wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
دور كليــات الشريعــة في تصحيح المفاهيم للدكتور محمد الرواشدة

ملخص:

تتوسل  هذه الورقة  الإجابة عن الأسئلة الآتية :  

1- إلى أي مدى ساهمت كليات الشريعة في تصحيح المفاهيم خدمة للمجتمع، وتعزيزاً  لقيم المواطنة الصالحة؟

2- هل نحن راضون عن هذا الدور، وهل استطاعت هذه الكليات تأدية رسالتها داخل الحرم الجامعي وخارجه، وحققت الأهداف التي أنشأت من أجلها؟

كل ذلك ستتضمنه هذه الورقة  من خلال حزمة من الأفكار النظرية المستمدة من واقع التجربة والمشاهدة والتخيّل المعرفي.

  • وتُظهر هذه الورقة كذلك الرضا عما تقوم به هذه الكليات ،بالنظر إلى وجودها داخل مؤسسات علمية لها أنظمتها وإداراتها، وعدم استقلالية هذه الكليات مادياً، أو إداريا .
  • تدق هذه الورقة ناقوس الخطر بالقول أن هذه الكليات في الراهن المعاصر تحاك ضدها مؤامرات داخليا وخارجيا للحد من فاعليتها وتقدمها، وبخاصة في قضايا المناهج والمساقات التي تدرسها .
  • وترجو هذه الورقة كذلك من الباحثين وعلماء التربية والاجتماع أن يقوموا بإعداد دراسات  ميدانية حول هذا الموضوع حتى نخرج من إطار التنظير المعرفي للخلوص إلى نتائج مبتّناة على أسس علمية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

ينطلق عمل كليات الشريعة في الراهن المعاصر من تاريخ التعليم الإسلامي، إذ ارتبط إنشاء كليات الشريعة بمؤسسات التعليم الإسلامي عبر التاريخ، وهذا بدوره ساهم في تقدم كليات الشريعة وازدهارها ونمو معارفها لتصبح اليوم على ما هي عليه من قوة ومكانة علمية وتربوية هادفة.

لقد ظهرت منذ القدم مدارس حملت مباديء الإسلام وعقيدته وأخلاقه وأحكامه، فكانت دار الأرقم من أوائل المؤسسات التربوية والتعليمية في الإسلام، ثم غدا المسجد مؤسسة التعليم الأهلية والأساسية  والمعهد الأول للتعليم عند المسلمين، ولقد حث الإسلام على طلب العلم وارتياد مراكزه ومؤسساته، وشكل ذلك مظهرا أولياً لنشأة التعليم في بدايات الإسلام المبكر. وأصبحت المساجد –وبخاصة تلك التي تشد إليها الرحال- أفضل أماكن التعليم، كالمسجد النبوي الشريف والمسجد الحرام والمسجد الأقصى، ثم برز دور الجامع الأموي بدمشق ومسجد القيروان بتونس وجامع المنصور ببغداد ومسجد قرطبة بالأندلس وغيرها.

ومع ظهور الحاجة إلى أماكن للتعليم غير المساجد، فقد أُتخذت بيوت العلماء لتدريس علوم اللغة والدين، ونشأت "خزائن الكتب"لتكون رافداً للمعرفة وطلبها.

ومع التقدم الحضاري ظهرت بعض الجامعات كالجامع الأزهر في مصر وهو من أقدم الجامعات الإسلامية حيث أنشيء عام (359هـ) بهدف علمي ديني تربوي، وكذلك المدرسة النظامية في بغداد، ثم جاءت المدرسة المستنصرية وهي أول مدرسة متخصصة للمذاهب الإسلامية، وقد أدت دورها ورسالتها في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والإدارية.

وذكر لنا التاريخ أن الخليفة المأمون انشأ جامعة عربية عند فجر القرن الثالث الهجري (الربع الأول من القرن التاسع الميلادي)وكان ذلك تحت اسم "مدرسة المعرفة ببغداد"، وركزت هذه الجامعة على البحث العلمي الأصيل والمتقدم في الرياضيات والطب والفلك والفيزياء والكيمياء والفلسفة، إضافة إلى تدريس الشباب على استيعاب هذه العلوم وتهيئتهم لتولي المناصب الرفيعة في الدولة.

