wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
صورة الإسلام والمسلمين في الغرب

صورة الإسلام والمسلمين في الغرب
الواقع.. وآفاق التغيير

نبيل شبيب

تمهيد
كثر الحديث تحت وطأة الأحداث الجارية عمّا يوصف عموماً بصورة الإسلام والمسلمين في الغرب، فكأنّنا بصدد مشهد مصوّر محدّد المضمون، واضح القسمات، أو كأنّنا أمام مرآة تعكس صورتنا بما فيها من السلبيّات، التي علينا نحن تغييرها، بتحسين أنفسنا، وتجنّب أخطائنا، فجميع ذلك في دائرة مسؤوليّتنا نحن!..
يلفت النظر أولاً أنّ تبسيط الموضوع يتناقض مع أمر آخر وهو أنّ الغرب ليس نسيجاً واحداً متجانساً، وإن وُجدت فيه قواسم مشتركة تبيح تسميته غرباً على الإجمال. فالفوارق كبيرة وتشمل ميادين عديدة، بدءاً بالمنطلقات والتصوّرات الفكرية، مروراً بالمناهج والممارسات الثقافية والاجتماعية، وانتهاء بالمصالح المادية المعقّدة، الأبعد تأثيراً في صناعة الصورة.
إنّ هذا التنوّع يضع بين أيدينا عدداً كبيراً ممّا نسميه الصور المنتشرة عن الإسلام والمسلمين، وهذه تختلف فيما بينها، فقد تبرز من بينها الصور التي يغلب عليها العداء الشديد، أو تلك التي تعكس تخوّفاً كبيراً، ولكن كثيراً ما تغيب صور أخرى، ينطوي بعضها على الإنصاف وروح التسامح والتعايش على مستوى كثير من المثقّفين، ويصل بعضها إلى درجة الإعجاب والاقتناع، وهو ما يعبّر عنه مثلاً ازدياد عدد معتنقي الإسلام الغربيّين من مختلف الأعمار والفئات. 
إنّنا نرصد هذه الصور الإيجابية، ونقصد بها تحديداً صورة العداء والتخوّف، إنّما ينبغي أن نأخذ وجود تلك الصور الإيجابية الأخرى بعين الاعتبار، عند البحث عن العلاج أو عن أسلوب التعامل الأنسب مع الصورة السلبية. إنّ الصور المتعدّدة عن الإسلام والمسلمين في الغرب، تتكوّن من مزيج من العوامل، منها وجود الإسلام والمسلمين داخل الغرب نفسه، وهم بنسبة عالية قد تصل إلى الثلثين، إمّا من الغربيين المسلمين، أو من المتجنّسين، أو من المقيمين بصفة دائمة، فهؤلاء جميعاً أصبحوا جزءاً عضويّاً متميّزاً من المجتمع الغربيّ نفسه. 
كما يتميّز الوجود الإسلامي في الغرب بأنّ زهاء ثلثيه يتمثّل في فئات الأطفال والناشئة، مقابل نسبة تنخفض إلى الثلث من غير المسلمين في الغرب. 
العناصر الرئيسية للصورة السلبية

تركيز الحديث على الصورة السلبية يأتي نتيجة يفرضها واقعُ أنّ هذه الصورة هي السائدة، بل هي التي يراد أن تسود من جانب النسبة الأعظم من صانعي القرار في الغرب، على صعيدي السياسة والإعلام خاصّة، على المنطقة العربية والإسلامية، عسكرياً وسياسياً، وعلى الأصعدة الأخرى في ميادين الأفكار والتصوّرات والقيم. 
وليس هذا الاستنتاج دقيقاً، فمن يتابع الانتخابات الغربية يعلم أنّ زهاء تسعين في المائة من العوامل التي تحدّد اتجاه صوت الناخب عوامل اقتصادية معيشية واجتماعية وسياسية داخلية، ولهذا يمكن في ميدان السياسة الخارجية، أن تعارض نسبة شعبية عالية حربَ احتلال العراق مثلاً، لتسفر الانتخابات التالية رغم ذلك عن فوز أحزاب لا يعارض زعماؤها تلك الحرب وقد يؤيّدونها، ولكن يكسبون التأييد بسبب القضايا الداخلية الأخرى.
كذلك فالحديث عن الصورة السلبية إعلامياً، يمكن أن يدفع إلى القول إنّها الصورة المعبّرة عن عامّةِ المجتمع الغربي، نظراً لاأنّ الإعلام الحرَّ في الغرب يعبّر عن الرأي العام، وهذا ما يحتاج إلى إيضاح من خلال التنويه بثلاثة أمور.
