wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
سنَّة وشيعة: بين شوك المشهد وورد الذَّاكرة
الاثنين, October 25, 2010

«قلتم لي لا تدسس أنفك في ما يعنـي جارك.. لكنِّي أسألكم أن تعطونـي أنفي.. وجهي في مرآتـي مجدوع الآنف»

صلاح عبد الصَّبور

ويلي علينا، عليهم، نحن، أولئك الّذين انشغلوا واشتغلوا بدأب على اكتشاف المساحات والأعماق والقيم المشتركة بين الأديان، كما بين المذاهب الدِّينيّة.  خاصَّةً وأنَّهم، بعد انتشار الانترنت، قد تضاعف عددهم.. ولكنَّه تضاعف أيضاً وبوتيرة أسرع وأوسع، عدد الّذين كانوا معنيين بالبحث عمَّا يفرق لا عمَّا يجمع، وأكثرهم أقرب إلى الجهل، أغرتهم السُّهولة، وأقلهم أقرب إلى العلم، ولكن عقولهم كانت دون علمهم.  والمفارقة أنَّ الأخيرين أعلى صوتاً، وأشدُّ تضامناً وأكثر تعاوناً، على تعدُّدٍ في الأمزجة ووحدة الغايات والنَّوايا، في مقابل الأولين الأكثر علماً والأصفى سرّاً وسريرة، والأقل تضامناً...
وكلَّما تصدَّى أحد أو جماعة من هؤلاء الأولين إلى التَّهدئة والدَّعوة إلى التَّبصُّر والتَّقوى، تصدَّى له أولهم الآخرون المتوترون الموترون، والموتورون دائماً، وقذفوا  في وجوههم بنصوص تحتاج إلى تدقيق يكشف عادة بعدها عن صحيح الدِّين وتناقضها مع مقاصد الشَّريعة ـ قد أنتجتها محطات قلقة في تاريخنا غلب فيها الاستئثار السِّياسيّ على المشاركة، فمارست أثناءها السُّلطات السِّياسيّة وتوابعها من رجال الدِّين(1)، عزلاً قاسياً على المختلفين معهم أو عنهم، ما دفع هؤلاء إلى الانعزال رَهَباً، والمشاركة في إنتاج فقه وفكر العزلة الّذي يراكم الفوارق ويُولدها تخيُّلاً واختلاقاً.  ليتحوَّل، بالفعل وردِّ الفعل، الخلاف السِّياسيّ إلى فصال فكريّ وفقهيّ، وعقائدي، يسهل إغلاقه، وإنتاج الدِّين الموازي للدين، النَّاقض له في المحصلة، والتَّوسُّل به في تحشيد الجمهور وتغطية الجور، ما يصعِّد من وتيرة الجزع في طرف المعزولين، ويجعلهم خلف أسوارهم متربصين بالفرصة الّتي تمكنهم من الثَّار، لإعادة إنتاج العزل والإنعزال المضاد.
ولن يكون بإمكان الفاعل الأوَّل للعزل والفاعل الثَّانـي ردَّاً على الأوَّل وثأراً لنفسه، إلاَّ إذا تحوَّل المذهب (الّذي هو الذَّريعة شكلاً في الحالين) إلى بديل لذاته، أي شكلاً مجافياً لمضمونه، أي استبدال المذهب بالدِّين، ما يؤول إلى اللادين في النِّهاية.
عندما أقول اللادين، لا أريد أن أسلب الأفراد المتدينيين، أو المعالنين بالدِّين، أيّاً كانوا، وكان دينهم أو مذهبهم، نعمة شعورهم بالإيمان، أي أنَّني لا أكفِّر أحداً، حتَّى لو كفرنـي، ولكن هذا لا يمنعني من الشَّكوى المرَّة من التَّكفير الّذي يأتـي من جهة ما فيسد علينا كلّ الجهات.