وبعدها عزم الخليفة المعتضد بالله(279-289هـ)على بناء مدينة للعلم  .

وشكلت هذه المساجد والمدارس مجتمعة"مدرسة العلم الإسلامية المجيدة"وانقسمت هذه المدارس (الجامعات) بسعيها ل"جمهرة المعرفة" والتي تحاول الجامعات اليوم في الدول المتقدمة لتحقيقها، واتصفت هذه المدارس (الجامعات) بالعراقة في الحفاظ على استقلالية كيانها، والمحافظة على حرمتهاٍٍ، ورعاية علمائها، وإنماء مقدرة طلابها العلمية، وأكدت هذه المدارس/الجامعات على تداول المعرفة العلمية، بين المدرب والمتدرب، وبين المعلم والمتعلم بأسلوب ديمقراطي يستند إلى الحوار، والأخلاق الإسلامية السامية، وتفاعلت-كما يلحظ من تاريخها- فيما بينها رغم حدة وضراوة الصراعات القائمة وقتئذ.

 وكان محور نمو هذه المدارس (الجامعات العلمية)مستنداً إلى حرم جامعي متكامل يضم حلقات تقرير العلوم، والعلوم الدينية منها على الخصوص، ومجالس المناظرة، ووفرة المكتبات، والدعم من بيت مال المسلمين، وللمقارنة فقط  تجدر الإشارة هنا إلى أنه عندما قرر ملك بريطانيا جورج الرابع إنشاء جامعة لندن خلال العقد الثالث من القرن التاسع عشر الميلادي، (أي بعد عشرة قرون من إنشاء جامعة المأمون ببغداد)نُصح بعدم فعل ذلك  ، ومن بين أبرز تلك النصائح رسالته لإمبراطور النمسا حملها سفيره في لندن إلى الملك البريطاني تقول :(ثمة مسألة واحدة أرجو أن تثيرها لدى إهتمام الملك قبل أن ترحل، وهي تتعلق بأمر تأسيس جامعة لندن، فلديك سلطتي أيها السفير كي تخبر جلالته باعتقادي المطلق بأن متابعة تأسيس هذه الجامعة سيجلب الخراب لبريطانيا).

2. وظيفة الجامعات بشكل عام

إذا كان العلم قلب الإنسانية، فالجامعات تشكل نبض هذا القلب، ويبقى هذا النبض قائماً ما دامت المثل الأكاديمية والعربية والإسلامية منها خاصة تنظم حياة الحرم الجامعي وتزكي فيه التوق للتطور والانفتاح ليتواءم البحث والتطوير العلمي من جهة، وتطبيق المعرفة الأصلية حول مسائل بقاء المجتمع ونماءه من جهة أخرى. وبين هذين الأمرين تظهر أولا وظيفة الجامعات، علما أن هناك جامعات رائدة (جامعات البحوث العلمية) و"جامعات أخرى يمكن أن نطلق عليها "جامعات التدريب والتعليم"وظهرت الآن ما تسمى (بالجامعات الخاصة) والتي يمكن اعتبارها انتهاكاً ل"براءة الجامعات الأساسية" حيث أن هدفها هو التنافس غير المحمود للحصول على التمويل والتجارة الربحية، وهذا ما يطلق عليه الآن في الحراك العلمي"بلقنة الجامعات"التي تحاول ضرب قواعد الإنجاز العلمي، والنشر الأكاديمي الرفيع، وتطبيق أخلاق وأعراف "دخيلة"لا تنسجم مع المثل الأكاديمية العالمية، وهذا كله يقود إلى "تدمير ذاتي" للعلم ، وظهر هناك اليوم الجامعات الافتراضية (جامعات إلكترونية أو التعليم عن بعد).

بيد أن الجامعات اليوم في العالم كله- وفي الأردن بخاصة- ما زالت تؤدي دوراً مهما ومتميزا في خدمة المجتمعات كما نصّت عليه قوانينها وتعليماتها، تحاول بحسب إمكاناتها التوسع  في  برامجها المختلفة تحقيقا لهذا الهدف.