(الأمر الأوّل) إنّ هذه الحريّة مقيّدة واقعياً بمفعول الاحتكار المادي لمعظم وسائل الإعلام الكبرى، بمعدّلات تتجاوز السبعين في المائة غالباً.
(الأمر الثاني) إنّ الإعلام أصبح وسيلة لصناعة الرأي العام أكثر منه وسيلة للتعبير
(الأمر الثالث) تفاوتُ الموقف الإعلامي –وكذلك القوانين التي تحكم القضاء- في التعامل مع قضايا داخلية وأخرى خارجية، لأسباب عديدة، ولهذا يمكن مثلاً أن يسقط وزير من السلطة تحت تأثير كشف الإعلام عن انتهاك بعض العاملين في وزارته لحقوق الإنسان داخل بلده، ولا يسقط بالضرورة إذا كان الانتهاك خارج الحدود، حتّى وإن كان انتهاكاً إجراميّاً صارخاً.
أمام هذه المعطيات الأولية نطرح السؤال المحوريّ للموضوع: ما هي عناصر الصورة السلبية الكامنة لدى صانع القرار الغربي بالذات، تجاه الإسلام والمسلمين؟ وكيف تكوّنت حتّى غلب عليها العداء الشديد؟
ندع في محاولة الجواب الخوضَ فيما صنعه التاريخ، فقد أُشبع بحثا تحت عناوين الاستشراق والاستعمار والحرب الصليبية وغيرها. ونركّز النظر على الجانب المصنوع من هذه الصورة السلبيّة حديثاً، وهو ما ساهمت وتساهم فيه المنتجات الفكرية والتعليمية والمدرسية والفنيّة والثقافية، بالإضافة إلى السياسات الرسمية والإعلامية. 
بعض ذلك ذو صلة بالموروث تاريخياً، ولكنّ كثيرا منه مضاف إلى هذا الإرث، ونجده في أربعة عناصر رئيسية، متداخلة، إنّما نَفْصِلها عن بعضها تسهيلا للبحث فيها، وهي: العنصر العقدي والفكري، والعنصر الثقافي والاجتماعي، والعنصر الاقتصادي المصلحي، والعنصر السياسي والأمنيّ.
نلاحظ أوّلاً أنّ صانع القرار السياسي في مختلف هذه الميادين في الغرب، هو ما يوصف بمراكز القوى الفاعلة الرئيسية، وذلك من وراء الواجهة التنفيذية للأجهزة الحكومية والحزبية والمعاهد الفكرية وأمثالها. وهذه تتبدّل ولكن لا يتبدّل صانع القرار، لأنّ الموازين القائمة ما بين مراكز القوى الرئيسية شبه ثابتة، تبقى غالباً لفترات زمنية طويلة دون تبديل. والمهمّ هنا أنّ الجيل الذي يصنع القرار حالياً هو من حقبة ما عُرف بثورة الطلبة في أواخر الستينات الميلادية الماضية، والتي أحدثت تغييراً جذرياً في التصوّرات الفردية والجماعية، في مجالات عديدة، منها:
1) ما تضمّن ازدياد التعصّب العلماني على خلفية التحلّل الخلقي، لا سيّما في أوروبا.
2) مقابل أشكال أخرى من التعصب الديني بما في ذلك ما بات يُعرف بالمسيحية التوراتية في أمريكا.
 
1- العنصر العقدي والفكري
إذا تأمّلنا في حصيلة هذا التطوّر التاريخي الحديث نسبياً، نجد أنّ العلمانية الحديثة أصبحت في الواقع دينا أصولياً جديداً بجذور تاريخية متعدّدة المشارب. واصطنعت بدورها أو نشأ إلى جانبها ما يصحّ وصفه بالعقيدة المادية، أو دين "وحدانية السوق" على حدّ تعبير روجيه جارودي. وبالمقابل بات التمسّك بقيم خلقيّة، كما بات ربطُ صناعة الحدث أو تفسيرُه بالقيم الإنسانية، مدعاةً للسخرية، أو سبباً للاتّهام بالبعد عن الواقعية وعن لغة المصالح المادية.. 
لا يخفى التناقض بين هذه المرتكزات وبين الإسلام ومنطلقاته وتصوّراته وأولويّة القيم الخلقية والإنسانية فيه. وكلّما ازدادت المعرفة بالإسلام وقيمه داخل المجتمع الغربي، لا سيّما في أوساط الشبيبة حالياً بفعل ثورة الاتصالات الحديثة، تضاعفت مخاوف صانعي القرار في الغرب، على الصرح الذي شُـيّد اعتمادا على احتكار التقدّم التقني والمادي وعلى تسخيره لتحقيق أغراض فئات محدودة نسبياً، هي التي تستفيد أكثر من سواها بما لا يقاس من هذا التقدّم، وهذا مقابل تجدّد انتشار هوّة الفقر والثراء وهوّة الجهل والعلم داخل المجتمعات الغربية نفسها وليس بين الشمال والجنوب فقط.