ويلي.. ويلي علينا، فقد كنَّا نمارس اختلافنا وخلافنا، من رصيد معرفي ما، لا يجد سبيلاً إلى نموه، إلاَّ بطرح الأسئلة وتنشيط الحوار والجدل، أي أنَّنا كنَّا ننتج معرفة مشتركة بالشَّراكة، فيتحوَّل الواحد منَّا تلقائياً، إلى شرط معرفي للآخر، ويشترط الآخر لمعرفته، على أساس أنَّ الآخر هو مصدر السُّؤال، والسُّؤال هو مفتاح المعرفة.. ولأنَّ المعرفة الدِّينيّة تقتضي التَّسييل الشَّعبـي، بداعي الهداية، لا الجمهرة وتشكيل الأرهاط بل التَّبليغ بالتَّعميم (هدىً للنَّاس) كانت حركتنا بين أهلنا تساعدهم على اكتشاف شرطهم الوجودي في الآخر، وعليه كان يبتنـي العيش المشترك، الّذي هو مصلحة مشتركة وراجحة شرعاً.. بما هو، أي العيش المشترك اعتراف بالتَّعريف الإسمي لدى كلِّ مسلم لذاته ـ الشَّهادتان ـ وإلى أيِّ مذهب انتمى، ومن دون تدقيق في ما تحتويه من مبانٍ ومفاهيم فرعيّة، «هل شققت عن قلبه».. وعلى هذا درجنا على القول قال الفقيه الفلانـي أو المحدِّث الفلانـيّ، أو المتكلِّم أو الفيلسوف أو المؤرخ الفلانـي أو المفسِّر الفلانـي، وكان علماء الإسلام المتوحدون في كثرتهم، المتكثرون في وحدتهم، على موجب التَّوحيد، يشكِّلون مجالاً وفضاءً رحباً للقاءنا، من دون تشبث بإلزامية المعرفة الّتي تفضي في النِّهاية إلى تعطيل المعرفة.  وليس سرّاً أن عدداً من هؤلاء العلماء من أهل السُّنَّة، كانوا متهمين بالتَّشيُّع لدى المتعصبين من السُّنَّة فقط، وهم القلّة، وأنَّ عدداً منهم من الشِّيعة، كانوا متهمين بالتَّسنُّن لدى القلّة المتعصبة من الشِّيعة.. وكان البعض ملتبساً، أي متلبساً بكامل حقيقته الإسلاميَّة والإيمانيَّة، كجمال الدِّين الأفغانـي الّذي كان التباسه بين السُّنَّة والشِّيعة، وبين إيران وأفغانستان، توكيداً لانتمائه ووعيه لهذا الانتماء، ما رفعه إلى مصاف الرَّائد والمعلِّم لعلماء ومفكرين نصارى ومسلمين، وامتدَّ الأثر المحمود لهذا الالتباس الحميد، إلى نماذج من العلماء والمفكرين، لَم تلتبس هويتهم المذهبيّة، أو البعد المذهبـيّ من هويتهم المركبة، ولكنَّهم أطلوا على المذاهب الأخرى وأهلها إطلالة المؤمن بأنَّ الآخر مكمل للهوية.. هنا يقع الشَّيخ محمَّد عبده والشَّيخ محمود شلتوت ومعهما فريق جماعة التَّقريب، الّتي ازدهرت بالقاهرة المحروسة من أواسط ثلاثينيات القرن المنصرم إلى أواسط ستينياته، واستطاعت السَّماحة المصريّة، أن تمنح العالِم الشِّيعي الإيرانـي الشَّيخ محمَّد تقي القمي، وعن استحقاق، دور النَّاظم الكريـم المكرَّم.. فاستقبلت القاهرة ثلَّة من كبار علماء الشِّيعة الإماميّة والزَّيديّة والإسماعيليّة، والإباضيّة، مع فقهاء وعلماء المذاهب الأربعة، وبحثوا عن المشتركات في الفقه وأصوله وفي المنظومة العقديّة لكلِّ مذهب، واكتشفوا أنَّ كثيراً من الخلافات لا تعدو أن تكون لفظية أو مبنائية.. وكانوا على مفصل سقوط أو إسقاط الدَّولة العثمانيّة والتَّجزئة وارتفاع صوت الحداثيين على الوصفة الغربيّة، فبحثوا في التَّحدِّيات والمخاطر المشتركة والمصالح المشتركة والمصير المشترك.. وقرَّروا أن ينشطوا الجسم العلميّ الإسلاميّ والرُّوح الإسلاميَّة لإنتاج المضادات الحيويّة للإلغاء، واعتماد الممانعة بالتَّضامن