wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
دور تيار الاعتدال فى مواجهة الغلو والتطرف

بقلم: منتصر الزيات

لقد كان النص القرآني واضحا في ترسم خطوات الاعتدال من قلب وصايا الاستقامة وهو يقول للنبي الكريم صلي الله عليه وسلم (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا، إني بما تعملون عليم) وقد رسم النبي صلي الله عليه وسلم خطا مستقيما علي الأرض ورسم خطوطا أخري متعرجة وغير مستقيمة وتلا قول الله سبحانه (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن طريقه)، الاستقامة وما تحتاجه من يقظة دائمة لعدم الخروج عن الطريق المستقيم قد تدفع إلي الغلو والتطرف والإفراط لهذا جاء التوجيه القرآني بعد الأمر بالاستقامة بعدم الطغيان، شدة التعبد والرغبة في اتباع النبي دفعت البعض ممن عاصروا النبي صلي الله عليه وسلم إلي اتباع التشدد بالإعلان عن الزهد والتقشف فقال أحدهم إني لا أنكح النساء وقال أخر وأنا أصوم الدهر وقال ثالث وأنا أقوم الليل كله، فعلم معلم الناس الخير هؤلاء والبشرية من ورائهم أن هذا السلوك المتشدد ليس من التدين الحقيقي وإنما هو من التدين المغشوش وأوضح أنه يصوم ويفطر ويقوم وينام وينكح النساء. ولقد كان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ملتزما بالنهج الوسطي الذي ورثه وتعلمه من رسول الله صلي الله عليه في فتنة الخوارج الذين رفعوا شعار إن الحكم إلا لله وقال عنهم هم إخواننا بغوا علينا، وأمر بقتالهم دفعا لضررهم وبالقدر الذي يكفي لرد الاعتداء فإذا ما أوقفوا قتالهم أوقف قتاله، تلك معالم لاستراتيجية ضرورية تعمل علي دفع غلواء التطرف والغلو والتكفير نحتاج إلي وضع بلورة واضحة لها فكريا وشرعيا وسياسيا حتي نتمكن من لملمة كل الطاقات الممكنة في صفوف الأمة وهي تبحث عن موضع قدم لها بين الأمم الكبري، وحتي نجنب بلادنا شرور الفرقة والتوتر والاستنزاف.
إعادة الاعتبار للإسلام في بلاد المسلمين: 
وتلك مهمة تحتاج إلي جهاد كلمة وفكر أصعب بكثير من الجهاد بالمعني العسكري الذي يحصر بعض المتشددين فهمه وعمله في حدوده، لن يكون للإسلام نصيب حقيقي من المهابة والاحترام في الخارج ما تتمكن الفصائل التي ترفع لواء الوسطية من ترسيخ مبدأ احترام الإسلام وإعادة الاعتبار لدوره في الحياة العامة وشرائعه ومنظومته القيمية في الداخل ، وهنا لا يعني قصر المهمة علي التيار الوسطي استبعاد التيارات الأخري من فصائل الحركة الإسلامية بل يعني أن النجاح في هذه المهمة مرهون بعوامل عديدة في مقدمتها القدرة علي إقامة توازن بين التقدير الواجب للإسلام كمرجعية وبين الفضاء الواسع الذي يعتقد هذا التيار أنه مقبول شرعا تحت سقف الشريعة دون تغليب لموقف مذهبي أو اختيار في قضية خلافية.
وإعادة الاعتبار للإسلام في داخل العالم الإسلامي يفرض علي من يتصدي له أن يبذل الجهد علي جبهتين: الأنظمة الحاكمة وفي بنيتها تأثيرات واضحة من التراث السياسي والثقافي الأوروبي تجعلها تتخوف من الدور المجتمعي والثقافي والسياسي للإسلام وتفضل تطويعه لخدمة أغراضها السياسية أو تهميشه تهميشا تاما، الجبهة الثانية هي جبهة المثقفين المتغربين الذين ينظرون للإسلام بمنظار استشراقي يتراوح بين الحياد البارد والعداء الساخن!
وغني عن البيان هنا أن التزيد والتشدد في التصور ينتج عنه تشدد في الفعل ما يؤهل التيار الوسطي لدور كبير في هذه المهمة حيث تستجيب الفطر الإنسانية دائما لمنطق الرفق واللين والرحمة بأكثر مما تستجيب لداعي التزمت والتضييق.