إنّ قسطاً كبيراً من العداء العقدي والفكري للإسلام، وبالتالي العمل على نشر صورة سلبية له، يعود على الأرجح، إلى ما يصنعه ذلك التخوّف لدى الفئات المهيمنة في الغرب، هيمنةً تعتمد على تصوّرات يمكن في حال وضعها وجها لوجه أمام المنطلق العقدي والفكري الإسلامي دون تشويه أو تزييف، في حوار متوازن، أو في التفاعل اليومي للإنسان الفرد مع ما يقع حوله. يمكن أن يؤدّي ذلك إلى زعزعة مفعول تلك التصوّرات المعتمدة داخل المجتمعات الغربية نفسها. بتعبير آخر: جذور التخوّف الراهن كامنةٌ في القطاع العقدي والفكري مباشرة، بينما يمكن اعتبار العداء والتخوّف في الميادين الأخرى نتيجة وليس منطلقا لتصوّرات سلبية وعدائية.
2- العنصر الثقافي والاجتماعي
من ذلك ما صُنع في العنصر الثقافي والاجتماعي، ممّا ترمز إليه المناهج المدرسية، أو الصناعة السينمائية، أو مشاهد الانحياز الثقافي المعروفة في بعض الأمثلة الصارخة كحكايات سلمان رشدي، فجميع ذلك وليد منطلقات أصولية عقدية وفكرية مسبقة، إلى جانب الموروث تاريخيّاً. وهذا الموروث تاريخياً يُستعان به في القطاع الثقافي والاجتماعي، ولكن من باب توظيفه وليس نتيجة جهل ما بحقيقة الإسلام وحقيقة الحقبة الحضارية الطويلة المرتبطة به، وهي الحقبة التي قفزت أدبيّات عصر التنوير الأوروبي من فوقها قفزة واسعة، فتجاهلها الغربيّون في القرون الماضية، وكأنّها لم تكن. وهذا ما نرصده على مستوى قطاعات واسعة من العامّة من السكان، أي الناشئين في محاضن تلك المناهج التعليمية والتثقيفية والسلوكية الاجتماعية، 
هذه الفئة هي التي صنعت الجهل تجاه الإسلام صنعاً، وعمّمته، ووجدت في هذا السبيل ما يسهّل عليها مهمّة التنفير من الإسلام والتخويف منه، عبر ما تنشره من صور عدائية متجدّدة.
وهذا بعض ما عايشناه على امتداد عدة عقود سابقة، بينما نرصد الآن حدوث ثغرات ثقافية واجتماعية في نسيج انتشار الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين، وهي ثغرات أرغمت واضعي المناهج المذكورة على بعض التراجع عن بعض الافتراءات القديمة، وتعود تلك الثغرات في الدرجة الأولى إلى عاملين:
1) مفعول تقنيات الاتصال الحديثة. 
2) التطوّر النوعيّ لوجود الإسلام والمسلمين في الغرب، فقد ساهم هذا وذاك في التعريف بالإسلام، وردّ بعض الشبهات والاتهامات تجاهه.

بهذا المنظور يمكن القول إنّ اللجوء حديثاً إلى استخدام القوّة العسكرية المباشرة، بعنف أشدّ ممّا مضى وعلى رقعة جغرافية أوسع، يعبّر عن شكل من أشكال الإفلاس الغربي عموماً، والأمريكي خاصّة، في المواجهة الطبيعية للإسلام في ميادين العقيدة والفكر والقيم والثقافة.
3- العنصر الاقتصادي المصلحيّ
وليس مجهولاً أنّنا نركّز الاهتمام على هذا العنصر، انطلاقاً من أنّ الحضارة الغربية تعطي الأولويّة للمادّة تجاه القيم،ولكن لا ينبغي فهمه بأسلوب التعميم المطلق، لا سيّما عندما نبحث في صورة العداء السلبيّة تجاه الإسلام والمسلمين.
هذه الصورة لا يمكن تفسيرها تفسيراً منطقياً بموازين المصلحة المادية وحدها، وحتّى عندما نأخذ بعين الاعتبار أنّ ما نصفه عموماً بالمصالح الغربية، ينطوي في الواقع على مطامع غير مشروعة، قائمة على استغلال لثروات الآخرين. حتّى في هذه الحالة يصعب تفسير الصورة المعادية تفسيراً منطقياً، وهذا ما تعبّر عنه مثلاً التساؤلات المطروحة في بعض الأحيان عن أسباب الانحياز الأمريكي للجانب الإسرائيلي دون العربيّ والإسلامي، رغم حجم المصالح المادية الكبرى التي تمثّلها المنطقة العربية والإسلامية. 