ضماناً للسلامة أو الحدِّ من الخسائر.. ولمعت أسماء كالسيِّد محسن الأمين الّذي أصرَّ على أن يكون عالِم دمشق قبل التَّجزئة وبعدها، وعلى قلّة عدد الشِّيعة فيها وفي الدَّولة السوريّة الجديدة، فرفعه سنَّة دمشق وسورية، إلى مقام المرجعيّة للمدينة والوطن السوري كلَّه.. كما لمع اسم السيِّد عبد الحسين شرف الدِّين والشَّيخ محمَّد حسين كاشف الغطاء نجم مؤتمر القدس في أواسط الثلاثينيات، والشَّيخ عبد الكريـم الزنجانـي والشَّيخ سليم البشري والشَّيخ عبد المجيد سليم والشَّيخ عبد المتعال الصعيدي ومحمَّد علوبة باشا والشَّيخ محمود شلتوت.. ولَم تكن مجالس التَّقريب والتَّقارب تخلو من الشَّيخ حسن البنا.. وامتدَّ الأثر إلى جيلٍ ثانٍ كان من أسمائه القريبة إلى العقل والقلب والنَّاس الشَّيخ محمَّد الغزالي والشَّيخ أحمد حسن الباقوري والشَّيخ عبد الكريـم الخطيب والشَّيخ محمَّد محمَّد المدنـي والشَّيخ محمود أبو رية والشَّيخ عبد المقصود شلتوت والشَّيخ السيِّد سابق الخ... وعندما صدر كتاب الحالة الدِّينيّة في مصر، عن مركز الدِّراسات الاستراتيجيّة في الأهرام، قبل سنوات، بإشراف الأستاذ نبيل عبد الفتاح، اكتشفنا أحد أسرار مصر والأزهر والّذي لا يكفي في تفسيره مركزيّة ضريح الحسين ومسجده ومسجد السيِّدة زينب في القاهرة عمراناً وعامرين، ولا مركزيّة أهل البيت في التَّكوين المصري، اكتشفنا مؤشِّراً علمياً على الرَّحابة المصريّة، وهو أنَّ هذا الأزهر الشَّريف لا يقلُّ عن خمسة عشر من مجموع شيوخه العظام، عدد الّذين لَم يكن لهم مذهب فقهيّ خاص.. والعالَم الّذي لا يعرف له مذهب هو أقرب إلى طبيعة النَّحلة، الّتي تختار، عن دربة ودأب وهمَّة وكفاءة، من الزَّهر ما كان غنياً بالرَّحيق، تحيله عسلاً، بإذن اللَّه، من دون أن تسأل زهرةً أو وردةً عن اسمها.
هنا أجدنـي ملزماً بفتح الذَّاكرة على جماليات الماضي القريب والبعيد في مقابل البعض الّذي يخلِّع أبواب الذَّاكرة ويشرعها على سلبيات الماضي اغتيالاً للحاضر والمستقبل، وتواطؤاً ضمنياً، مع من يدَّعي عداوتهم لعدواتهم للإسلام والمسلمين!
لقد كنت منذ أوائل السِّتينيات من القرن الفائت إلى أوائل السَّبعينيات منه، طالباً في حوزة النَّجف وفي كليتها النِّظاميّة (كلية الفقه) الّتي أصرَّ مؤسِّسوها من كبار علماء النَّجف ورواد التَّطوير الحوزوي ودعاة التَّقريب أن يجعلوها مضمار شراكة علميّة، فكان نصف أساتذتها أو أقلّ أو أكثر، لا أدري، وبعض فقط من زملائي يدري، كانوا من السُّنَّة، ومن بين هؤلاء كان العالِمان المصريان الكبيران الدكتور حسين نصَّار والدكتور عبد اللَّه درويش، وفي أوَّل الستينيات تلك، كان قد سافر وفدٌ من علماء النَّجف بقيادة الشَّيخ محمَّد رضا المظفر إلى فاس للمشاركة في مؤتمر علميّ إسلاميّ، وحصل نوعٌ رفيع المستوى من التَّبادل العلميّ والتَّكاشف والكشف المتبادل للمحصول العلميّ لدى علماء الشِّيعة والسُّنَّة معاً.. وعاد المظفر، عميد كلية الفقه وقتها، ليصرَّ على زميله ورفيق دربه السيِّد محمَّد تقي الحكيم، لتدريس الأصول المقارنة والفقه المقارن، ما كان ثمرته سفراً جليلاً يدرَّس حتَّى الآن في عددٍ من كليات الشَّريعة في العالَمين العربـيّ والإسلاميّ.
