، وخصت صلاة الجمعـة بالخطبة التي تعد شرطا في صحتهـا، لا تصـح صلاة الجمعة بدونها 
ولهذا تعظم مسئولية الخطيب لعظم الخطبة ومكانتها في الإسلام ولحاجة الناس إليها بين الحين والآخر " فالخطابة في الإسلام مظهر الحياة المتحركة فيه، الحياة التي تجعل هذا الدين يزحف من قلب إلى قلب، ويثب من فكر إلى فكر.
ما يجب على الخطيب التزامه ( الايجابيات والسلبيات )
وإذا كان الأمر كما ذكر فإن على الخطيب تجاه الخطبة مراعاة ما يلي:
 أولا: التزام هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة جاء في زاد المعاد للإمام ابن القيم رحمه الله فصل في هديه  في خطبته كان يقول: { أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة }. وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، وكان يخطب قائما.
{ وكان إذا تشهد قال: " الحمد لله نستعينه ونستغفره } وكان مدار خطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله، ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه. 
وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة الخاطبين ومصلحتهم، ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم. وثبت عنه أنه قال: { كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء }. 
وكان يقصر خطبته أحيانا، ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة، وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد ويحرضهن على الصدقة والله أعلم. 
ثانيا: التزام الحكمة والموعظة الحسنة: 
ولذلك يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير المنكر ". 
ولا يفهم من القول اللين والتزام الحكمة والموعظة الحسنة السكوت عن إنكار المنكر، ومجاراة الباطل وأهله، والمداهنة في أحكام الشرع كلا فإن على الخطيب أن ينصح لأئمة المسلمين وعامتهم ببيان الحق، ودحض الباطل، وبيان مكر الأعداء وما يدبرونه من المكائد، ويحذر من المنكرات الواقعة، ويبين عاقبتها. 
غير أنه ليس من الحكمة أن يقف الخطيب على المنبر ليشهر بالعصاة، أو يجرح الناس بأسمائهم، ويعلن في الناس أن فلانا فعل كذا أو كذا فهذا مخالف لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لم يعرف أنه كان يشهر ويجرح، بل كان كثيرا ما يقول ما بال أقوام يفعلون كذا. 
والإمام ابن رجب رحمه الله يذكر عن السلف أنهم كانوا إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبيننه فهي نصيحة ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: إن كنت فاعلا ولا بد ففيما بينك وبينه . 
ولا يخفى ما يؤدي إليه التجريح والتشهير من نفرة عن الحق وإصرار على الباطل، وشقاق وفرقة، ومفاسد كثيرة لا يتحقق معها مراد الناصح بل ربما حصل العكس وهو الدعاية لصاحب المنكر، فيتأثر ضعاف النفوس، ويزداد الأمر سوءا، كما لمسنا في المبالغة من التحذير عن بعض المنكرات التي أخذ الناس يتساءلون عنها، وأخذ السفهاء يتعرفون عليها، وعلى أماكنها، وأنواعها وربما وقعوا فيها بعد ذلك. 
ومن مقتضيات الحكمة أن يبتعد الخطيب عن إثارة الخلاف، لأن الخطيب الناجح يجمع ولا يفرق، ويصلح بين المتخاصمين من خلال الكلمات الجميلة التي يرسلها فتهدي ثائرة الثائرين، وتجمع بين المختلفين. 
ثالثا: مراعاة أحوال المخاطبين، واختلاف مداركهم وبيئاتهم. إن مراعاة أحوال المخاطبين أمر مهم لا يصح إغفاله، ومن لوازم ذلك اختيار الموضوع المناسب، والوقت المناسب، وعرضه بأسلوب يفهمه المخاطب، والحديث معهم على قدر عقولهم حتى لا يكون فتنة لهم فقد صح عن ابن مسعود  قوله: ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنه وصح عن الإمام علي  قوله: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله. 
ومن مقتضيات مراعاة أحوال السامعين أن يدرك الخطيب الفرق بين مجتمع المدينة، ومجتمع القرية فلكل منهما ما يميزه، ولكل منهما مشاكله الخاصة به، وإن كان يحصل أحيانا اتفاق في بعض المشكلات إلا أن كلا من المجتمعين له ما يميزه، فإذا كانت مشكلة الترف ظاهرة في المدينة فإنها ليست كذلك في القرية وإذا كانت القطيعة والخصومة ظاهرة في القرى فإنها ليست كذلك في المدينة. 