وتكمن أبرز وظائف الجامعات في الآتي:

تتضح رسالة الجامعة في مثلث: إعداد الكوادر البشرية والبحث العلمي وخدمة المجتمع على النحو الآتي:

1. أنها مركز إشعاع ثقافي للمجتمع.

2. تعمل على معالجة أهم قضايا المجتمع والتفاعل معه داخليا وخارجيا.

3. تعمل على تعميق الديمقراطية الأكاديمية، وتنمية حرية التعبير عن الحقيقة ونشرها، وتعميق الفكر، وارتباطه بالواقع.

4. استنهاض همة أعضاء هيئة التدريس للبحث والتطوير وتفعيل دورهم في برامج التدريب والتعليم، وهذا الاستنهاض سيعود بالفائدة على الحرم الجامعي حيث سيساهم في إيقاظ الروح العلمية التي تشكل الحافز الرئيسي لتقدم المعرفة.

5. إظهار جاهزية الحرم الأكاديمي لقبول أراء المجتمع وتلبية حاجاته، وهذا يتحقق من خلال حوار جامعي داخلي ينظم فكراً أكاديمياً متجدداً إزاء المتغيرات الخارجية، وباتجاه حماية الحرم الجامعي بوصفه مؤسسة سامية للمعرفة والتدريب والتعليم، والتأكيد على أن الجامعة لا تضم مجتمعاً طفيلياً مستورداً، إنما ينطوي حرمها على جزء مميز حضارياً من هذا المجتمع (وهم أعضاء هيئة التدريس والطلبة).

6. النظر إلى عوامل التغيير المحيطة بالحرم الجامعي ومن ضمنها المجتمع ليتمكن الحرم الجامعي من إيجاد صيغ ومهام للعمل العلمي، وتطوير نمط الحرم الجامعي الداخلي ليتابع مسؤولياته على أفضل وجه، كتطوير صيغ لجامعات تأخذ أبعادا تنموية (أي جامعة تنموية)توفر بيئة مناسبة لتطوير الأجيال الشابة وفق نوعية رفيعة المستوى تتسم "بالفضول العلمي، والانفتاح الفكري، والمبادرة الحضارية". ونفي الاعتقاد الرسمي المسؤول عن التنمية الوطنية بأن الجامعات ليست إلا مؤسسة تعليمية حالها حال أي  مدرسة ثانوية تقوم بخدمة الدولة، وأنه ليس للجامعات مجال تفكر فيه بأنها شريك لها.

7. أن جوهر وظيفة الجامعة هو تثقيف المجتمع، وتوعية المواطنين في شتى ميادين العلوم، وبث الروح العلمية لتكون سلوكاً للمواطنين بحيث يرفض المواطن الخرافة، ويعظم دور العقل في المعرفة.

8. تأهيل المواطن للعمل المنتج وتشجيعه على امتلاك التقنية وإظهار قدراته على الإبداع والتطوير وحل المعضلات.وإشاعة جو عام من الإهتمام بالثقافة والأدب والعلم والتفكير المنطقي المنظّم.

9. المساهمة في حفظ أمن الوطن الاقتصادي والاجتماعي والعسكري وذلك بالتبصر العلمي في كل ذلك.ولا يكون ذلك-من حيث تحقق الأهداف- إلا باستخدام وسائل أهمها :

   أ-حوار الأستاذ مع الطالب حوارا مباشرا  وذلك من خلال ما يطلق عليه الإشراف العلمي على البحوث والدراسات والرسائل.

   ب- حوار الطلاب مع الأساتذة  حوارا جماهيريا وذلك داخل الحرم الجامعي ويتم من خلال التنظيمات النقابية والأكاديمية.

   ج- حوار الطلاب مع بعضهم، بدءا من الحوار الفردي وانتهاء بالحوار الجماهيري العلمي.