وانفتح الباب واسعاً بين النَّجف ورصيفاتها في الأزهر والزَّيتونة والقرويين وغيرها.. وأصبح السيِّد محمَّد تقي الحكيم رسول النَّجف ومراجعها الكبار إلى المؤتمرات العلميّة المفتوحة والمنفتحة، وتَمَّ اختياره بناءً على كفاءته المشهودة عضواً في أغلب المجامع العلميّة واللغويّة العربيَّة.
ومن النَّجف إلى قم في نفس المرحلة الزَّمنيّة، والّتي انصرف مرجعها الأعلى السيِّد حسين البروجردي لمدَّة أربع سنوات عاكفاً في أصفهان على التَّبصُّر بفقه المذاهب الأربعة ليعود بعدها إلى الحوزة يعدُّ المجتهدين على أساس تأسيس الفقه الإسلاميّ المشترك، لا فقه المذاهب المنفصلة أو المتفاصلة، ودخلت عناوين ومباحث ومفردات جديدة مع أدب حواري عالٍ، في حلقات الحوزة ما أثَّر في منهجيّة ورؤية كثيرٍ من تلاميذ البروجردي الّذين أصبحوا من كبار العلماء والمراجع، وما زالوا حتَّى الآن دعاة تقريب على موجب التَّأصيل الفقهيّ والشَّراكة، لا على أساس الخطاب المنبري.. وعلى مدى قرنٍ من الزَّمان أصبح الكتاب السُّنـيّ المعني بهموم المسلمين وفكرهم، جزءاً أو أساساً في الثَّقافة الحوزويّة في النَّجف وقم معاً.  هذا الأمر كان متصلاً بمفصل أو متحوَّل كبير التقت فيه الثَّقافة بالفقه والسِّياسة والعقيدة قراءة للماضي والحاضر واستشرافاً للمستقبل، أعني محطة الثَّورة الدستوريّة الّتي انطلقت من استنبول، وكان صداها عظيماً في النَّجف وقم وبغداد وطهران، وفي الوسط الشِّيعيّ على الخصوص... وهناك تفاصيل لا يتسع لها هذا المقال.. ومنها أنَّ رسالة أرسلت من قبل كبار مجتهدي النَّجف إلى السُّلطان العثمانـيّ محمَّد رشاد، إثر إعلانه الالتزام بتطبيق الدّستور، وخاطبته بلقب (الخليفة) باسم الشِّيعة، في حين كان هؤلاء العلماء المجتهدون قد أرسلوا برسالةٍ أخرى إلى السُّلطان القاجاري الشَّاب محمَّد علي هدَّدوه فيها بالثَّورة عليه ووصفوه بالمجنون لأنَّه تقاعس عن تطبيق الدّستور ومنع انعقاد مجلس النُّواب المنتخب على أساسه..
ومن هنا إلى الذَّاكرة البعيدة.. ومشكلتنا أنَّ مثالنا وراءنا لا أمامنا.. وأنَّنا نتكلَّم كثيراً عن المستقبل ولكنَّه يفلت يوماً بعد يوم من أعيننا وأيدينا بأيدينا أوَّلاً.. وفي حين أنَّه ليس بين أيدينا إلاَّ الماضي.. وكلَّما بعد أكثر تألَّق أكثر.. وصولاً إلى العهد الرَّاشدي، عهد المشاركة على اختلاف، وإلغاء المشروعات الخاصَّة في سبيل المشروع العام... إلى البعيد، إلى الجذور الّتي تحتاج إلى نقد لكشفها.. لا إلى جهل لنقضها.. إلى الجذور علَّنا نعيد ترميم الجسور ونضع حدَّاً للقطيعة المستشرية وما يترتب عليها من تصحُّر فكريّ ودم حرام وخراب عميم.
إلى القرن الذَّهبـيّ، القرن الرَّابع الهجريّ، الّذي ازدهر فيه العلم والعلماء قبل السَّيطرة السلجوقية الّتي عطَّلت كلَّ شيءٍ تقريباً... كبار علماء الشِّيعة الّذين يعتبرهم الشِّيعة مؤسِّسين للمنظومة الفقهيّة والفكريّة الشِّيعيّة بعدما كان الأمر منوطاً بالأئمة وبعدما غاب الثَّانـي عشر منهم غيبته الكبرى.. وأهمهم المفيد والمرتضى والطوسي.
