
ان الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب اليه ونؤمن به عليه ، ونعوذ بالله من شرور انفسنا ونتوكل وسيئات اعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ان لا اله الا الله وأشهد ان محمداً عبده ورسوله ، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته ، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله تعالى : من عمل صالحاً فلنفسه ومن اساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ، اما بعد :-
فإن أسمى صورة للنفس الانسانية أن تراها متحررة من كل لون من ألوان الخضوع والعبودية ، ماعداالخضوع والعبودية لله ، و قد حرص الاسلام على أن يصل بالنفس إلى هذا التحرر الكامل ، فحررها أولا من ذل الخضوع وعبودية السيطرة ، وحررها ثانيا من الخوف والقلق والاضطراب, وحررها ثالثا من عبودية القيم الزائفةوحررها رابعا من الهوى والشهوة والمتاع الزائل ، أما تحريرها من الخضوع وعبودية السيطرة ، فذلك بالقضاء على الوثنية ، في كل لون من ألوانها وفي كل مظهر من مظاهرها ، فالله هو الذي يملك الحياة والنفع والعطاء والمنع ، وعلى البشر أن يتصلوا به مباشرة ، والناس جميعا سواء في العبودية لا يتميز واحد منهم عن غيره إلا بالعمل الصالح ، وهو سبحانه يعطي الملك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء بمقتضى سننه في العطاء والمنع قال الله تعالى:( وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ).
وكما أوضح الاسلام هذه الحقيقة ، وعمق جذورها في النفس أراد أن يبرزها في واقع الحياة لتكون مشهدا يراه الناس ، فرسول الله (ص) يقول : " احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ".
وأعظم الناس منزلة من البشر هم الأنبياء وأكرم الخلق في الملأ الأعلى هم الملائكة 0 ومع ذلك لا يحل أن يتجه إليهم بأي معنى من المعاني التي تشعر معنى العبودية والخضوع ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكغر بعد إذ أنتم مسلمون).
وأما تحريرها من الخوف والقلق فقد حاول الاسلام أن يقضي على هذه المخاوف بعلاج أسبابها ، فقد يكون الخوف على الحياة أو الرزق أو الوظيفة ، فإذا كان الخوف على الحياة فإن ذلك يتنافى مع عقيدة الإيمان ، فإن الله هو واهب الحياة وهو يسلبها ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) ومهما حاول الانسان أن يفلت من قدر الله فهو ليس بقادر على ذلك ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ).
إذا فلا معنى للخوف على الحياة ما دامت الأعمار بيد الله وحده 0 وإذا كان الخوف على الرزق ولقمة العيش فإن ذلك لا يحل لمؤمن يعتقد أن الله هو الرزاق ، فالرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) وإذا كان الخوف على الوظيفة والمنزلة التي بلغها الانسان وهو يخشى أن تنتزع منه فان مصير الأمور إلى الله : ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم).
وأما تخليصها من عبودية القيم الزائفة فذلك أن الناس درجوا على تقديس الأنساب والأحساب ، وعلى إجلال المال والجاه والشهرة ، وإعطاء هذه القيم أكثر مما ينبغي لها من التوقير، فعمل الاسلام على وضع هذه القيم في مكانها الصحيح فهي ليست قيما ذاتية ، والاتصاف بها لا يرفع من قدر الخسيس ، وفقدها لا يحط من شأن الرفيع 0
فقيمة الانسان في عمله النافع الصالح وأدبه العالي ، وخلقه المتين ، وصلته بالله ، ونفعه للناس ، فهذه هي الفضائل التي تصل بالانسان إلى الكمال النفسي والسمو الروحي ، أما الحسب والجاه والمال فهي أعراض زائلة لا تكسب النفس زكاة، ولا تهب القلب طهرا يقول الرسول (ص) :" من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه " وبقدر ما يقدمه الانسان من الخير ، وبقدر مايتجنب من الشر ، بقدر ما يحقق من التقوى التي تصل بالمرء إلى منزلة الكرامة عند الله والوجاهة في الناس،(إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) والمال ليست له قيمة إلا من حيث أنه وسيلة للمطالب التي يحتاج إليها الانسان ، فإذا تحول إلى غاية فإنه حينئذ يكون قد خرج عن وظيفته الأساسية ، وقد وجه الاسلام نظر الانسان إلى هذه المعاني فقال رسول (ص) :" إن الله لا ينظر إلى صدوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وللغرائز والميول نزوات عاتية ، وكثير ما حالت بين الانسان وبين مثله العليا، وأهدافه النبيلة ، وقد حرر الاسلام النفس منها بالتزهيد في الشهوات، وحذره من مغبة اتباع الهوى، وأن على الانسان أن يعلو على رغبة لا تحقق نفعا ولا يتبعها مصلحة, (ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون).
إن الغاية التي يريدها الاسلام من الإنسان هي أن يحقق العبودية لله وحده، والعبودية لله هي أشرف وصف يوصف به العبد، ولا تتحقق العبودية لله إلا إذا تحرر الانسان من عبودية السيطرة وعبودية الخوف وعبودية الحسب والجاه والمال وعبودية الهوى وأصبح عبدا لله، هذه هي روح الاسلام ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ). وهذه هي الصورة التي يجب على الانسان أن يلقى بها ربه لينعم برضاه والقرب منه( إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ).
زاوية خطب الجمعة (د.محمد القضاة)
7/3/2009
ابحث
أضف تعليقاً