إنّ الجانب المادي لا يفسّر ظاهرة العداء إلاّ عندما نراه جزءاً من مجموعة العوامل الأربعة المذكورة، بدءا بالعقيدة، وانتهاء بالمسائل الأمنية.
أمر آخر يرتبط بالعامل الاقتصادي المصلحي، وهو أنّ المصلحة المادية في الغرب تحكم العلاقاتِ بين البشر فيه، ولا مجال للتفصيل في مدى انضباطها أو عدم انضباطها في إطار هذا النظام، ولكن حتّى القليل من الضوابط السارية داخل منظومة العلاقات في الغرب نفسه، نفتقده عند النظر في موازين المصالح المادية للغرب خارج حدوده، ونتأمّل في سلوكيّات القائمين عليها، إذ أصبحت المصالح، أو المطامع الاستغلالية، تحكم العلاقاتِ مع الآخر في ظلّ نظامٍ دولي لا يعود إلى القيم والقواعد الموثّقة نظرياً.
ويبقى السؤال.. عن موقع العنصر المادي المصلحي في رسم الصورة العدائية السلبية عن الإسلام والمسلمين. 
في الوقت الحاضر لا يوجد في الواقع القائم في البلدان العربية والإسلامية ما يشكّل خطراً اقتصادياً أو مالياً على الغرب، أي ما قد يستدعي صناعة الصورة المعادية، بل على النقيض من ذلك، يمكن بطريق التفاهم والتعايش والتعاون تحقيق مصالح كبرى للغرب بالذات، وفي هذا ما يؤكّد أنّ نشأة تلك الصورة تعود إلى مفعول العناصر الثلاثة الأخرى، أكثر من عنصر المصلحة المادية.
لا يعني ذلك عدم تأثير المصالح المادية الغربية على صناعة الصورة العدائية، ولكن تأثيرها يكمن في تحديد آليّة صناعتها، وهذا ما يستدعي التأمّل في الحلقات الواصلة ما بين الإحساس بوجود خطر ما من جانب الإسلام والمسلمين، وبين العمل على نشر الصورة العدائية وتعميمها.
إنّ إحساس صانع القرار الغربي بخطر إسلامي ما، هو إحساس صادرٌ عن معرفته بمفعول العقيدة والقيم في الإسلام أولاً، وبمفعول الطاقة البشرية الكبرى للمسلمين ثانياً، على طريق الوصول آجلاً أو عاجلاً إلى إنشاء وعاء حضاري جديد لمسيرة التقدّم التقنيّ والعلمي والمادي المشتركة في تاريخ البشرية. 
وعن هذا الإحساس أو التقدير من جانب فئة المسيطرين على المصالح المادية الغربية وعالمياً ينطلق الدافع الأول، لاستخدام قوّتهم المادية المسيطرة على صناعة القرار السياسي والإعلامي خاصة، من أجل صناعة صورة سلبية عن الإسلام والمسلمين. ولهذه الصورة هدفان عمليّان: 
أوّلهما) تبرير الهجمات المباشرة على المسلمين وأرضهم، كما في أفغانستان والعراق وفلسطين وسواها.
والثاني) عرقلة تسرّب مفعول إرهاصات النهضة الحضارية الإسلامية إلى داخل الغرب ومفاهيم أهله، إذ يقدّرون أنّ هذه النهضة المحتملة إن تحقّقت، فمن طبيعة الإسلام ومن سنن التاريخ أن تكون نهضة حضارية إنسانية شاملة، لا تقف خارج حدود الغرب ولا تقف عند حدود وقوعه داخليا تحت وطأة إعطاء الأولوية للمادّة على القيم.
ونبصر هذا التسلسل بوضوح أكبر عند الربط بين: ما طرحته أفكار صدام الحضارات ونهاية التاريخ، ودعوات العولمة بمعنى نشر أسلوب الحياة الأمريكي أو فرضه عالمياً، والتخطيط الموثّق لمراحل الهجمة العسكريّة الحالية منذ مطلع التسعينات الميلادية الماضية.
4- العنصر السياسي والأمني 
نصل بذلك إلى العنصر الرابع والأخير ذي التأثير على الصورة العدائية السلبية، وهو العنصر السياسي والأمني. ونجد تلقائيّاً أنّه يحتلّ موقع الوسيلة التي يستخدمها صانع القرار، لتبرير ما يعمل على تمريره من قرارات وخطوات لتحقيق أهداف وضعها مسبقاً وفق منطلقاته العقدية والفكرية وتكوينه الثقافي والاجتماعي، واعتماداً على قوّة مصالحه ومطامعه المادية.