ونحن الآن مقبلون على عتبات "جامعة القرن الواحد وعشرين"وهي الجامعة التي تهتم بالبحث العلمي واستغلاله  لفائدة المجتمع،فلا بد من التأكيد على أن الحرم الجامعي لابد أن يدفع "ثمن التعليم"في تحقيق ما يأتي:

  1.  الحرية الأكاديمية وإدارة وجودة.
  2.  تنمية الأجيال تنمية كافية لصنع بقاء المجتمع وازدهاره مستقبلا.
  3.  تقرير أصالة البحث في ابتغائه الحقيقة العلمية .
  4.  استثمار نتائج البحوث العلمية في صنع التنمية الحضارية والإنسانية للإنسان والمجتمع.
  5.  توفير إطار حضاري،مدني،قادر على إمداد المجتمع بالمعرفة المنظمة.
  6.  النظر إلى أن أساتذة الجامعات يشكلون المحرك الحضاري الدافع لتقدم وتجدد وعطاء الحرم الجامعي أولا،والأمة ثانيا،لأن هناك علاقة متبادلة بين (تقدم أو تخلف) أي مجتمع وفاعلية  جامعاته.
  7.  وظيفة جامعة المستقبل هي صناعة شخصيات حرة مثقفة، مستقلة قادرة على تحقيق أمال مجتمعاتها، وتنمية الذات الفكرية والعلمية بحكمة لا تنفصم عراها عن الواقع دائم التغيير.
  8.  أصبحت الجامعات اليوم مصدراً متجدداً لتقرير رفاه الإنسان وحماية البيئة،وصنع تقدم المجتمع وتطوير بناء الديمقراطية الحقة فيه.
  9.  الجامعات اليوم أصبحت مؤسسات حضارية وظيفتها إنتاج المعرفة المنظمة وبيان فضل العلم.

3. دور كليات الشريعة في تصحيح المفاهيم

تُعدُّ كلية الشريعة في أية جامعة من أهم كلياتها باعتبارها تمثل النموذج والقدوة لباقي كليات الجامعة،وتستمد أهميتها من خلال وظيفتها في المعرفة ،والإصلاح الاجتماعي ،والتميز الأخلاقي داخل الحرم الجامعي أو خارجه.

ولذا تهدف هذه الورقة إلى التعرّف على دور كليات الشريعة في تصحيح المفاهيم السائدة والمقصود بالمفاهيم التصورات الكلية للمعارف والعلوم والسلوك (كمفهوم المواطنة، الحجاب، الإرهاب، التنمية، الجهاد، الاختلاط، المقاومة المشروعة، البيئة، العلم/التكفير، وحقوق الإنسان، وحقوق الأقليات، وغيرها من المفاهيم السائدة أو المتحركة أو الوافدة) وهو دور ملقى على عاتق أعضاء الهيئة التدريسية فيها وكذلك طلابها من خلال الممارسة داخل الحرم الجامعي أو في المجتمع.

والمقصود بكليات الشريعة: هي الكلية الأكاديمية التي تُعد  إحدى كليات الجامعة،وتقوم بتدريس ونشر الوعي الديني على أسس سليمة من خلال ما تطرحه من مساقات وبرامج وتخصصات أكاديمية (الفقه وأصوله، الدعوة وأصول الدين، الدراسات العليا)ومدة الدراسة فيها أربع سنوات لمرحلة البكالوريوس وهي كلية الشريعة بالجامعة الأردنية،وكلية الشريعة بجامعة مؤتة، وكلية الدراسات الفقهية والقانونية بجامعة آل البيت، وكلية أصول الدعوة بجامعة البلقاء التطبيقية، وكلية الأمير الحسن التابعة للقوات المسلحة الأردنية/ مديرية الإفتاء.

ويقصد بالمجتمع، مجتمع الجامعة (الحرم الجامعي)وكذلك جميع السكان خارج إطار الحرم الجامعي.

وقبل بيان دور كليات الشريعة في تصحيح المفاهيم لا بد أن نؤكد على جملة من المقدمات التي من شأنها أن تقود إلى النتائج السليمة.

أولاً:  يتوقع دوماً من العلماء، وبخاصة علماء الشريعة، في المجتمع-أي مجتمع- الإسهام في حل مشكلاته  وأن يتمكنوا من إيجاد الحلول، والأحكام  والمبادرات والابتكارات التي تساعد المجتمع في النهوض والرقي، وبخاصة في العصر الراهن الذي يشهد قيماً متغيرة، ومفاهيم ملتبسة وتضليل إعلامي ماكر.