ولا أريد أن أطيل، فقد قرأت لائحة أساتذتهم وتلامذتهم، فوجدت نصف هؤلاء ونصف أولئك من علماء السُّنَّة.. هذا في ظلِّ مساحة من الحرية العلميّة والرَّغبة المعرفيّة، وصلت إلى حدِّ خلط الأمور واختلاطها على الجهلاء ووضوحها لدى العلماء، فكان الشَّريف المرتضى الملقب بعلم الهدى عند الشِّيعة وأستاذ شيخ الطَّائفة الطوسي، وتلميذ الرَّائد فقهاً وكلاماً وحديثاً، الشَّيخ المفيد، كان متهماً بالاعتزال، وما زال الجدل مستمراً حتَّى الآن حول هذه المسألة، وإن كان عدد من باحثي الشِّيعة ينفون عنه ذلك مستندين إلى كتاب له يصلح لنفي التُّهمة، ولكن علماء شيعة آخرين، يصرُّون على قراءة السيِّد المرتضى من مرصد اعتزالي مستشهدين ببعض كتبه (أمالي المرتضى خصوصاً).. وقد بلغ الإنحياز لهذه المسألة لدى أحد كبار علماء الشِّيعة وأدبائهم في العراق (الدكتور عبد الرزاق محي الدِّين) أن يختار الشَّريف موضوعاً لأطروحته في الدكتوراه في جامعة القاهرة تحت إشراف الشَّيخ أمين الخولي مولياً هذه المسألة جلَّ اهتمامه بحيث كتب منفعلاً معلِّقاً على أحد نصوص المرتضى قائلاً: «ماذا يكون هذا إن لَم يكن اعتزالاً في الاعتزال؟» هذا وعندما وجد السيِّد المرتضى نفسه وتلميذه شيخ الطَّائفة الطوسي مؤسِّس النَّجف (ت 461هـ) أنَّ عدداً من العلماء الشِّيعة في ذلك القرن وعلى رأسهم ابن الجنيد المعروف بالإسكافي قد اقتربوا جدّاً جدّاً من المذهب الحنفي من حيث القول بالرَّأي والعمل بالقياس، لَم يستفزهما ذلك، ومع توكيد الخلاف معهم، امتدح الطوسي ابن الجنيد ومستواه العلميّ.
ألا يكفي هذا حتَّى نكفَّ عن تحويل المذاهب من روافد أو فروع إلى نقائض وأطر نمطية تؤدِّي أي دراسة متأنية لحركيتها الفقهيّة والفكريّة إلى الجزم بأنَّ التَّعدُّد داخل كلِّ مذهب منها يفوق كماً وكيفاً مستوى التَّعدُّد فيما بينها؟.. وإذا لَم يكن ذلك يكفينا ويرد عنا عن الشِّقاق والوقوع في أحابيل سفهائنا، أفلا يكفينا ما يجتاحنا من أخطارٍ خارجيّة نغذيها بما نضيفه إليها من تبادل للجهل والتَّجاهل بوابتـي الفتنة الّتي لا تبقي ولا تذر؟ ولن ينتصر فيها منتصر منَّا وإن غلب لأنَّه المغلوب والغالب هو الثَّالث الّذي إن ارتدعنا عن بعضنا بعضاً ردعناه وحولناه من غولٍ إلى شريك حضاريّ في شراكة حضاريّة نعدُّ أنفسنا لها معاً.. أو لا نكون؟
وهنا يحضرنـي ما رواه التَّاريخ من أنَّه عندما كان مصعب ابن الزبير وعبد الملك ابن مروان يتقاتلان على السُّلطة جاء وجهاء الروم إلى ملكهم وحثوه على اغتنام الفرصة والحملة على العرب فلم يصغِ إليهم وعندما ألحوا عليه ولجوا في طلبهم أتـى بكلبين وأرش بينهما فاعتركا وأثناء عراكهما أتـى بثعلب وأطلقه على مرأى منهما فتركا عراكهما ولحقا بالثَّعلب.. عندئذٍ تراجعوا واستحسنوا رأيه.