يؤكّد ذلك مثلاً أنّ كثيراً من تفاصيل الهجمة العسكرية الراهنة، كانت موضوعة مسبقاً، ولم تكن كما تقول الألسنة السياسية والإعلامية غالباً ردّةَ فعل على حدث معيّن، مثل احتلال الكويت عام 1990م، أو انتفاضة الأقصى عام 2000م، أو تفجيرات نيويورك وواشنطون عام 2001م.
لقد أخفقت وسائل الغزو الفكري والثقافي، والوسائل العسكرية المحدودة نسبياً في تطويع المنطقة على مستوى الشعوب، بغض النظر عمّا تحقّق من تطويع الحكومات وبعض التيارات. 
هذا الهجوم يتطلّب في الغرب تعبئة شاملة على المستوى الشعبي، والتعبئة هي ما يُوظَّف العنصر السياسي والأمنيّ لتحقيقها، وهذا ما يُستخلص مباشرة من التصريحات والكتابات السياسية لكثير من الركائز الرئيسية في تيّار المحافظين الجدد والمسيحيين التوراتيين وسواهم، ومحور هذه التعبئة الشعبيّة المستهدفة في الغرب، هو نشر تلك الصورة السلبية المعادية للإسلام والمسلمين.
ولا أجد هنا حاجة إلى التفصيل في جوانب أخرى أُشبعت بحثاً، مثل موجة العمليات الإرهابية باسم الإسلام، أو التطرّف في مواقف معلَنة باسم الإسلام، أو انتهاك حقوق الإنسان، أو سوى ذلك من الممارسات المرفوضة إسلاميّاً من الأصل، والمرفوضة بميزان ما يحقّق مصلحة الإسلام والمسلمين.. 
إنّ هذه الجوانب تساهم في توفير المادّة المناسبة لرسم معالم الصورة العدائية السلبية، ولكن سيّان ما أذكره بصددها، سيكون ممّا سبق ذكره وبحثه، وهو ما يلفت النظر إلى كثير من المبالغة في التركيز عليه إلى درجة تحويله إلى منظار أصبحنا لا نرى بقية ما يجري إلاّ من خلاله، وهو ما لا يكشف لنا الواقع على حقيقته.
مع ضرورة أخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار، ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أيضاً، أنّ القوى العاملة على رسم الصورة العدائية السلبية ونشرها، توظّف تلك الظواهر المرضية في دائرة وجودنا العربي والإسلامي، مثلما توظّف سواها لتحقيق أغراضها الموضوعة مسبقاً، ومن الثابت أنّ للصورة العدائية السلبية موضوعِ الحديث جذورَها الذاتية في الغرب، ودوافعَها الذاتية، فلا يكفي التعامل مع هذا الموضوع، دون النظر إليه بمنظوره الشامل، وعدم الاكتفاء بالبحث فيه من جانب واحد، لمجرّد حرصنا على أن نبدأ التغيير بأنفسنا، فمن جوانب هذا التغيير لأنفسنا أن نكون أقدر على استيعاب ما يصنع الآخر، وكيف يصنعه، وما يريد الوصول إليه.
أوجز ما سبق في بضع عبارات:
- الغرب كتلة غير متجانسة، فيه صور عديدة عن الإسلام والمسلمين ، إحداها وأكثرها فاعلية، الصورة العدائية السلبية.
- تصنع هذه الصورةَ فئاتٌ مهيمنة على صناعة القرار من وراء الواجهات السياسية والإعلامية  التنفيذية المتبدّلة.
- تقوم هذه الصورة على الموروث تاريخياً، وتطوّرِه، وتزيد روحَ العداء والسلبيّة فيها المعطياتُ والتطوّراتُ نتيجة النظر إليها بمنظور غربي يتضمّن الإحساس بخطر حضاري إسلامي قادم.
- تأخذ المصالح المادية الغربية مكانها كجزء من بنية هيكلية تصنع الصورة العدائية، الصادرة عن منطلقات عقدية وفكرية، والمنتشرة في الميدان الثقافي والاجتماعي، بينما يصنع الجزء السياسي والأمني من هذه البنية الهيكليّة المبرّراتِ المرافقة لممارسة العداء على أرض الواقع.

العوامل المؤثّرة للتغيير

لا تنحصر مسألة تغيير هذه الصورة العدائية السلبيّة في حدود العمل على التخلّي من سلبيّاتنا الذاتية، وهي كبيرة وخطيرة، من عناوينها الاستبداد والإرهاب، والتعصّب في مختلف التيّارات، والانحلال والفساد.. وغير ذلك ممّا انتشر في الحقبة الماضية. وليس مجهولاً أنّها الحقبة التي شهدت إقصاء الإسلام لحساب التغريب في معظم ميادين الحياة والحكم.