تأسيس النهضة الجديدة 
وتأتي في الأهمية تاليا مباشرة قضية إعادة تأسيس مفهوم النهضة علي أساس يقيم وزنا أكبر لقضية الإبداع كميدان للجهاد لنصرة الإسلام بحيث تتحول الطاقات الفاعلة في الأمة من التفكير في مواجهة الآخر بشكل واحد ووحيد توسع أفق نظرته صوب إبداع فكر وثقافة وعلم وتقنية وفن تدفع الآخر دفعا لأن ينظر للإسلام نظرة أكثر توقيرا إذ تنعكس عظمته في إنجازات أبنائه، فالإنجاز كمعيار للسعي لنيل رضا الله سبحانه وتعالي هو المعطي الذي يمكن أن يركز التيار الوسطي خطابه وعمله عليه، وهو ما يعبر عنه الداعية الإسلامي المعروف الشيخ يوسف القرضاوي بعبارة لطيفة يقول فيها إن المسلمين يعرفون كيف يموتون في سبيل الله ومن المهم أن يتعلموا كيف يعيشون في سبيل الله.
فالتخلف عدو للأمة في المفهوم الوسطي وهو وفق هذا المنظور عدو لا يقل خطرا عن أعداء الخارج دولا كانوا أو حركات ذات نفوذ دولي تستهدف الإسلام، فالخروج من شرنقة التخلف في الداخل يسبق الطموح لمنازلة أعداء الخارج. وهنا تصبح الأمة كلها قادرة علي المشاركة في صنع النهضة والقيام بفريضة الجهاد كل حسب طاقته وفي المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه، واتساع المفهوم يعني اتساع جبهة الجهاد وإتاحة الفرص لمختلف الطاقات التي يستبعدها المفهوم المتشدد للجهاد.
الفكرة قبل الفعل:
ومن المفاهيم الرئيسة في التصور الوسطي للنهضة الجديدة أن الفكرة تسبق الفعل ويترتب علي هذا بالضرورة حقيقة أن أهل الذكر و الذين يعلمون أجدر بمقعد القيادة من أهل الحماس وبالطبع فإن لكل منهما دوره وفضله، لكن اختلال العلاقة بين الحماس و العلم يؤدي لتبديد الجهود وأحيانا يؤدي لكوارث يحتاج إصلاح آثارها إلي الكثير جدا من الجهد فالنوايا الحسنة وحدها لا تضمن نجاح المسعي، بل يجب بذل أقصي الطاقة للأخذ بالأسباب الدنيوية حتي تطير النهضة بجناحين.
وإعادة التوازن للعلاقة بين الفكر والفعل يفتح الطريق أمام الأكثر كفاءة ليحتل موقعه الذي يستحقه وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام كل متميز لأن يطمح إلي أن يخدم دينه مطمئنا إلي أن عمله سيكون موضع تقدير حقيقي لا أن تغيب الكفاءات تاركة ساحة العمل الإسلامي لغير قليل من الأدعياء والمتحمسين المفتقرين للروية والطائشين المجردين من الخبرة فتكون الحصيلة هزيلة.
بناء الأمة لا الانقلاب علي السلطة
وتحت هذا السقف يتحرك التيار الوسطي مستهدفا في المقام الأول البناء الهادئ عملا بحديث الرسول الكريم: إن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي ، فالذي يبقي حقيقة هو بناء الأمة عبر تغيير ثقافي طويل المدي لا الانقلاب عل السلطة بأمل تغيير العالم بعمل واحد سريع عنيف، فالذي يقاوم في العالم منذ مائتي سنة حملات الاقتلاع العنيفة التي يشنها الغرب علينا بضراوة ليس النظم الحاكمة التي تخلي بعضها عن دوره في الدفاع عن هوية الأمة إما خوفا من العدو أو انحيازا له وليس التيارات المتشددة التي اتخذت موقف القاضي الذي يصدر أحكام الإدانة والبراءة علي المسلمين وفقا لاختياراته الفقهية وانحيازاته المذهبية بل الوسطية التي عملت لقرون علي الوقوف علي ثغر الدفاع عن هوية الأمة ولم تقصر الجهاد علي الدفاع عن حدودها.
ختام:
وفي الختام نؤكد أن الحركة الإسلامية لا يجوز أن تتخندق وراء اختلافاتها والتيار الوسطي بصفة خاصة يقدر لغيره من التيارات إيجابيات لا ينكرها إلا مجحف لكنه يصدح بما يعتقد أنه الصواب في قضايا خلافية ويحاول أن ينبه إلي مخاطر الميل عن الصراط المستقيم إفراطا أو تفريطا فالتساهل والتشدد في تقديرنا وجهان لعملة واحدة.
والله أعلم..
 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.