ثُمَّ ويلي علينا الآن.. نحن رجال الدِّين السُّنَّة والشِّيعة، ويلي على العلماء والفقهاء الملتبسين بأشباههم بسبب الفوضى والاستنفار المذهبـيّ والهياج الغرائزيّ.  من المحيط إلى الخليج ومن طنجة إلى جاكرتا.. فقد أصبحنا من حيث ندري ولا ندري.. لا نقول قال الفقيه أو العالِم، لنتناقش ونوافق ونخالف ويعود كلٌّ منَّا إلى وازعه ورادعه وحبِّه وتوحيده وصلاته ودعائه الّذي إن لَم يعم كان غمَّاً.
نعود إلى أصولنا، إلى مقاصد شريعتنا، إلى موارد الاحتياط (الدَّم والعرض والمال) الّتي تتعرَّض لانتهاك من الطَّامعين وانتهاك موازٍ من الموتورين والمتوترين والموترين من المتطرفين الّذين يستقطبون كثيراً من المعتدلين الهشين ويرعبون من لا يساوم على اعتداله ووسطيته وتقواه.. ونقول ما يقوله السِّياسيّ، وأنا لست ضدَّه، ولكن أن يقودنـي حتَّى في الدِّين فهذه مفارقة قاتلة.. وبذلك تصبح حالنا فعلاً وفعالاً جزءاً مؤثِّراً بالدَّرجة الأولى في الهبوط إلى الدرك الأسفل الّذي هبطت إليه لغة طلاب جامعاتنا وتلامذة مدارسنا وحوزاتنا وأمهاتنا وبناتنا والرُّضع من أطفالنا ومؤذنـي مساجدنا وقرَّاء قرآننا وكاتبـي شعرنا وأدبنا، في الحديث اليومي والابتهاج بما لا يبتهج العقلاء به فضلاً عن المؤمنين، مِمَّا يعمِّق الانقسام ويعمِّم النِّفاق الّذي دخل إلى حياتنا الأسريّة وكلِّ مجالات حياتنا، حتَّى بات على من يلتمس السَّلامة أن يلزم نفسه بأن يكون «حلس بيته»... أمَّا مادة علمنا وحوارنا وسجالنا فهي ما نلتقطه من أوبئة الفضائيات وارتجالات وإقذاعات منتحلي الصِّفة من المحلِّلين والخبراء السِّياسيين والاستراتيجيين والمذيعين الّذين يدخلون على موضوعاتهم وكأنَّهم آتون من كوكب آخر... وهذا الجهل الّذي يعمُّ الآن.. أصبح اسمه علماً وأدباً وإعلاماً وتعبئة وتوعية وموعظة وفكراً وسياسة ووطنيّة وقوميّة وإسلاميّة وشيعيّة وسنيّة.. والويل لِمن يعترض، إلاَّ حيث يكون الارتكاب المقابل.. هذا الانفلات المحجَّب أو (المزلَّط) أو الملتحي أو المخنَّث (وعذراً) أصبح اسمه ديناً!!! ويا للَّه لدين اللَّه!!! ويا للَّه الأعلم للعلماء الّذين يستقيلون من علمهم ليصبحوا علماء (شباك) لأنَّ الجمهور (عايز كده)!!!
لـي في النِّهاية سؤالٌ ساذج أو متأخر.. ولكنِّي أريد أن أحصِّن نفسي بطرحه، لأنَّ نفسي الأمارة بالسُّوء تنازعنـي وتكاد تغلبنـي وتورطنـي وتخرجنـي من ذاتي وعلاقاتـي، وقد أرهقتنـي واضطرتنـي لأن أبذل جهداً مضنياً ومتفاقماً في مغالبتي لإغراء العصبيّة الذَّميمة، (المغرية) كما تغريك خضراء الدِّمن.. إنَّ الضَّغط اليومي وحاجتك إلى الجماعة تجعل الإغراءات إملاءات.. وأنت في الوسط، ما يعني أنَّك معرَّض لإملاءات متناقضة حتَّى الموت.. إملاءات، إملاءات.. صبح مساء.. ولا تعترض.. وإلاَّ فأنت كالنَّعجة الشَّاذة من قطيعها، يأكلك الذِّئب، والذِّئب هو الآخر، أخوك الّذي لَم تلده أمَّك، أو شقيقك الّذي ولدته أمّك!!
أيُّها المؤمنون، أيُّها المواطنون، أيُّها العرب، أيُّها المسلمون، أيُّها اللبنانيون، ماذا فعلتُم بنا وبأمثالنا، الّذين سوف نصحو بعد حين لنرى أنَّهم أصبحوا الأكثرية السَّاحقة من أهلنا، بعد الخيبة أو الخراب.
