بقلم الدكتورة: نوال أسعد شرار
الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى المسؤولة عن تنشئة الأفراد على احترام القيم السائدة فيها واحترام الأنظمة الإجتماعية ومعايير السلوك والحفاظ على حقوق الآخرين ونبذ السلوكات الخاطئة, ولا يخفى على أحد أن موضوع الأسرة من القضايا العالمية التي زاد الحديث عنها مؤخراً على مستوى الدول والهيئات والمنظمات الدولية, وكل منها يحاول إيجاد صبغة جديدة مبتكرة للأسرة بعضها دعا إلى نبذ الأسر التقليدية وتطوير بنائها, والآخر دعا إلى تحريرها من القيود القانونية وإطلاق العنان لكل شراكة حتى وإن قامت على علاقة شاذة محرمة واعتبارها مجازاً نمطاً جديداً من الأسر, وبالمقابل يظهر المنهج الإسلامي المتوازن لتكوين الأسرة ورعايتها والحفاظ على أفرادها, هذا مع التأكيد على أن الأسرة هي أهم مؤسسة تربوية لتعليم النشئ, وهي الحاضنة الأولى لتعزيز القيم الأخلاقية.
إن الطفل في بداية حياته المعرفية بحاجة إلى أن يتعلم مُثُلاً وقيماً أخلاقية أساسية لحياته الفردية والاجتماعية مستقبلاً كما هو بحاجة إلى اللعب والترفيه, حتى لا يقع فريسة الضياع والاستهتار ويعيش سعيداً مستقراً, ولقد أثبتت الدراسات الإنسانية أن السعادة والاستقرار والنجاح الفردي وحتى الجماعي يرتبط بالسلوك الذي تحكمه القيم الأخلاقية, فهناك علاقة أبدية بين الأخلاق والسمو والارتقاء وبين الإنهيار والتدني الأخلاقي, قال تعالى: " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا " الإسراء/16.
وفي ما يلي سأبين في هذا البحث المتواضع معنى الأسرة كمجتمع تربوي ووظائفها ودورها في تربية النشئ وغرس المنظومة القِيَمية وتعزيزها.
الأسرة لغةً: الدرع الحصينة، وهي من الأسر، القيد والشد والحبس والاستسلام. وأسرة الرجل عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم. قال تعالى: “نّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ”الإنسان/28. وقيل من الأزر بمعنى المؤازرة.
الأسرة اصطلاحاً: هي رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة، ويتم فيها تنشئة الفرد اجتماعياً واكتساب معارفه ومهاراته واتجاهاته في الحياة.
أنواع الأسر:
يعتبر نظام الأسرة في الإسلام من أهم الأنظمة الاجتماعية الذي ما زال محافظاً على تماسكه بفضل تعاليم الإسلام السمحة الصادرة عن العقيدة الصحيحة المنسجمة مع الفطرة السليمة, وما نراه من تردي أخلاق بعض الأمم إلا بسبب ضبابية مفهوم الأسرة لديها وعدم تماسكها.
وعندما جاء الإسلام لم يكن للأسرة كيانٌ واضح أو أسسٌ متينة من الزواج الصحيح, ليس للأنثى فيها مهما كان موقعها مكانةً أو حظاً من العيش الكريم, تُوأَد البنت وتُظلَم الزوجة وتُقهَر الأم وتُصادَر حقوق الأخت, فوضع الإسلام منهجاً للأسرة يقوم على ميثاقٍ غليظ لا يخضع للأهواء, بيَّن فيه حقوق وواجبات جميع أفرادها, حث على الترابط الأسري وحسن المعاشرة وألزمها بوظائف عدة جعلها جزءاً من العبادة يُثاب فاعلها ويُعاقَب تاركها, وما كانت هذه الوظائف إلا لتوفير الجو الملائم لتنشئة الأفراد على منظومة عالية من القيم المستمدة من الأخلاق الإسلامية. فالأسرة المتماسكة تؤدي غرضها الشرعي والاجتماعي ذلك أن الأمومة والأبوة ليست واجباً فحسب وليست كذلك وظيفةً آلية وإنما هي علاقةٌ إنسانيةٌ حميمة تحيط بالفرد لينشأ متوازناً, توفر الراحة والسعادة لكل من انطوى تحتها. وتتجلى هذه الوظائف فيما يلي:
وبالمحصلة فإن تربية الأبناء على المنظومة القيمية فرض عين على الوالدين تأتي ضمن الأمانة التي حملها الإنسان بقوله تعالى: " إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ". الأحزاب/72.
تتشكل منظومة القيم من القيم الإيمانية والقيم الأخلاقية, التي تعد اللَّبِنات الأساسية في حياة الأسرة والأفراد, فالقيم الإيمانية هي المبادئ والأحكام والأصول الثابتة المستمدة من العقيدة وتمثل الدستور الذي يحكم علاقة الفرد بربه, وهي من الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان, والتي يجب أن يربى عليها الفرد وتظل معه طوال حياته.
أما القيم الأخلاقية فهي السجية والعادات الفطرية والمكتسبة التي تصدر عنها أفعال الإنسان في علاقته مع الناس وتُستَمد من القيم الإيمانية, أما عن السن المناسبة لغرس هذه القيم فقد أجمعت الدراسات التربوية التي أخضعت مراحل عمر الإنسان للدراسة قابليته للتربية في مرحلة الطفولة المبكرة والمتأخرة - وقال بعضها أنها قبل ذلك وهو جنين – , إذ بها تكون لدى الطفل قابلية التعلم والتقليد ومنها تتكون شخصيته المستقبلية.
ولذلك فقد اهتم الإسلام بالتربية على النهج السليم ورتب على الوالدين مسؤوليةً كبرى في هذا التعليم وعزز ذلك من خلال:
ومما يؤسف له اهتمام الإعلام بكافة أنواعه بنماذج وأنماط تربوية سلوكية بعيدة عن ثقافة مجتمعاتنا ومنهجها القويم اعتمدت ثقافات مستوردة تبعث على العنف والتفلت والاسترخاء والاعتماد على الغير، مما يعني نذير خطر على الأجيال القادمة, فلقد اهتزت أركان الأمة بغياب منظومة القيم ووهنت كافة مؤسساتها وعانى الكثير من اختلاط الأوراق وظهرت أنواعٌ من الفساد في كل مكان ووقع أبناؤنا فريسة إما للعنف والتشدد أو للتسيب والإباحية فكانوا بين فكّيِّ الروشنة والدعشنة.
إن منظومة قيمنا مستهدفة بالعديد من التحديات والشبهات والمؤتمرات لإحلال منظومة أخرى. إن منظومة قيمنا تمر بأزمة خانقة نتيجة تفشي ظواهر العنف والفساد والتحرش والفشل والمحسوبية والاتكالية وغياب روح المسؤولية والرشوة والسرقة. إن منظومة قيمنا مهددة بظاهرة العنف الأسري والجامعي والمجتمعي. إن منظومة قيمنا ضالة طوفان الغزو الثقافي الوافد من الغرب بقيمه المختلفة عبر وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة.
وأخيراً لا بد من التنبيه إلى أهم الأخطاء التي تقع فيها الكثير من الأسر:
وعليه فإن إعادة بناء منظومة القيم وتعزيزها لن تتحقق بعقد الندوات واللقاءات والمؤتمرات فقط فلابد من إرادة حقيقية من الجميع وتظافر جهود الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام وجميع المؤسسات التربوية, وأؤكد على دور الأسرة المستمر والمتواصل فإذا صح حال الأسرة صح حال المجتمع بأسره.
ابحث
أضف تعليقاً