
في برنامجه الشهير700 كلوب على قناة ABC news الأمريكية العملاقة أعلن القس «بات روبنسون» أن الزلزال المدمّر الذي ضرب هاييتي هو العقاب العادل من الله لشعب هاييتي الذي تحالف مع الشيطان.
وتمام الحكاية أن هاييتي كانت من أوائل الجزر التي حطّ بها كريستوفر كولومبس وقد رزحت تحت الحكم الإسباني إلى أن سيطر عليها الفرنسيون في القرن السابع عشر، وفي عام 1697 اعترفت إسبانيا بالحكم الفرنسي على الجزيرة، وبعد نحو مئة عام من العناء والكفاح الوطني من أجل التحرير، وفي أعقاب الثورة الفرنسية ورياح الديمقراطية والتغيير هب الهايتيون على الحكم الفرنسي بقيادة الثائر الهايتي الأسود «توسان لوفتير» الذي قاد نضال شعبه واستولى على الحكم فيها إلى أن أرسل نابليون جيشاً ضارياً عام 1799 إلى هاييتي، حيث قمع الثورة واعتقل «توسان لوفتير»، وعند ذلك يقول القس «بات روبنسون»: إن الهايتيين تحالفوا مع الشيطان، الذي طلب منهم ترك المسيحية وعبادة الشيطان مقابل أن يذبحوا خنزيراً ويشربوا دمه على أن يرسل الشيطان طاعون الحمى الصفراء على الجيش الفرنسي، وبالفعل فقد فعلوا ذلك، واستولوا على الحكم عام 1803 ومات معظم أفراد الجيش الفرنسي واستحق الهايتيون غضب الرب وها هو الآن ينتقم منهم، وإن بطش الله لشديد!!
كان من المنطقي أن نُعرِض عن تصريحات كهذه، لأنها لا تحمل أية قيمة علمية ولا أخلاقية، وكان من المطلوب أن نتجاهلها وأن لا نروّج لها، ولكن ذلك في غير حالة «بات روبنسون»، فبات روبنسون لمن لا يعلم أشهر واعظ أمريكي، وهو مؤسس منظمة التحالف المسيحي الذي يقدّر أعضاؤه بمليون ومئتي ألف عضو، كما أنه مؤسس وكالة CBN العملاقة التي تبث في 180 دولة بنحو سبعين لغة عالمية للتبشير بالمسيحية وبشكل خاص بالمعمدانية الجنوبية التي شاركت بقوة في سياسات بوش في الشرق الأوسط ومنحتها البعد اللاهوتي الذي نفخ بقوة في كير الحرب، وقد بلغت شهرته حداً هائلاً في أمريكا حتى ترشح في مواجهة بوش الأب عام 1988 لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية!!
ولمن لا يعلم فإن «بات روبنسون» هو الذي تحدث عن رؤى إلهية لتأييد بوش في حربه ضد العراق، وفي عام 2006 صرّح أن الرب انتقم من شارون بالجلطة الدماغية، لأنه انسحب من جزء من أرض الرب «قطاع غزة» للكفار!!
وحين نروي تصريحاته على صفحات «البعث» فنحن لا نضيف كثيراً لهذه الفتوى الآثمة، ولكننا في الواقع نطرحها كنموذج على إنحطاط الثقافة الأخلاقية في أمريكا، وبالتالي نقدمها إشارة واضحة لمن يقوم في بلادنا بأداء الدور (الروبنسوني) نفسه من خلال الحديث عن غضب إلهي يكمن وراء كوارث الطبيعة، ويقدّم هذه الكوارث مناسبة لقياس صلاح الناس أو فسادهم.
أشعر بالخجل حين أستمع بين الحين والآخر إلى وعّاظٍ من الشرق يحملون نفس الرؤية، ويستخرجون من نصوص القرآن الكريم موارد انتقام وشماتة بأهل الكوارث في الأرض، وكأن الكوارث تنزل على مقياس رغائبنا، ومؤخراً قرأت موقعاً عربياً راح يعدد ما في جزيرة هاييتي المنكوبة من بارات وخمارات، ويتحدث عن معتقدات أهل هاييتي «الفاسدة» ويستخرج من ذلك وجوب نزول الغضب الإلهي على الجزيرة المنكوبة جزاءً وفاقاً!!
ينسى هؤلاء أن الكوارث الطبيعية جزء من شكل الحياة التي خلق الله فيها الإنسان في كبد، وأن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وأن طاعون عمواس حصد أكثر من ثلاثة آلاف صحابي من الفاتحين وعلى رأسهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، ومن غير المنطقي أن نبحث في جنائز الأموات عن موارد الشماتة بدلاً من أن نهب بالدافع الديني نفسه رحمة للعالمين، وفي الحديث القدسي ليس كل مصل يصلى، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، وآوى الغريب وأطعم الجائع وكسا العريان، أياً كان دينه وملته وتراثه.
لا نتصل بهاييتي من قريب ولا من بعيد ولا أظن أننا سنجتمع في النسب مع الهايتيين قبل قابيل وهابيل ولكن العالم اليوم صار قرية كونية واحدة، ومن اللؤم أن يشمت الإنسان بأخيه الإنسان، خاصة أننا ننتمي إلى الثقافة التي يصرح نبيها الكريم: الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وتشرق شمسه على الأبرار والفجار، وينزل غياثه على الصالحين والكالحين.
يؤلمني في كل كارثة تحيق بالإنسانية أن تهب منظمات الغوث الإنساني لتقف مع عناء الإنسان وعذاباته، ويتطوع أطباء بلا حدود وصحافيون بلا حدود وكذلك إغاثيون وممرضون وموزعون بلا حدود من كل العالم لتقديم العون والغوث، فيما يقف كثير من الواعظين في مكان العاجز الشامت يفلسف قانون الموت وفق أوهامه، ويضرب في الأرض للناس الأمثال.
القرآن الكريم يبدأ صفحاته الخالدة بكلمة (الحمد لله رب العالمين) ولم يقل رب المسلمين ولا رب اليهود ولا رب المسيحيين، ويختتمه بسورة الناس ولم يقل رب العرب ولا رب العجم ولا رب البربر، وفي القرآن الكريم أكثر من ألف إشارة لوجوب إصلاح الأرض والإحسان إلى أهلها: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾، ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾. 25/1/2010
ابحث
أضف تعليقاً