السؤال عن إزالة السلبيّات الذاتيّة مشروع وضروري، على ألاّ يوضع في قالب الحديث عن تحسين صورتنا في الغرب بدعوى كفّ شرّ الفئة المسيطرة على صناعة القرار فيه.
هذه الصيغة توهم بأنّ الغرب يريد أن نُحدث نحن تغييراً ذاتياً، يؤدّي إلى تحرير طاقاتنا السياسيّة والبشرية والاقتصادية والمالية وغيرها، وهو تصوّر ساذج لا يَفيد الترويجُ له بزعم أنّ هذا يحقّق مصالح مادية للغرب نفسه.
بالمقابل يجب العمل من منطلقنا الذاتي للتغيير، كشرط لتحوّل إرهاصات نهوضنا الحضاري إلى مشروع حضاري واضح المعالم، قابل للتطبيق في عالمنا وعصرنا، رغم الظروف المعيقة، محليّاً ودولياً، وهذا ما نعتقد بأنّه يحقّق المصلحة للبشرية عموماً، بما في ذلك الغرب، ولا يشاطرنا صانع القرار الغربيّ هذه الرؤية. ولهذا فإنّنا إذا خطونا خطوات عمليّة في هذا الاتجاه، من العسير أن نرى في الحصيلة ما يمكن أن يمثّل هدفا لصانع القرار في الغرب، حتّى وإن تضمّنت تلك الخطوات التخلّص من الإرهاب مثلاً، ولهذا كما أنّ علينا العمل على التخلّص من الإرهاب لمصلحتنا الذاتية، يجب أن ننهض بكلّ مهمّة أخرى باتجاه التغيير لمصلحتنا الذاتية أيضاً، سواء اقترن بذلك بإيجاد دافع ما لدى صانع القرار الغربي للعدول عن صناعة الصورة العدائية السلبية ونشرها أم لم يقترن، ولا نغفل على أيّة حال عن أنّ إزالة سلبيّاتنا يضع العقبات في وجه من ينشر تلك الصورة في المجتمعات الغربية عموماً.
إنّ هدف التغيير المطروح يتطلّب صيغة يمكن أن تقوم على محورين:
1) حاجتنا الذاتيّة لتوفير أحد شروط نهوضنا الحضاري.
2) طرح مشروعنا الحضاري على مستوى عالميّ يشمل المجتمع الغربي.
وبقدر ما يتحقّق من ذلك، يمكن أن ندعم انتشار الصور الإيجابية العديدة الأخرى عن الإسلام، وتلك المتفهّمة لكثير من قضايا المسلمين، والمتزايدة على المستوى العام، خارج نطاق صانعي القرار في الغرب. 
ويستدعي العمل في إطار هذه الصيغة التحرّك في وقت واحد على ثلاثة أصعدة:
الصعيد الأول: داخل البلدان العربية والإسلامية من جانب الحكومات وسواها من الأجهزة الرسمية.
الصعيد الثاني: ما يوصف عادة بالنُخب، من علماء ودعاة ومثقفين ومفكرين وزعماء حزبيين ونقابيين وغيرهم، بما يتجاوز العوائق والحواجز بين التيّارات والتصوّرات المتعدّدة.
الصعيد الثالث: التواصل مع المسلمين في المجتمعات الغربية.
 
الصعيد الأول : على الصعيد الرسمي
نأخذ مثالاً ما زال مطروحاً على الساحة لاستشراف أحد معالم العمل الممكن والضروري على الصعيد الرسمي، والمثال هو ما رصدنا من تفاعل مع فضائح التعذيب الأمريكية والبريطانية، فقد أحدثت ما يشبه الزلزال على صعيد العلاقة بين صنّاع القرار والرأي العام في الغرب، وهو ما يشمل تلقائياً مسألة الصورة العدائية للإسلام والمسلمين.
ورصدنا أيضاً أنّ ممّا أضعف جزئياً تأثيرَ الحدث، ما تردّد مراراً أنّ من أسباب ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، انتشارَ ممارسات التعذيب في كثير منها، بل ساهم بعض الأصوات في نشر مزاعم تقول إنّ للتعذيب جذورَه التاريخية في الثقافة العربية-الإسلامية.