لقد عبَّر لي كثيرٌ من أحبابـي عن حرجهم منِّي وخجلهم أمام المتوترين من أصدقائهم من اعتدالي، من رذيلة اعتدالي!!!
إنِّي أسأل.. ألا يستطيع كثيرون من علماء المسلمين أو قليلون.. من كلِّ المذاهب والمشارب، أن يلتقوا، على كلمةٍ سواء.. هل عافوا الاعتدال الّذي لا يعني بحال خيانة الجماعة بل الوفاء لها؟ ألا يريدون أن يضحوا قبل أن يصبحوا ضحايا؟ ألا يستطيعون أن يتفقوا على التَّحكيم من دون ضرورة لأن يتنصل أيٌّ منهم من جماعته، قبل أن يحكم عليهم التَّاريخ بالتَّقصير؟ ألا يرون أنَّهم ذاهبون سريعاً إلى صلاة الخوف في زوايا بيوتهم أئمَّة من دون مأمومين؟ ومن دون خطبة جمعة ولا سبت ولا أحد!! وربَّما اضطروا إلى نزع عمائمهم ليأمنوا أو التَّنكر بخلع جببهم.. هذه الجبَّة إن لَم تكن مقيلاً للأغنام الضَّالة أصبحت أكفاناً وبيارق استسلام للفوضى والدَّمار والدَّهماء.. أمَّا العمائم فقد كانت تيجان العرب!!
أيُّها الأحبَّة العلماء الأجلاء.. لا يغرنَّكم ولا يغرينَّكم هذا الفوران للدين السِّياسيّ الّذي لَم تؤسِّسوه ويُراد إلحاقكم به مذعنين.. ولا هذا الإقبال على التَّمظهر بالمظاهر الدِّينيّة المبالغ فيها، ولا هذه اللحى الّتي تُرهب ولا تُرغب وتُبعد ولا تُقرِّب، ولا هذا الإقبال على اعتمار العمائم الّتي تحتاج إلى عقل ودين يعمُرها ولا يعمرها الفراغ.
ولا هذا الإفتاء في كلِّ شيءٍ من لا شيء.. إنَّ هذا الدِّين متين كما سمعتم وذقتم وطعمتم وهو البحر لا يختزله الموج الخفيف المتكسِّر على الشَّواطئ الرَّملية الهشَّة، وهو المدى والعمق الّذي لا يناسبه التَّسطيح.. ولنأخذ في اعتبارنا أنَّ كلَّ موجات الهوس الدِّينـيّ (والمذهبـيّ أنكى) قد أعقبت حالة من الزَّندقة العامَّة والفجور، كما أنَّ كلَّ طغيان للفجور ـ في الدِّين والسِّياسة وكلَّ شيءٍ ـ قد أعقب حالة من الهوس في الاتِّجاه المضاد.. وعليه فهذه المشاهد الذَّاهبة إلى الفاجعة لا بركة فيها.. وما أحوجنا جميعاً إلى الحيطة والحذر لأنَّ الدِّين إذا لَم يكن سكناً ومطمأناً للنَّاس، فإنَّهم سرعان ما يعافونه، ويبحثون عن خلاصهم في مكانٍ آخر، سواءً وجدوه أم لَم يجدوه.. ثُمَّ إلى أين، لقد أصبحنا على موعد هو في المدى المنظور تقريباً مع موجة كاسحة من العلمنة الهائجة الّتي قد لا يكون فيها من العلم إلاَّ أنَّها ضدَّ الدِّين.
بين ماضٍ عظيم وحاضرٍ دميم ومستقبلٍ بهيم، أرانا واحداً من اثنين واحد يدفع أمريكا وإسرائيل نحونا من ظهرهما وواحد يجرهما من يدهما.. والثَّالث مرفوع أو ممنوع أو مقموع لأنَّه في الوسط يرى مساحة أكبر من الحقائق.. الثَّالث فينا ومنَّا أي المعتدل.. حاله حال زرقاء اليمامة في بعد النَّظر.. وفي مكابرة القبيلة ورفضها لنصيحتها وتحذيرها الدَّقيق والمخلص، وصولاً إلى الكارثة.

هاني فحص

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.