رابعا: أن يعتمد الخطيب على مصادر المعرفة الإسلامية الموثقة وأن يترفع عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والإسرائيليات المدسوسة والحكايات المكذوبة، والمبالغات المذمومة، وكل ما لا يسنده نقل صحيح أو عقل صريح، وأن تكون لغته هي الفصحى، ويبتعد عن العامية، والتكلف في الإلقاء، وأن يعد الخطبة إعدادا جيدا، ويوحد موضوعها، ويرتب الأفكار التي يطرحها بعيدا عن الارتجال الذي يبدأ صاحبه الحديث في قضية معينة، أو مشكلة محددة، ثم يختم الخطبة، وقد استعرض عدة قضايا أو مجموعة من المشكلات دون أن يحرر قضية، أو يحل مشكلة مما يسبب الملل للسامعين، ويضعف الثقة به. 
أما إذا أعد الخطبة إعدادا جيدا، وحفظ عناصرها، وجملة ما يريد أن يقوله وكان ذا دربة ومران على الإلقاء بدون الكتابة فإنه لا بأس بذلك، ولا يعد هذا في تقديري ارتجالا. 
ومن لوازم إعداد الخطبة أن يكون هو الكاتب لها، فلا تفرض عليه خطبة معينة يرددها ترديدا لا روح فيه، وقد تكون الخطبة الموجهة غير مناسبة للسامعين، ولا موائمة للوقت الذي تلقى فيه. 
خامسا: ترتيب الأولى، وتقديم الأهم من الموضوعات على المهم. تقدير الأهم على المهم، وترتيب الأولى من الموضوعات يعني وضع الشيء في موضعه فلا يؤخر ما حقه التقديم، أو يقدم ما حقه التأخير ولا يعظم الأمر الصغير أو العكس، وإن كانت أمور هذا الدين كلها مهمة. 
فإذا كان الخطيب في قرية أو مناطق نائية فليس من الفقه أن يؤخر الحديث عن أصول العقيدة، وشعائر الإسلام، ثم يبدأ بالحديث عن فروع المسائل، وليس من الفقه أن يتحدث معهم في النوافل قبل الحديث عن الفرائض، ولكن الفقه يقتضي أن يبدأ بالفرض قبل النافلة، وبالواجب العيني قبل الكفائي، ويحذر مما ضرره أكبر قبل التحذير مما ضرره أخف. 
وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه هذه القاعدة حين بعثه إلى اليمن فقال: { إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بنها وبين الله حجاب }. 
سادسا: أن تكون المصلحة في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر راجحة. يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل، وأنزلت الكتب. 
ويقول في موضوع آخر: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. 
وقد ضرب مثالا رائعا في قضية الموازنة بين المصلحة والمفسدة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك عبد الله بن أبي بن سلول، وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان ثم قال. فإزالة المنكر بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله  يقتل أصحابه. 
وقد تبين أن التعارض والاختلاط بين الحسنات والسيئات من أسباب الاختلاف العريض بين المسلمين، فقوم ينظرون إلى الحسنات فيرجحون تحصيلها وإن تضمنت سيئات عظيمة، وقوم ينظرون إلي السيئات فيرجحون تركها وإن تضمن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون من يقارنون بين مقدار المصلحة، ومقدار المفسدة، فينفذون ما غلب خيره وإن تضمن شرا، ويدعون ما غلب شره وإن تضمن تفويت خير قليل، وإذا التبس الأمر عليهم وقفوا حتى يتبين دون أن يلوموا غيرهم في هذه المواطن الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار النظار. وقد رأيت ضرورة التذكير بهذا لأننا نلحظ أنه عند إغفالها، أو الخطأ في تقدير الموازنة بين المصلحة والمفسدة أو بين المصلحة الراجحة والمصلحة المرجوحة، أو عند دفع أكبر المفسدتين بارتكاب أخفها يحصل من جراء ذلك جدل ونزاع شديد، واختلاف يصل إلى الفرقة والمخالفة ويوقع الناس في الحيرة والاضطراب، ولا يخفى ما في هذا من المفاسد. 
وهذه القاعدة كثيرا ما نحتاجها في أوقات الفتن، ونزول البلاء حين تتزاحم المفاسد، وتختلط الأمور على الناس، ويفتي الراسخون من أهل العلم بارتكاب أخف الضررين، ودفع المفسدة العاجلة والله نسأل أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن والله أعلم.

30/6/2011

 

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.