توجد أمثلة أخرى في ميدان الحقوق والحريات، والتقدّم والتخلّف، والثراء والفقر، والشفافية والفساد.. ولكن قبل التوقّف عند القاسم المشترك بينها، أودّ في هذا الموضع التنويه بين قوسين بمعنى أساسي:
التعامل مع صورة الإسلام في الغرب معروف، فهو يعني التعامل مع ما يقال عن الدين الإسلامي نفسه، بعقيدته وتعاليمه وقيمه وأحكامه وآدابه ونهجه الحضاري.. أمّا التعامل مع صورة المسلمين في الغرب، فينبغي أن يستقرّ لدينا، ضرورة النظر إلى كلمة "المسلمين" باعتبارها تشمل مَن ينتمون إلى الإسلام عقيدة والتزاماً، وكذلك من ينتمون إليه تاريخاً وحضارة وثقافة، من غير المسلمين داخل الدائرة العربية والإسلامية، ومن المسلمين غير الملتزمين بدرجات متفاوتة بالإسلام عقيدة ومنهجاً.
إنّ الأخطار الناجمة عن تلك الصورة العدائية وتوظيفِها شاملةٌ للجميع، ومن هنا فإنّ أي جهد يُبذل للتخلّص من سلبياتنا الذاتية يجب أن يشمل الجميع، وينعكسَ في واقع الجميع، ولا ينحصرَ في الإطار النظري والفكري والثقافي. 
ونعود إلى القاسم المشترك بين الأمثلة المشار إليها لنؤكّد المسؤوليّة الكبرى الواقعة على الحكومات والأجهزة الرسمية المختلفة، من حيث العمل على إزالة السلبيات على أرض الواقع، فلن نؤثّر -كما نريد- بالفكر والحجّة النظرية على تفاعل المجتمع الغربي مع تهمة الاستبداد أو انتهاك حقوق الإنسان أو الفساد أو ما شابه ذلك، في نطاق الصورة العدائية المطروحة بين يديه. لن نؤثّر دون إزالة هذه السلبيات وأمثالها على أرض الواقع، وأوّل من يستطيع ذلك ويحمل المسؤولية عنه الحكومات، والمقصود هنا، اتخاذ خطوات جادّة مرئيّة، واضحة المعالم، محدّدة المضمون، وفق مخططات زمنية معقولة وملزمة.. فآنذاك قد ينتشر الاقتناع داخل المجتمعات العربية والإسلامية وربّما خارجها أيضاً، بأنّ التغيير آخذ مجراه بصورة جادّة، وتكتسب الشعارات والأهداف والبيانات بعض المصداقية التي ما نزال نفتقدها على هذا الصعيد، كما تشهد الجولات المعروفة تحت عنوان "الإصلاح" مؤخرا!. 

الصعيد الثاني : على صعيد النخب والعمل الشعبي
أعتقد أنّه إذا كان العبء التطبيقي الأكبر واقع على عاتق الحكومات، فإنّ منطلق التفكير والتخطيط والتقويم والتوجيه بأيدي بالنخب، وإذ أذكرها هنا مع ذكر كلمة العمل الشعبي، فللاعتقاد الجازم أنّ النخبة من العلماء والدعاة والمفكّرين والمثقفين ومن الناشطين في الأحزاب والنقابات وغيرها، لا تحمل هذا الوصف عن استحقاق عبر ما وصلت إليه من معرفة أو من رُتب اجتماعية، عبر درجة التحامها الفعليّ بواقع الشعوب، بإمكاناتها ومعاناتها، بأحلامها وطاقاتها، بجراحها وسبل تضميدها. 
إنّ الإلحاح مستمرّ على ضرورة إظهار الصورة الناصعة للإسلام بحقيقته وحقيقة حضارته الإنسانية، وقد يساهم إنتاج النخب في ذلك، وقد يصل بعض مفعوله إلى النخب الأخرى خارج الحدود، ولكن مفعول الصورة العدائية وهو موضع الحديث، لا يتأثّر ويضمحلّ بصورة منظورة، إلاّ من خلال رؤية التفاعل الحيّ على أرض الواقع، بين صاحب الفكر والقلم، وبين معاهد البحوث وما تصدره من كتب ومطبوعات وتعقده من مؤتمرات وندوات، وبين مطابخ القرار السياسي والاقتصادي والإعلامي وغيره ...
وبين أيدينا نتيجةَ وطأة الأحداث الجارية فرصةٌ تاريخية وإن كانت مأساوية، ليتطوّر عمل النخب، لا سيّما وأنّ الصور الإيجابية التي تواريها الصورة العدائية المعمّمة أكثر من سواها في الغرب، والمطلوب تواصل الأنداد القائم على الحوار والعطاء المنهجي والوجداني معاً، ونعلم أنّ لدينا الكثير لطرحه منهجياً، كما أنّ في الأوضاع المأساوية الكثير ممّا يُفترض فيه أن يفجّر القدرة على الإبداع المؤثّر وجدانيا على مختلف المستويات.