ثانياً: ويمكن تلخيص دور كليات الشريعة بإتاحة الفرصة أمام الراغبين في دراسة العلوم الشرعية، والتعريف بحقيقة الدين الاسلامي وبالتفكر والثقافة الإسلامية المستنيرة، وتحقيق وحدة ثقافية مشتركة بين المواطنين بصرف النظر عن تعدد ألسنتهم وقومياتهم، ونشر العلوم الإسلامية المستندة على القرآن والسنة، أملاً في تحقيق الفهم الصحيح للإسلام ، ودفعاً للأغلاط المثارة حوله وسعياً إلى نشر الوعي والتنوير برسالة الإسلام وتراثه. وتقوية روح الإبداع والابتكار والنقد البناء والحوار والوسطية في العملية التعليمية والتربوية. ومواكبة التجديد في الفكر الإسلامي وتصحيح المفاهيم والتصورات الخاطئة عن الإسلام وتكوين الفهم الفقهي الصحيح.

وتدريب الطلبة على فهم الواقع وانعزال الأحكام عليه بطريقة صحيحة وربط هذه الأحكام بالمقاصد الشرعية.

ثالثاً: كليات الشريعة –الآن- تحت المجهر-داخلياً وخارجياً- لذا تأتي هذه الندوة لتدق ناقوس الخطر لتدارك التقصير،وتصحيح المسار،والانتباه إلى الخطر ومعالجته قبل وقوعه.

رابعاً: كليات الشريعة في الجامعات ليست جسماً غريباً في الحرم الجامعي وإنما هي تعمل في خط متوازن مع بقية الكليات،ولقد حاولت كليات الشريعة أن تتخلص من تناقضات الحرم الجامعي،وبخاصة الأفكار التي تبثها بعض الكليات الجامعية الأخرى (على سبيل المثال:كليات التربية،وعلم النفس، والاجتماع، والاقتصاد، والإدارة وغيرها) حول الإسلام وثقافته.

خامساً: هناك أصوات تنادي بإخراج كليات الشريعة من داخل الحرم الجامعي وإلحاقها بكليات خارجية تابعة للجامعة، بل هناك أصوات أخرى تنادي بتجميع كليات الشريعة في كلية واحدة وإلحاقها إما بجامعة واحدة أو تجميعها في مكان واحد تحت عنوان "كلية أصول الدعوة" أو غيرها من المسميات.

سادساً: حين الحديث عن مساهمات كليات الشريعة في خدمة المجتمع ينبغي أن تعالج الأمور بكل حكمة ودراية وبصيرة من أجل ردم الفجوة المفتعلة بينها وبين غيرها من الكليات.

سابعاً: حين نتحدث اليوم عن دور كليات الشريعة في تصحيح المفاهيم ينبغي ألا نتوقف عند الماضي وما أنجز فيه، وإن كان هذا الأمر حسنا، وإنما لا بد لنا من التطلع إلى مستقبل كليات الشريعة وما هو دورها في هكذا ظروف وملابسات.

ثامناً: تجدر الإشارة حال الحديث عن هكذا دور لكليات الشريعة أن ننبه إلى الصعوبات المالية التي تواجه كليات الشريعة لتحقيق أهدافها، وتنفيذ برامجها.

تاسعاًً: هناك طائفة من الناس ووسائل الأعلام تقوم ب "هجائية" كليات الشريعة، ونُذكر هؤلاء أن كليات الشريعة تخضع لنظام التعليم العالي وهي ليست مستقلة إدارة، وتمويلا عن الحرم الجامعي (الذي هو مؤسسة وطنية) لها إدارتها، وأنظمتها، وتعليماتها، فهي جزء من كل.

 

 

 

أما دور كليات الشريعة في تصحيح المفاهيم فيمكن أجماله في الآتي:

المتخصص في الشريعة الإسلامية- أساتذة وطلبة- هم دعاة خير وإصلاح في المجتمع الذي يعيشون فيه، وهم حملة الرسالة وسفراء العلم والنهضة.

_ إعداد الطلبة المزودين بالمعرفة والعلم والخبرة والمهارة لأن الناس اليوم أحوج للنصيحة في عالم متغير مضطرب، تناط به مهمة الإصلاح والدعوة والتبصير والترغيب.