إنّ عطاء النخب داخلياً بما يتفاعل مع الشعوب ويحرّك طاقاتها، وخارجياً بما يدعم من يسعى للإنصاف تجاه الإسلام وقضايا المسلمين، خطوة حاسمة وضرورية لتعطيل مفعول السلبيات في الصورة العدائية التي تنشرها الفئات الساعية للهيمنة المطلقة، داخل الغرب، وعالمياً. 

الصعيد الثالث : على صعيد المسلمين في الغرب
وينقلنا الحديث عن دور النخب إلى الحديث عن دور التواصل مع المسلمين في الغرب، بعد أن بدأ وجودهم يتطوّر إيجابيّاً، رغم الضغوط المتزايدة عليهم، كما بدأت ترتفع تدريجياً نسبة القادرين منهم على العطاء الإيجابي، عبر التعامل المباشر مع المجتمعات التي يعيشون فيها بلغات أهلها الأصليين، وعبر القنوات التي صنعتها الخبرة العملية بصدد أساليب الفكر ومواطن التأثير، مع الحرص على تنمية آفاق الحوار المباشر، والتسامح المتبادل، واحترام الآخر، وترسيخ المظاهر العملية للتعدّدية الثقافية أو التنوّع الحضاري داخل المجتمعات الغربية.
إنّ توثيق أسباب التواصل المباشر بين نخب ناشطة في البلدان العربية والإسلامية، وبين ما بدأ يظهر من نخب ناشطة في الغرب في أوساط المسلمين عقيدة والتزاماً وأصحاب الانتماء الحضاري الإسلامي. هذا التواصل يمكن أن يصنع جسراً بالغ الأهمية، لتعريف عموم السكان في المجتمعات الغربية بالصورة الحقيقية للإسلام وركائزها الحضارية الإنسانية المشتركة، بحيث تفرض الإيجابيات نفسها ويضمحل مفعول السلبيات، وبحيث تنفح أبواب جديدة لتفهّم قضايا المسلمين المعاصرة، تفهّما أكبر، يتجاوز حدود منظور الفئات المهيمنة على صناعة القرار، وما تمارسه.

خاتمة
وبعد ... فإنّ الأوضاع الدولية تؤكّد أنّ المرحلة الانتقالية الراهنة، ما بين الحرب الباردة ونظام دولي قادم، لا مكان فيه لهيمنة القطب الواحد، تدفع دفعا إلى الاعتقاد بأنّ القيم الإنسانية المشتركة ستعود آجلاً أو عاجلاً إلى مكان الصدارة، وأنّ سيطرة المصالح والمطامع الأنانية الفئوية ستتقهقر رغم تسلّطها.
وبقدر ما يتحرّك العاملون على أرض الواقع تنتشر معالم التغيير الإيجابي المرجو، فإذا اتخذت حركتهم صيغة مشروع حضاري إسلامي إنساني، واقترنت بالتخطيط والعمل المنهجي، عاد الأمل الضائع حالياً، في أن يكون للبلدان العربية والإسلامية مكان فعليّ على خارطة المستقبل، بدلاً من بقائها على هامش الهامش.  
ويبقى في الختام السؤال: ما علاقة ما سبق بكلمة الوسطية، وهي عنوان هذا المؤتمر، ولم يرد ذكرها في الحديث؟..
والجواب بعبارات موجزة:
إنّ الصورة العدائية السلبية تجاه الإسلام والمسلمين، التي تُنشر وتُستغلّ في الغرب حاليا، هي الصورة المزيّفة، التي تنفي عن الإسلام وسطيّته واعتداله، وعن المسلمين قدرتهم على التعامل مع بعضهم ومع سواهم على أساس وسطية الإسلام واعتداله، بدءا بميدان العقيدة والإنسان والقيم، مرورا بقضايا العلم والتقدّم والرقيّ، وانتهاء بالتعامل مع الحدث السياسي والاقتصادي نفسه.. وإنّ طرح الصورة الحقيقيّة القويمة عن الإسلام في عالم الفكر والواقع، يعني بالمقابل إظهار الإسلام بوسطيته واعتداله وبتكامله وشموله وتوازنه، عقيدة ونظاماً، للفرد وللمجتمع، ومنهجا عادلا للتعامل البشري الشامل.. ونرجو أن نرتفع بأنفسنا إلى مستوى إسلامنا هذا في واقع حياتنا وعملنا.
نرجو ذلك وندعو إليه، وهو ما آمل أن أكون قد وُفّقت في عرض ما طُلب إلى عرضه من خواطر حوله، فإن أخطأت فمن نفسي، وإن أصبت فمن فضل الله، وإيّاه أسأل التوفيق لما يحبّ ويرضى من قول وعمل. 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.