_ لم يعد الدور الأساسي لكليات الشريعة مقصوراً على إظهار الحقائق والمباديء الإسلامية فحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى الممارسة والتطبيق وفقاً لأحكام الشريعة مما يخدم حاجات المجتمع ونموه وازدهاره. وهذا الدور ينصب على مجال التبليغ ونشر مبادئ الإسلام، وتوظيفها لتصبح منهج حياة.

_ إيجاد طلبة يفكرون ولا يحفظون ،ينتقدون ولا يسلمون، يجتهدون ولا يقلدون، يبتكرون ولا يجترون، طالب تجتمع فيه البصيرة النافذة والمعرفة اليقينية، ومعاينة الواقع المعاصر بدقة لتوجية الرأي العام في المجتمع نحو تحقيق مقاصد الشريعة وأهداف العقيدة وعدم الاكتفاء بالتصور النظري لأن الإسلام لا يكتفي بتوجيه الفكر دون الواقع أو النظر دون العمل.

_ إحياء روح الانتماء والمواطنة، وبيان التحدي الذي يواجه الأمة، وتأصيل فضيلة التنظيم الذاتي للفكر لدى الطلاب في الجامعة بشكل عام.

_ المساهمة في خلق دور إنمائي فاعل داخل الحرم الجامعي وخارجه لإيجاد بؤرة صالحة للبحث العلمي ومنطلق للتغيير الثقافي.

_ كليات الشريعة في الجامعات معنية أن تأخذ على عاتقها هدم الأسوار بين الجامعة والمجتمع (لتصبح الجامعة خادمة لمحيطها) وذلك لأجل المساهمة في مد الجسور المعرفية بين الجامعة والمجتمع.

_ لا تقتصر وظيفة كليات الشريعة على تعميم المعارف الإسلامية ونشرها فقط للقادمين على تلقي هذه المعارف، وإنما إضافة لذلك تمتد وظيفتها إلى رفع قدرة كل فرد على تلقي المعارف الإسلامية، والانتقال من حسن تلقي هذه المعارف إلى اغناء هذه المعارف بالإضافات الأصيلة والمبتكرة وبالتوجيه الحسن.

_ من مهمة كليات الشريعة إنشاء جيل واعٍ يحمل رسالة الإسلام فكراً وسلوكاً ومنهجاً ومعرفة وعملاً.

_ تنمية الثقافة الدينية والروحية للمجتمع من خلال تنظيم الندوات والمشاركة في المؤتمرات العلمية وإلقاء المحاضرات الدينية في المساجد والمدارس.

_ تصويب أخطاء الناس وبخاصة في أمور العقيدة، والأحكام الفقهية.

_ توضيح حقوق المسلمين على بعضهم من حيث المحافظة على الضرورات الخمس، (حفظ النفس، والدين، والعرض، والمال، والعقل.)

_ بيان فضل علوم الشريعة على المجتمع ودورها في رقيه وحفظ هويته.

4. دور كليات الشريعة في تعزيز قيم المواطنة

  • المواطنة نسبة إلى الوطن (وهو مولد الإنسان والبلد الذي هو فيه) .

  قال الجوهري: الوطن محل الإنسان. المواطنة تعنى المساواة بين المواطنين  بصرف النظر عن الاختلاف في اللون أو الجنس أو الدين  ، فالمواطنة علاقة في وطن وحالة شعور ورابطة تعايش ، وعادة ما تكون رابطة الجنسية معياراً أساسياً في تحديد أهمية المواطن وهي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة. والمواطنة حقوق وواجبات، ومبادرة الإنسان ومسؤولياته تجاه نفسه وتجاه الجماعة التي ينتمي إليها، والمواطنة في الإطار الإسلامي تركن إلى قيم الإسلام التي تحدد الحقوق والواجبات المتبادلة ولذا فهي مفهوم (المفهوم يحاكي الفكرة) وليست مصطلحاً (يحاكي اللفظ الذي يعبر عن هذه الفكرة) ، وتستند فكرة المواطنة في الفكر الإسلامي على مفهوم الجامعة وحرية المعتقد وفقه (المشاركة) وعلى المبادئ الأساسية وهي:

  1. مبدأ المساواة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
  2. مبدأ تكافؤ الفرص لكل الأجناس المنخرطة في الدين الإسلامي (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى)، وتوزيع المسؤولية على جميع الرعايا   (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
  3. مشاركة المسلم للخلافة أو الدولة في مهمة إصلاح المجتمع وهذه هي مقاصد الشريعة.
  • الإسلام أعطى أهمية خاصة للوطن فالانتماء للوطن يختلف عن الانتماء للطائفة أو القبيلة.
  • والمواطنة في الإسلام بنيت على نصوص ثابتة تؤكد على حقوق الإنسان وكرامته وحريته.
  • صحيفة المدينة كانت بمنزلة دستور يجسد مبدأ الشراكة في الوطن بين المسلمين وغير المسلمين، وتجسيداً لمبدأ الالتحام بالآخر ،وقد وضعت علاقة الإسلام بالآخر بين الممارسة والتطبيق ، وضمنت حرية الاختلاف في المعتقد الديني، وإقامة هذا المعتقد المخالف للإسلام وذلك كله في مقابل الولاء لدولة الإسلام.

ومن هنا يبرز دور كليات الشريعة في تعزيز قيم المواطنة:

  • كليات الشريعة لها دور من حيث التربية على المواطنة وتكوين الإنسان (المواطن) الواعي الممارس لحقوقه وواجباته في إطار الجماعة التي ينتمي إليها.
  • تعليم الطلبة أن المواطنة انفتاح متوازن (باعتبارها محضن للهوية وللخصوصية الحضارية).
  • وضع مفهوم المواطنة في إطارها الصحيح إذ المواطنة لا تُختزل في مجرد الشكل (هوية أو جواز السفر) وانما يجب أن تجسد في الغيرة على الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه، والمشاركة الفعالة في التنمية وتوضيح دوره العالمي.
  • ترسيخ أهداف المواطنة المتمثلة في احترام مقومات الوطن، الاندماج مع الجماعة بروح الإفادة والتعاون، قبول التعدد والتعايش الديني واحترام دستور الدولة وحب العمل والإنتاج.
  • تقوية قيم التسامح والتطوع والتعاون والتكامل الاجتماعي وروح الأمل واستشراف مستقبل أفضل.
  • التأكيد على أن المواطنة والمحافظة على أمن  الوطن واستقراره من أوليات الإسلام والدولة الإسلامية (وذلك من خلال الهجرة، بيعة العقبة الأولى والثانية) وأن المواطنة في الإسلام لا تقوم على الدين فقط (فالمواطن غير المسلم يقدم كل الواجبات مقابل بعض الحقوق) (الرسول-صلى الله عليه وسلم- يأخذ الزكاة من المسلمين في الوقت الذي يعفي  اليهود من كل شيء حتى الجزية ، ومن واجب الدفاع عن المدينة).
  • إشاعة ثقافة التنوع المعرفي والاعتقادي (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) وأن هذا التنوع عامل خصوصية معرفية، ويحث على عدم الانكماش على الذات، وأن هذا التنوع لا يؤدي الى الصدام والعنف .
  • يقع العبء على كليات الشريعة في بيان  أن أساس تشكيل الدولة في الإسلام ليس الدين فقط وإنما الأساس هو الخضوع للنظام العام ، ولذا ضمت هذه الدولة بين رعاياها (النبي محمد –صلى الله عليه وسلم-، والمسلمين من قريش (المهاجرون) والمسلمين من يثرب (الأنصار) واليهود (ليسوا مسلمين) ومن دخل في حلفهم (مشركي يثرب: الأوس والخزرج) وهؤلاء كونوا أمة واحدة، وهذا التشكيل كما هو واضح في وثيقة المدينة هو في الواقع أساس فكرة المواطنة ،  فالإسلام ودولته يستوعب الجميع (المتدين بوصفه ديناً، والمواطن بوضفه ملتزماً بالقانون) وغير المسلم الذي يعيش في دولة الإسلام من خلال ثقافته.
  • بناء قيم المواطنة من خلال المواد التي تطرحها كليات الشريعة (مادة نظام الإسلام، مادة الثقافة الإسلامية، مادة حقوق الإنسان في الإسلام  ومقدمة في الأخلاق ، والحوار وآدابه وغيرها). وهذه المواد كفيلة أن توضح مفهوم المواطنة في نفوس الطلبة وأن توجه الاتجاهات الوجدانيه للطلبة لبناء قيم المواطنة دون الانحصار في الجانب المعرفي.

5. وسائل تحقيق الأهداف

ثمة تفاعل دائم بين كليات الشريعة والجامعة داخل الحرم الجامعي من جهة، وبينها وبين المجتمع الذي توجد فيه من جهة أخرى، بل إن هذا التفاعل هو "الاعتماد" المتبادل الذي يمنح هذه الكليات قسيمة البقاء والاستمرار، ويمثل ظاهرة صحية ومفيدة للجامعات والمجتمع بل للأمة.

لذا تحاول كليات الشريعة أن تحقق أهدافها، وأن تؤدي دورها مستخدمة طرقا ووسائل أهمها:

  1. طرح مقررات أكاديمية (متطلبات جامعة اختيارية وإجبارية) تنطوي على تصحيح المفاهيم مثل مواد (الثقافة الإسلامية، ونظام الإسلام، ونظام الأسرة، حقوق الإنسان، المدخل إلى الفقه الإسلامي، علوم القرآن، علوم الحديث، السيرة النبوية وغيرها ).
  2. ومن خلال هذه المساقات تستطيع كلية الشريعة أن تُمكّن الهوية الإسلامية، وتزود طلبة الجامعة بالتعاليم الإسلامية الصافية والحقيقية، وترسخ مفاهيم عدم التبعية ( وبخاصة لجيل الشباب) لغير الإسلام.
  3. تقديم دروس ومحاضرات في المدارس ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى للتعريف بالأحكام الشرعية والمباديء العقدية.
  4. المساهمة في عقد الندوات والمؤتمرات والمهرجانات التي تهتم ببيان جوانب الفكر الإسلامي في شتى المسائل.
  5. المساهمة في نشر البحوث والمؤلفات للمواضيع المستجدة التي تواجه أفراد المجتمع وبيان موقف الشريعة منها (الاستنساخ، والعولمة، والتأمين، وزرع الأعضاء، والإدمان، والمخدرات، والإيدز، والمعاملات الاقتصادية المعاصرة).
  6. تقديم الوعظ والإرشاد من خلال وسائل الأعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.
  7. الاشتراك في عملية الخطابة يوم الجمعة في مختلف المساجد في المجتمع.
  8. المساهمة في إحياء المناسبات الدينية والوطنية (الهجرة، المولد النبوي، الإسراء والمعراج، فضائل رمضان، الاستقلال، وغيرها).

6. الخاتمة

ليس المهم أن نتحدث اليوم عن دور كليات الشريعة في تصحيح المفاهيم خدمة للمجتمع فهذا أمر نهضت به كليات الشريعة في كافة الجامعات والواقع يشهد أن دورها-فيما مضى- متميز وملحوظ ورائد سواء داخل الحرم الجامعي أم خارجه، ويمكن  القول  إن هذه الكليات هي حاملة مشعل الحراك المعرفي داخل الحرم الجامعي وخارجه من حيث عقد الندوات والمؤتمرات، وهي بحق متقدمة على غيرها من كليات الجامعة في أداء دورها وأنها تظهر دوما أن عملها مع هذه الكليات هو عمل تكاملي وليس تنافسيا.

ولذا علينا اليوم أن نحاول مقاومة (اضمحلال دور كليات الشريعة) وأن نساعد هذه الكليات أن تنجو بنفسها كمحتوى وكوجود، لأن هناك أسئلة تطرح بين حين وآخر وأهمها ما يقوله الناس اليوم" هل يمكن أن تختفي كليات الشريعة من الجامعات بحجة عدم الإقبال عليها ، أو تحت ذريعة تغذية الإرهاب أو الضغوط الدولية"

ولذا نحن معنيون في هذه الندوة ألا نكتفي بالجواب على عنوانها وإنما علينا أن ننطلق من هذا الجواب لنتلمس مستقبل هذه الكليات في ضوء الأحداث الجارية.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.